مرج البحرين يلتقيان، [1] The two seas meeting side by side، هي عبارة جاءت في عدة آيات قرآنية، من قبل أربعة عشر قرناً، تتحدث عن ظاهرة فيزيائية ، تحدث داخل البحار.


هذه الظاهرة، هي وجود برزخ، أوحاجز، أو فاصل (غير مرئي) بين المياه المالحة، والمياه العذبة، وذلك عند إلتقائهما في مكان ما، هذا الحاجز يحول دون حركة مياه البحرين، باتجاه بعضهما البعض، فلا يمتزجان أبدا. حيث قال تعالى :{وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا}،[2] ، وقوله تعالى :  مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ    بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ   ،[3]،[4]، وقوله سبحانه : {أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ }،[5] .

التحقيق العلمي

شاهد الإنسان، منذ القديم النهريصب في البحر، ولاحظ أن ماءالنهر يفقد –بالتدريج- لونه المميز، وطعمه الخاص كلما تعمق في البحر، ففهم من هذه المشاهدة، أن النهر يمتزج بالتدريج بماء البحر، ولولا ذلك لكان النهر بحراً عذباً، يتسع كل يوم حتى يطغى على البحر.[6]

ومع تقدم العلم، وانطلاقه لاكتشاف أسرار الكون، أخذ يبحث عن كيفية اللقاء بين البحر والنهر، ودرس عينات من الماء حيث يلتقي النهر بالبحر، ودرس درجات الملوحة والعذوبة بأجهزة دقيقة، وقاس درجات الحرارة، وحدد مقادير الكثافة، وجمع عينات منالكائنات الحية وقام بتصنيفها، وحدد أماكن وجودها، ودرس قابليتها للعيش في البيئات النهرية والبحرية. وبعد مسح لعدد كبير من مناطق اللقاء بين الأنهار والبحار، اتضحت للعلماء بعض الأسرار التي كانت محجوبة عن الأنظار، واكتشف الباحثون أن المياهتنقسم إلى ثلاثة أنواع [7]:

  1. مياه الأنهار، وهي شديدة العذوبة.
  2. مياه البحار، وهي شديدة الملوحة.
  3. مياه في منطقة المصب، وهي مزيج من الملوحة، والعذوبة، وهي منطقة فاصلة بين النهر والبحر، متحركة بينهما بحسب مد البحر وجزره، وفيضانالنهر وجفافه، وتزداد الملوحة فيها كلما قربت منالبحر، وتزداد درجة العذوبة كلما قربت من النهر.
  4. يوجد "برزخ مائي"، يحيط بمنطقة المصب، ويحافظ على هذه المنطقة بخصائصها المميزة لها، حتى ولو كان النهر، يصب إلى البحر من مكان مرتفع، في صورة شلال.
  5. عدم اللقاء المباشر بين ماء النهر، وماء البحر في منطقة المصب بالرغم، من حركة المد والجزر وحالات الفيضان، والانحسار التي تعتبر من أقوى عوامل المزج، لأن "البرزخ" المحيط بمنطقة المصب، يفصل بينهما على الدوام.
  6. يمتزج ماء النهر، بماء البحر، بصورة بطيئة، مع وجود المنطقة الفاصلة من مياه المصب، والبرزخ المائي، الذي يحيط بها ويحافظ على وجودها.
  7. تختلف الكتل المائية الثلاث (ماء النهر، ماء البحر،وماء المصب) في الملوحة والعذوبة، وقد شاهد الباحثون الذين قاموا بتصنيف الكائنات الحيةالموجودة فيها ما يلي: معظم الكائنات التي في، البحر، والنهر، والمصب، لا تستطيع أن تعيش في غير بيئتها. ويوجد بعض الأنواع القليلة مثل سمك السلمون، وثعابين البحر، تستطيع أن تعيش في البيئات الثلاث، ولها قدرة على أن تتكيف مع كل بيئة، فعديدات الأشواك فيفينس، وَمَعِدِيَّاتُ الأرجل لبتورينا، نيريتا، والسركانات، توجد في المصبات، ولكنها يمكن أن تعيش في المناطق البحرية عند مناسبة الظروف البيئية، أما النيريس، وهي من عديدات الأشواك، ومَعِدِيَّات الأرجل نيريتينا، هيدروبيا، والقشريات سيانثورا، فتعتبر حيوانات لمنطقة ماء المصب ولا توجد في البحر، ومعظم كائنات البيئات الثلاث تموت، إذا خرجت من بيئتها الخاصة بها.

وبتصنيف البيئات الثلاث، باعتبار الكائنات التي تعيش فيها، تعتبر منطقة المصب منطقة حجر على معظم الكائنات الحية التي تعيش فيها، لأن هذه الكائنات لا تستطيع أن تعيش إلا في نفس الوسط المائي المتناسب في ملوحته، وعذوبته، مع درجة الضغط الاسموزي، في تلك الكائنات، وتموت إذا خرجت من المنطقة المناسبة لها، وهي منطقة المصب. وهي في نفس الوقت منطقة محجورة على معظم الكائنات الحية التي تعيش في البحر، والنهر، لأن هذه الكائنات تموت، إذا دخلتها بسبب اختلاف الضغط الاسموزي أيضاً.

إكتشافات العلماء

من الأشياء الغريبة في عالم البحار، وجود بحر مالح وبحر شديد الملوحة، وبحر عذب، وفي منطقة آلاسكا (خليج آلاسكا، شمال المحيط الهادئ)، التقط العلماء صوراً للبرزخ المتشكل بين البحرين، ويظهر البحر شديد الملوحة بلون غامق، أما البحر قليل الملوحة فيظهر بلون فاتح، أما البرزخ فيظهر واضحاً بينهما.[8]

في هذه المنطقة من خليج آلاسكا، تحدث ظاهرة حيرت العلماء، ولم يجدوا لها تفسيراً علمياً حتى الآن، فقد وضعوا في التجربة ماء عذباً، وماء مالحاً فاندمجا تماماً، ولم يحدث بينهما أي برزخ ومهما كانت كمية الماء الممزوجة. ولكن في حالة هذا البحر، يؤثر فارق الملوحة والكثافة، على كلا البحرين، فيتشكل برزخ يشبه الجدار الصلب بينهما، وعلى الرغم من التداخل بين البحرين إلا أن هذا البرزخ يحافظ على شكله.

وفي مقالة ( Merging Oceans ) يستخدم المؤلف عبارة (Two oceans meet)، أي بحرين يلتقيان، وفي أسفل الصورة يعلق الكاتب: بسبب ذوبان بعض الكتل الجليدية، تتدفق أنهار عذبة، لتغذي ماء المحيط، فتندمج مع ماء الخليج، وأخذ يستخدم كلمة (merge)، وتلفظ (مِرج)، وهذه الكلمة تعني دمج، وهي نفس الكلمة القرآنية.[9]

وقفة تأملية علمية

كل تجمع مائي، يمكن أن يسمى بحرا.

  1. البحر العذب الفرات، أو شديد العذوبة، هو النهر.
  2. البحر الملح الأجاج، أو شديد الملوحة، هو المحيط أو البحر المالح.
  3. وبهذا خرج ماء المصب، لأنه مزيج بين الملوحة، والعذوبة، فلا ينطبق عليه وصف عذب فرات، ولا ملح أجاج.

وبهذه الأوصاف تحددت، حدود الكتل المائية الثلاث:

  1. ماء النهر.
  2. ماء البحر.
  3. وبينهما (ماء منطقة المصب)، التي وصفت في الآية الكريمة، بكونها برزخا أو حاجزا، يمنع طغيان صفة ملوحة البحر على النهر، أو عذوبة النهر على البحر.

وميزت بيئة المصب، بأنها حجر على ما فيها من كائنات حية، محجورة على ما يعيش خارجها في النهر أو البحر, وهذا يعني تمايز البيئات الثلاث في الصفات الطبيعية، وفي الكائنات الحية.

ويشهد التطور التاريخي، في سير علم البحار، بعدم وجود معلومات دقيقة عن البحار قبل 1400 عام، ومع ذلك، وصف القرآن الكريم، بدقة منطقة، مصبات الأنهار, فبين أنها بيئة متميزة في خصائصها الطبيعية، والإحيائية، عن بيئة النهر، وبيئة البحر، وكشف أنه رغم تداخل المياه، وتحركها الدائم في اتجاه البحر، تظل تلك الخصائص ثابتة, فمن أين تلك المعرفة في القرآن بلا تقنية، وأدوات علمية، إن لم يكن من عند الذي أحاط بكل شيء علماً.

مراجع

This article is issued from Wikibooks. The text is licensed under Creative Commons - Attribution - Sharealike. Additional terms may apply for the media files.