الإسكندر الأكبر

الإسكندر الثالث المقدوني، المعروف بأسماء عديدة أخرى أبرزها: الإسكندر الأكبر، والإسكندر الكبير، والإسكندر المقدوني، والإسكندر ذو القرنين (باليونانية: Ἀλέξανδρος ὁ Μέγας؛ نقحرة: ألكساندروس أوميگاس)، هو أحد ملوك مقدونيا الإغريق، ومن أشهر القادة العسكريين والفاتحين عبر التاريخ. وُلد الإسكندر في مدينة پيلا قرابة سنة 356 ق.م، وتتلمذ على يد الفيلسوف والعالم الشهير أرسطو حتى بلغ ربيعه السادس عشر. وبحلول عامه الثلاثين، كان قد أسس إحدى أكبر وأعظم الإمبراطوريات التي عرفها العالم القديم، والتي امتدت من سواحل البحر الأيوني غربًا وصولاً إلى سلسلة جبال الهيمالايا شرقًا. يُعد أحد أنجح القادة العسكريين في مسيرتهم، إذ لم يحصل أن هُزم في أي معركة خاضها على الإطلاق.[6]

باسيليق مقدونيا
الإسكندر الأكبر
(بالإغريقية: Ἀλέξανδρος Γ' ὁ Μέγας)‏ 
نقش فسيفسائي للإسكندر وهو يُقاتل شاه فارس دارا الثالث. مأخوذة من لوحة الإسكندر الفسيفسائية المعروضة في متحف ناپولي الوطني للآثار.

باسيليق مقدونيا
فترة الحكم
336–323 ق.م
باليونانية Μέγας Ἀλέξανδρος (ميگاس ألكساندروس، الإسكندر الكبير)iii[›]
Ἀλέξανδρος ὁ Μέγας (ألكساندروس أوميگاس، الإسكندر الأكبر)
ألقاب ملك مقدونيا، القائد الأعلى للرابطة الهلينية، شاهنشاه فارس، فرعون مصر، سيّد آسيا
معلومات شخصية
الاسم الكامل الإسكندر الثالث المقدوني بن فيليپ الأعور
الميلاد 20 أو 21 يوليو 356 ق.م
پيلا، مقدونيا
الوفاة 10 أو 11 يونيو 323 ق.م (32 عامًا)
بابل، بلاد ما بين النهرين، الإمبراطورية المقدونية
سبب الوفاة حمى التيفوئيد  
مكان الدفن الإسكندرية  
الديانة وثني إشراكي إغريقي
الزوجة رخسانة الباختريّة
ستاتیرا الثانية الفارسيّة
پروشات الثانية الفارسيّة
الشريك بارسينة    
أبناء الإسكندر الرابع المقدوني ،  وهرقل المقدوني  
الأب فيليب الثاني المقدوني [1][2] 
الأم أوليمبياس [1][2][3] 
إخوة وأخوات
نسل الإسكندر الرابع المقدوني
سلالة الأسرة الأرغية
الحياة العملية
تعلم لدى أرسطو [4][5] 
المهنة سياسي ،  وقائد عسكري  
اللغات الإغريقية  
تأثر بـ أرسطو  
الخدمة العسكرية
الرتبة رئيس أركان  
المعارك والحروب حروب الإسكندر الأكبر  

خلف الإسكندر والده، فيليپ الثاني المقدوني «الأعور»، على عرش البلاد سنة 336 ق.م، وبعد أن اغتيل الأخير. ورث الإسكندر عن أبيه مملكة متينة الأساس وجيشًا عرمرمًا قويًا ذا جنود مخضرمة. وقد مُنح حق قيادة جيوش بلاد اليونان كلها، فاستغل ذلك ليُحقق أهداف أبيه التوسعيّة، وانطلق في عام 334 ق.م في حملة على بلاد فارس، فتمكن من دحر الفرس وطردهم خارج آسيا الصغرى، ثم شرع في انتزاع ممتلكاتهم الواحدة تلو الأخرى في سلسلة من الحملات العسكرية التي دامت عشر سنوات. تمكن الإسكندر خلالها من كسر الجيش الفارسي وتحطيم القوة العسكرية للإمبراطورية الفارسية الأخمينية في عدّة وقعات حاسمة، أبرزها معركتيّ إسوس وگوگميلا. وتمكن الإسكندر في نهاية المطاف من الإطاحة بالشاه الفارسي دارا الثالث، وفتح كامل أراضي إمبراطوريته،i[›]وعند هذه النقطة، كانت الأراضي الخاضعة له قد امتدت من البحر الأدرياتيكي غربًا إلى نهر السند شرقًا.

كان الإسكندر يسعى للوصول إلى «نهاية العالم والبحر الخارجي الكبير»، فأقدم على غزو الهند سنة 326 ق.م في محاولة لاكتشاف الطريق إلى ذاك البحر، لكنه اضطرّ إلى أن يعود أدراجه بناءً على إلحاح قادة الجند وبسبب تمرّد الجيش. توفي الإسكندر في مدينة بابل سنة 323 ق.م، قبل أن يشرع في مباشرة عدّة حملات عسكرية جديدة خطط لها، وكان أولها فتح شبه الجزيرة العربية. بعد بضعة سنوات من وفاته، نشبت حروب أهلية طاحنة بين أتباعه كان من شأنها أن مزّقت أوصال إمبراطوريته، وولّدت عدّة دول يحكم كل منها «خليفة» وقد عرفت بملوك الطوائف (باليونانية: Διάδοχοι، وباللاتينية: Diadochi)، وكان كل ملك من هؤلاء الملوك مستقل لا يدين بالولاء إلا لنفسه، وكان هؤلاء هم من بقي حيًا من قادة جيش الإسكندر وشاركه حملاته في الماضي.

يشمل إرث الإسكندر التمازج الثقافي الذي خلقته فتوحاته، فقد تمكن من خلط الثقافة الإغريقية الهلينية بالثقافات الشرقية المختلفة للشعوب الخاضعة له، كما أسس أكثر من عشرين مدينة تحمل اسمه في أنحاء مختلفة من إمبراطوريته، أبرزها وأشهرها هي مدينة الإسكندرية في مصر. كما أدّى إنشاء الإسكندر للمستعمرات الإغريقية الكثيرة في طول البلاد وعرضها، إلى خلق حضارة هلينية جديدة استمرت مظاهرها بارزة في تقاليد الإمبراطورية البيزنطية حتى منتصف القرن الخامس عشر. استحال الإسكندر شخصيةً بارزة في الأساطير والقصص والتاريخ اليوناني والعالمي تقريبًا، حتى قام مقام آخيل، وأصبح المقياس الذي يُحدد القادة العسكريون بناءً عليه نجاح أو فشل مسيرتهم، وما زالت المدارس العسكرية حول العالم تُدرّس أساليبه وتكتيكاته الحربيّة حتى الوقت الحالي.[7]ii[›]

سنواته الأخيرة في فارس

منحوتتان لرأسيّ الإسكندر (يسار) وهفستیون (يمين).

اكتشف الإسكندر بعد وصوله إلى سوسة أن العديد من حكّام الأقاليم الذين عينهم أساؤا التصرّف في غيابه، فأقدم على إعدام أغلبهم ليكونوا عبرة لغيرهم.[138][139] كما قام بدفع الرواتب المستحقة لجنوده، كبادرة شكر وامتنان لهم على ما قدموه من التضحيات، وأعلن أنه سيُرسل قدامى المحاربين وأولئك الذين أصيبوا بإعاقة جسدية إلى مقدونيا، بقيادة كراتيرس. غير أن الجنود أساؤوا فهم نية قائدهم، فأعلنوا العصيان في بلدة أوپيس، ورفضوا أن يعودوا إلى وطنهم الأم اعتقادًا منهم أن الإسكندر ينوي استبدالهم بعساكر فارسية، أو دمج الوحدات الفارسية بالوحدات المقدونية.[140] وبعد ثلاثة أيام لم يتمكن الإسكندر خلالها من إقناع رجاله بالعدول عن قرارهم، أقدم على تعيين عدّة ضباط فرس في جيشه، ومنح ألقابًا عسكريةً مقدونيةً لعدد من الوحدات الفارسية، فارتمى المقدونيون عند أقدامه يرجونه أن يعدل عن قراره ويطلبون منه السماح. غفر الإسكندر لجميع جنوده الذين تمردوا عليه، وأقام لهم مأدبة طعام فاخرة شارك فيها الآلاف.[141] وفي محاولة منه ليرأب الصدع بين المقدونيين والفرس، ويوحد صفوفهم وقلوبهم، أمر ضبّاطه الكبار أن يتزوجوا بأميرات فارسيات، وأقام لهم حفل زفاف جماعي في سوسة، لكنه يظهر أن قلّة من تلك الزيجات دامت أكثر من سنة.[139] غادر الإسكندر سوسة بعد أن رتّب أمورها واتجه إلى همدان، وما أن وصل تبين له أن الحرّاس الذين كلفهم بحماية قبر الشاه قورش الكبير قاموا بتدنيسه، فأعدمهم بسرعة.[142]

بعد وصول الإسكندر إلى همدان، أصيب هفستيون، وهو أقرب أصدقائه إليه ويُحتمل أنه كان عشيقه أيضًا، أصيب بمرض عضال لم يُمهله طويلاً حتى فارق الحياة، ويُقال أن أحدهم دس إليه السم.[143][144] كان لوفاة هفستيون أثر مدمّر على الإسكندر، فقد حزن عليه حزنًا شديدًا، وأمر بتحضير محرقة جثث كبيرة في بابل حتى يُحرق جثمانه فيها، وأصدر مرسومًا بالحداد العام.[143] بعد وصوله إلى بابل، شرع الإسكندر يُخطط لسلسلة حملات جديدة في مستهلها فتح شبه الجزيرة العربية، لكن لم يُكتب له أن يشرع بأي منها، إذ توفي بعد فترة قصيرة جدًا.[145]

وفاته وخلافته

مفكرة فلكية بابلية (تعود لما بين عاميّ 323 و 322 ق.م تقريبًا) تؤرخ وفاة الإسكندر. محفوظة في المتحف البريطاني بلندن.
الإسكندر على فراش الموت، وقد أحاطت به زوجاته وجنوده ورفاق دربه.

توفي الإسكندر في قصر نبوخذنصَّر ببابل، في العاشر أو الحادي عشر من يونيو سنة 323 ق.م، وله من العمر اثنان وثلاثون سنة.[146] وقد اختلف المؤرخون اختلافًا قليلاً في تحديد أسباب الوفاة، فقد قال پلوتارخ أنه قبل وفاة الإسكندر بحوالي 14 يومًا، كان قد استقبل نيارخوس وأمضيا الليل بطولة يتسامران ويشربان الخمر بصحبة ميديوس اللاريسي، حتى مطلع الفجر.[147] بعد ذلك أصيب بحمّى قوية، استمرت بالتفاقم حتى أضحى عاجزًا عن الكلام، وخشي عليه جنوده وأصابهم القلق، فمُنحوا الأذن بأن يصطفوا بالطابور أمامه ليسلموا عليه، وقد ردّ عليهم السلام بالإشارة.[148] يقول ديودورس أن الإسكندر أصيب بألم شديد بعد أن احتسى طاس خمر صاف على شرف هرقل، ثم مات بعد أن عذبه الألم عذابًا قويًا.[149] ذكر مؤرخون آخرون هذه الحادثة كتفسير بديل محتمل لوفاة الإسكندر، أما پلوتارخ فقد نفاها تمامًا.[147]

من الأسباب الأخرى المحتملة لوفاة الإسكندر، هي اغتياله من قبل الأرستقراطيين المقدونيين،[150] وقد ذكر هذه النظرية كل من ديودورس وپلوتارخ وآريان وجستن، فقالوا أن الإسكندر سُمم على يد بعض المقربين منه، غير أن پلوتارخ رفضها وأفاد بأنها رواية ملفقة لا أساس لها من الصحة،[151] فيما قال ديودورس وآريان أنهما ذكراها لتتمة الفائدة فحسب.[149][152] تشير الأدلة المتوافرة، أن التسميم لو كان هو السبب وراء موت الإسكندر، فإن المشتبه به الرئيسي هو أنتيپاتر، الذي ائتمنه الإسكندر على مقدونيا أثناء غيابه، ثم عاد وعزله واستدعاه إلى بابل، ولعلّ أنتيپاتر اعتبر استدعائه بمثابة حكم بالإعدام،[153] وخاف أن يلقى نفس مصير پارمنيون وفيلوطس،[154] فأوعز إلى ابنه «إيولاس»، الذي كان يعمل ساقيًا للإسكندر، أن يدس له السم في النبيذ أو الماء.[152][154] كما اقترح بعض الباحثين تورّط أرسطو نفسه في هذه القضية.[152] ردّ بعض الباحثين على القائلين بنظرية التسمم هذه بأن فترة اثنا عشر يومًا مرت بين إصابة الإسكندر بالمرض ووفاته، وهي فترة تُعد طويلة جدًا حتى يأخذ أي سم من الأنواع التي كانت معروفة حينها تأثيره الكامل، فالسموم بطيئة المفعول كانت على الأرجح غير معروفة بعد.[155] أفادت إحدى النظريات الحديثة التي برزت إلى حيّز الوجود سنة 2010، أن أعراض مرض الإسكندر المذكورة في الوثائق القديمة تتلائم مع أعراض التسمم بالماء الأسود لنهر ستيكس التي تحوي مركب «الكاليكميسين» فائق الخطورة، الذي تسببه إحدى أنواع البكتيريا القاتلة.[156]

اقترح البعض أن يكون سبب الوفاة راجع إلى إحدى الأمراض الطبيعية المزمنة التي يُحتمل إصابة الإسكندر بها أثناء أسفاره، ومن الأمراض التي رُشحت أن تكون وراء وفاة الإسكندر المبكرة: الملاريا والحمى التيفية. أفادت إحدى مقالات النشرة الطبية لإنگلترا الجديدة (بالإنگليزية: The New England Journal of Medicine) من عام 1998، أن موت الإسكندر جاء نتيجة إصابته بالحمى التيفية التي سببت له عدّة مضاعفات توجت بانثقاب المعدة والأمعاء ومن ثم الشلل التصاعدي.[157] كما رجّح بحث حديث آخر أن يكون التهاب السحايا هو القاتل.[158] من الأمراض الأخرى التي تتلائم أعراضها مع تلك التي ظهرت على الإسكندر: التهاب البنكرياس الحاد وڤيروس النيل الغربي.[157][159] تميل نظريات الوفاة لأسباب طبيعية إلى أن تشدد على أن صحة الإسكندر كانت في تراجع تدريجي على الأرجح، منذ أن غادر مقدونيا وانطلق في حملاته إلى أقاصي العالم المعروف، فتعرّض لأدواء مختلفة في مناخات متناقضة، واستنشق نصيبه منها في ساحات المعارك من الجثث المتناثرة، وأصيب ببعضها عن طريق الجروح البالغة، وأخيرًا كان لشربه الخمر بكثرة أثرًا عظيمًا في إضعاف جسده عبر السنوات. كذلك، لعلّ الكرب والغم الذي شعر به الإسكندر بعد وفاة هفستيون قد لعب دورًا كبيرًا في تراجع صحته.[157] من أبرز الأسباب أيضًا تعاطي الإسكندر جرعات زائدة من الأدوية المصنوعة من نبات الخربق، وهو قاتل بحال استهلكت منه كميات كبيرة.[160][161]

بعد وفاته

رسم من القرن التاسع عشر استُند فيه إلى النصوص القديمة، يُظهر موكب جنازة الإسكندر متجهًا إلى مسقط رأسه.

وُضع جثمان الإسكندر في تابوت ذهبي صُنع على هيئة بشرية، ووُضع هذا بدوره في ناووس من الذهب.[162] تفيد بعض النصوص أن عرّافًا يُدعى «أريستاندر» تنبأ بأن البلد التي سيُدفن فيها الإسكندر «ستعرف السعادة طيلة أيامها ولن يقوى أحد على غزوها وقهرها».[163] يُحتمل أن يكون كل خليفة من خلفاء الإسكندر قد اعتبر الاستحواذ على جثمان ملكهم الراحل عملاً يُضفي الشرعية على خلافته الخاصة، لا سيما وأن دفن الملك الحالي للملك السابق كان يُعد إثباتًا قاطعًا لحقه في العرش.[164] أثناء سير موكب جنازة الإسكندر من بابل إلى مقدونيا، تعرّض لهم بطليموس وقطع عليهم الطريق، وحوّل المسير إلى منف عاصمة مصر حيث حُنّط الجثمان ووري الثرى،[162][163] ثم قام خليفته بطليموس الثاني بنقل التابوت إلى الإسكندرية حيث بقي حتى ما قبل بداية العصور الوسطى بقليل. أقدم بطليموس التاسع، وهو من أواخر خلفاء بطليموس الأول، أقدم على نقل مومياء الإسكندر من التابوت الذهبي إلى تابوت آخر مصنوع من الزجاج، وذلك حتى يتسنى له تذويب الأول وسكّ العملات من سائله.[165] قام كل من القادة الرومان پومپي ويوليوس قيصر وأغسطس قيصر بزيارة ضريح الإسكندر، ويُقال أن الأخير اقتلع الأنف عن طريق الخطأ، كما ورد بأن يوليوس قيصر بكى عندما بلغ عامه الثالث والثلاثين، قائلاً أنه على الرغم من كل إنجازاته لم يبلغ ما بلغه الإسكندر من المجد في هذا السن. كذلك قيل أن الإمبراطور الروماني كاليگولا اقتلع الصفحية الصدرية من المومياء واحتفظ بها لنفسه. أقدم الإمبراطور سپتيموس سيڤيروس على إغلاق ضريح الإسكندر أمام العامّة في سنة 200 م، وقام ابنه كاراكلا، وهو من أشد المعجبين بالإسكندر، بزيارة قبره خلال فترة حكمه. أما بعد مضي هذا العهد، أخذت الدلائل والنصوص التي تتحدث عن الضريح تقل شيءًا فشيئًا إلى أن انتهت لغاية الندرة، حتى أصبح موقعه ومصيره من ضمن الأمور التاريخية التي يكتنفها الضباب حاليًا.[165]

«تابوت الإسكندر»، عُثر عليه بالقرب من مدينة صيدا بلبنان، وهو الآن محفوظ في متحف الآثار باسطنبول.

عام 1887، اكتشف العالم والباحث العثماني، عثمان حمدي بك، تابوتًا بالقرب من مدينة صيدا بلبنان تظهر عليه نقوش للإسكندر وهو يُقاتل الفرس في بعضها ويصطاد حيوانات في بعضها الآخر، فأطلق على التابوت «تابوت الإسكندر»، وقد جعلت هذه التسمية كثيرًا من الناس يُخطئون ويعتقدون أنه كان يحوي رفات القائد المقدوني. كان يُعتقد أساسًا أن هذا التابوت حوى رفات «عبدلونيموس» ملك صيدون الذي عينه الإسكندر عقب معركة إسوس، غير أن بعض الأدلّة الحديثة تشير إلى أن هذا التابوت يرجع لفترة زمنية سابقة على عام 311 ق.م، أي السنة التي شهدت وفاة عبدلونيموس.[166][167]

تقسيم الإمبراطورية

كانت وفاة الإسكندر مُفاجئة لدرجة أنه حينما وصلت الرسائل إلى اليونان حاملة النبأ، لم يُصدقها الكثير من الناس وزعموا أنها إشاعة لا أساس لها من الصحة.[69] لم يكن الإسكندر عند وفاته قد خلّف بعد وريثًا يجلس على عرش الإمبراطورية، بل إن ابنه من رخسانة، الإسكندر الرابع، وُلد بعد موته بشهور.[168] يقول ديودورس أن أصحاب الإسكندر سألوه على فراش موته إلى أي الرجال ترك إمبراطوريته الواسعة، فأجابهم بإيجاز «إلى الأقوى».[149] يعتبر كل من أريان وپلوتارخ أن هذه القصة ملفقة، إذ أن الإسكندر كان قد فقد كل مقدرة على النطق في هذه المرحلة.[169] قدّم مؤرخون آخرون قصة أكثر جدارةً بالتصديق ولو ظاهريًا، فقالوا أن الإسكندر أعطى خاتمه إلى پيرديكاس، وهو أحد حرّاسه الشخصيين وقائد خيّالته، بحضور شاهد، وبذلك يكون قد رشحه لخلافته.[149][168]

إمبراطورية الإسكندر بعد تقسيمها إلى أربع ممالك بين خلفاؤه، قرابة سنة 281 ق.م.

اقترح پيرديكاس أن يتولى ابن الإسكندر شؤون الحكم عند بلوغه سن الرُشد، وذلك إن كان ذكرًا بطبيعة الحال، وأن يلعب هو وكراتيرس، وليونّاتوس، وأنتيپاتر، دور الأوصياء عليه حتى ذلك الحين. غير أن الجنود المشاة، بقيادة أحد الضبّاط، المدعو «ميلياگروس»، رفضوا هذا الترتيب بحجة أنهم لم يُستشاروا في الأمر من الأساس، ورشّحوا فيليپ آرهيدايوس، الأخ اللاشقيق للإسكندر، ليتربع على عرش الإمبراطورية. في نهاية المطاف توصل الفريقان إلى تسوية مرضية لكل منهما بعد ولادة الإسكندر الرابع، فجعلوه وفيليپ ملكان يشتركان بالحكم، ولو اسميًا فقط.[170]

سرعان ما دبّ الخلاف بين المقدونيين بعد فترة قصيرة من ذلك، وحدث انشقاق ومنافسة بين كبار الضبّاط، الذين تسرّب الطمع إلى قلوبهم ورغب كل منهم بالحكم. فقام پيرديكاس بتقسيم أراضي الإمبراطورية ووزعها عليهم حقنًا للدماء، فأصبح كل إقليم من تلك الأقاليم بمثابة قاعدة استخدمها كل قائد ليتوسع وينطلق باتجاه أراضي خصمه. بعد اغتيال پيرديكاس سنة 321 ق.م، انهارت الوحدة المقدونية بالكامل، فتحارب إخوة الأمس فيما بينهم طيلة 40 سنة، ولم تنتهي الحرب إلا بعد تقسيم العالم الهيليني الذي أسسه الإسكندر إلى أربعة أقسام: المملكة البطلمية في مصر وجوارها، والإمبراطورية السلوقية في الشرق، ومملكة پرگامون في آسيا الصغرى، ومملكة مقدونيا. كما تمّ اغتيال كل من الإسكندر الرابع وفيليپ آرهيدايوس.[171]

وصيّته

يقول ديودورس أن الإسكندر كان قد أعطى كراتيرس تعليمات مفصلة مكتوبة وصّى فيها ببعض الأمور، قبل وفاته.[172] شرع كراتيرس بتنفيذ وصيّة الإسكندر بكل نشاط، غير أن خلفاء الأخير أوقفوه عند حده واختاروا ألاّ يُنفذوا أكثر مما نفذ حتى ذلك الحين، معتبرين أن ما بقي من المطالب لهو غير عملي ومتهور وينطوي على الكثير من الإسراف.[172] لكن على الرغم من ذلك، قام كراتيرس بقراءة وصيّة الإسكندر على الجنود،[69] ليكتشفوا أنه يدعوهم إلى التوسع في إقليم جنوب وغرب حوض البحر المتوسط، وبناء نصب تذكارية عظيمة، والاختلاط مع شعوب الشرق، ومما جاء تفصيلاً:

إرث الإسكندر

العالم الهيليني بعد وفاة الإسكندر: خريطة للعالم القديم وضعها إراتوستينس (276–194 ق.م)، بناءً على معلومات مجموعة من حملات الإسكندر وخلفاؤه.[210]

يمتد إرث الإسكندر ليشمل أمورًا كثيرة غير فتوحاته العسكرية، فقد أدّت حملاته إلى زيادة الاتصال والطرق التجارية بين العالم الغربي والعالم الشرقي، وأدخلت الثقافة والحضارة الإغريقية إلى الكثير من نواحي الحياة الشرقية.[18] استحالت الكثير من المدن التي أسسها الإسكندر مراكز ثقافية كبرى، وما زال بعضها قائمًا حتى الوقت الحالي. قام المؤرخون الإغريق الذين رافقوا الإسكندر في حملاته بتسجيل معلومات قيّمة عن المناطق التي عبروها، وأخذ اليونانيون يشعرون لأول مرّة أنهم يعيشون في عالم أكبر من عالمهم المتوسطي الذي عهدوه.[18]

الممالك الهلنستية

إن أبرز وأهم إرث تركه الإسكندر هو دون شك مدّ النفوذ المقدوني إلى مساحات شاسعة داخل آسيا. وصلت مساحة إمبراطورية الإسكندر عند وفاته إلى 5.200.000 كم2، لتكون بذلك أكبر دولة شهدها ذلك العصر.[211] استمرت معظم هذه المناطق خاضعة للمقدونيين سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، طيلة السنوات المئتين أو الثلاثمائة التالية، وكانت دول خلفاء الإسكندر أو ملوك طوائف الإسكندر أقوى دول العالم، في بداية عهدها على الأقل، لذلك دأب المؤرخون على تسمية العهد الممتد عبر هذه السنوات بالحقبة الهلنستية.[212]

كانت الأقاليم الواقعة على الحدود الشرقية للإمبراطورية المقدونية قد بدأت تستقل الواحدة تلو الأخرى عندما كان الإسكندر لا يزال حيًا.[168] تسبب الفراغ السياسي الذي صنعه الإسكندر في شمال غرب شبه القارة الهندية في ظهور إحدى أعظم السلالات الحاكمة الهندية عبر التاريخ، ألا وهي السلالة الماورية التي أسسها الإمبراطور چاندراگوپتا ماوریا، ذو الأصول المتواضعة، بعد أن سيطر على البنجاب واتخذها قاعدةً لإطلاق الحملات العسكرية لفتح أراضي إمبراطورية الناندا.[213]

المدائن الجديدة

رسم لمدينة الإسكندرية قديمًا. تُعد هذه المدينة أشهر المدن التي أسسها الإسكندر على الإطلاق وأعظمها شأنًا.

أسس الإسكندر أكثر من عشرين مدينة تحمل اسمه في أنحاء مختلفة من إمبراطوريته في نواح كثيرة من الأراضي التي فتحها خلال حملاته العسكرية، غير أن أغلبها وقع شرق نهر دجلة.[117][214] كانت أعظم تلك المدن بلا منازع هي الإسكندرية في مصر، والتي قُدّر لها فيما بعد أن تحتل مكانة مرموقة ومقامًا رفيعًا بين مدن العالم عمومًا وحوض البحر المتوسط خصوصًا.[117] وقعت المدن التي أسسها الإسكندر على الطرق التجارية المهمة، في أماكن حصينة غالبًا،[117] وسكنها الإغريق وأبناء البلدان الأصليين، وبعد وفاته حاول الكثير من الإغريق أبناء تلك المدن أن يعود إلى وطنه الأم، لكن قسمًا آخر آثر البقاء،[117][214] وبعد حوالي القرن من موت الإسكندر، كانت مدنه تشهد أبهى عصورها، فقد بُنيت فيها المستشفيات والمراصد الفلكية والمعابد وغيرها من المصالح، وازداد عدد سكانها ذوي الأصول الإغريقية والبلدية وأضيف إليهم عنصر جديد هو العنصر الخليط بين الاثنين.[117]

هلينة العالم القديم

الإمبراطورية المقدونية كاملةً، ودروب حملات الإسكندر: العالم الهلنستي.

«الهلينة» هو تعريب لمصطلح ألماني لاتيني (Hellenismus) صاغه المؤرخ الألماني يوهان گوستاڤ دريزن ليُشير إلى انتشار اللغة، والثقافة، والجمهرة اليونانية، في أراضي الإمبراطورية الفارسية خلال وبعد فتوحات الإسكندر.[212] وهذا الانتشار مؤكد لا يختلف عليه اثنان، وما زال بالإمكان ملاحظة آثاره في بعض المدن الهلنستية الكبرى مثل الإسكندرية، وأنطاكية،[215] وسلوقية،[216] سواء في المنشآت التاريخية أو في بعض أشكال المأكل ذات الأصل اليوناني، وغيرها. كان الإسكندر شديد الثقة بعظمة الحضارة اليونانية، وكان يطمح إلى أن ينشر لواء هذه الحضارة في كل أرض وطأتها سنابك خيله، بل كان يحلم بأن يصبغ العالم بأسره بالصبغة اليونانية، وكان في الوقت نفسه يؤمن بضرورة توحيد الشعوب، من أجل ذلك سعى إلى إدخال بعض عناصر تلك الثقافة إلى الحضارة الفارسية وتهجين كلا الثقافتين. أما خلفاؤه فلم يؤمنوا بذلك، فأهملوا السياسة التي اتبعها قائدهم الراحل، لكن على الرغم من ذلك، استمر هلينة شعوب الشرق طيلة عهدهم، كما أخذ الإغريق الذين استوطنوا البلاد الجديدة يستشرقون شيءًا فشيئًا.[215][217]

كانت الثقافة الأثينية تُشكّل أساس الثقافة الهيلينية الأصلية،[215][218] وقد لعب تجنيد الإسكندر لرجال من مختلف أنحاء اليونان دورًا في صهر اللهجات الإغريقية المختلفة في بوتقة واحدة، وظهور ما يُعرف باسم اللهجة الكوينية، أو الإغريقية العامية الشائعة.[219] انتشرت اللغة اليونانية الكوينية بسرعة في العالم الهلنستي حتى أصبحت لغة التواصل المشترك طيلة سنوات طوال، وولدت اللغة اليونانية الحديثة من رحمها.[219] بالإضافة إلى ذلك، كان التخطيط العمراني، ونظم التعليم، وشكل الحكومات المحلية، وأنماط الأعمال الفنية، مبنيةً على مثيلاتها الإغريقية التقليدية، ومع مرور الوقت تطورت إلى أساليب مميزة بذاتها عُرفت باسم الأساليب الهلنستية.[215] استمرت بعض مظاهر الثقافة الهلنستية واضحة للعيان في تقاليد الإمبراطورية البيزنطية خلال أواسط القرن الخامس عشر.[220][221]

أحد أبرز الأمثلة على دخول الثقافة الإغريقية إلى الهند وتمازجها مع الثقافة البوذية: منحوتة يظهر فيها هرقل بصفته حاميًا لبوذا، تعود للقرن الثاني الميلادي، محفوظة بالمتحف البريطاني.

ما زال بالإمكان العثور على بعض مظاهر الهلنستية المميزة في الهند، وبالتحديد في المنطقة حيث قامت بضعة ممالك هندو إغريقية،[222] فقد أدّت عزلة سكّانها الأوائل من الإغريق، وبُعدهم عن وطنهم الأم في أوروبا، إلى انصهار ثقافتهم اليونانية بالثقافة الهندية، وبالأخص تلك البوذية. يُلاحظ أن أوّل منحوتات بوذا ذات الشكل الإنساني أخذت تظهر خلال تلك الفترة، وقد تمّ نحتها بالاستناد إلى تماثيل الإله أپولو الإغريقية،[222] كما يُعتقد أن عدّة تقاليد بوذية تأثرت تأثرًا كبيرًا بالديانة اليونانية القديمة، فعلى سبيل المثال تُعد البوداسفيّة بمثابة المُرادف الشرقي لأساطير الأبطال الإغريق،[223] وبعض طقوس الماهايانا مثل حرق البخور وتكليل ووضع الطعام عند المذابح، كلها شبيهة بطقوس الإغريق القدماء. بالإضافة لذلك، استمدت البوذية الزنيّة بعض أفكارها ومبادئها من الفلسفة الرواقية اليونانية.[224] يُعتقد أن أحد ملوك الإغريق، المدعو ميناندر الأول «المنقذ»، اعتنق البوذية مخلصًا، فتمّ تخليد ذكراه في نصوص البوذيين، وأشير إليه باسم «ميلينادا».[222] لم تقتصر هلينة الهند على الجوانب الثقافية والدينية فحسب، بل امتدت لتشمل العلوم أيضًا، إذ تسرّبت الكثير من الأفكار والنظريات الفلكية شرقًا حتى وصلت الهند حيث أثرّت بعلوم الفلك تأثيرًا عظيمًا بحلول القرون الميلادية الأولى.[225] وقد عُثر على أدوات إغريقية مخصصة لدراسة مواقع الكواكب والنجوم في مدينة «آي خانُم» اليونانية الباخترية، الواقعة في أفغانستان حاليًا،[226] كما وُجدت في الهند مجسمات يونانية كروية للأرض وقد أحاطت بها مجسمات كروية أخرى للكواكب، وقد جعلت هكذا أدوات مع ما رافقها من معلومات قيمة، جعلت فكرة كروية الأرض تحل مكان فكرة الأرض المنبسطة التي سادت في الهند زمنًا طويلاً.[225][227]

تأثيره على روما

حصد الإسكندر ومنجزاته إعجاب الرومان عامةً، والقادة العسكريين منهم خاصةً، فاتخذوه قدوة، وغالبًا ما قارنوا مسيرتهم بمسيرته،[228] وذلك بعد أن اطلعوا على مؤلّف المؤرخ اليوناني پوليبيوس حامل عنوان «التواريخ» (باللاتينية: Historiae)، الذي قام فيه بتذكير الرومان بإنجازات الإسكندر. اتخذ القائد الروماني پومپي لقب «الكبير» (باللاتينية: Magnus) تيمنًا بالإسكندر، بل إنه كان يقص شعره على نفس شكل قصّة شعر الأخير، وبلغ من شدّة إعجابه بالقائد المقدوني أن بحث في البلدان التي فتحها المقدونيون عن عباءة الإسكندر البالغة من العمر 260 سنة، والتي كان يضعها كإحدى علامات العظمة.[228] أمر يوليوس قيصر صنّاعه بصب تمثال برونزي له وهو على صهوة جواده، يكون نسخة طبق الأصل عن إحدى تماثيل الإسكندر، وأن يستبدلوا وجهه بوجه الأخير، كما أقدم الإمبراطور أغسطس قيصر خلال زيارته الإسكندرية على استبدال نقش أبو الهول الموجود على خاتمه بصورة جانبية لوجه الإسكندر.[228] من أبرز الأباطرة الرومان الذين أعجبوا بالإسكندر أيضًا: تراجان، ونيرون، وكاراكلا.[228] احتفظت أسرة ماكريني، وهي الأسرة الرومانية الحاكمة خلال عهد الإمبراطور ماكرينوس، احتفظت بصور للإسكندر على متاعها، مثل المجوهرات، أو قامت بتطريزها على ملابس أفرادها.[229]

استخدم بعض الكتّاب الرومان، وبالأخص الجمهوريون، قصة حياة الإسكندر لتحذير الرعيّة من مخاطر الأوتقراطية، وكيف أنه يمكن الحد من النزاعات المتولدة عن تلك الأخيرة عبر التمسك بالمثل الجمهورية العليا.[230] وضع كتّاب آخرون صفات الإسكندر كمثال عن صفات جميع الحكّام، فقالوا أنهم أوفياء لأصدقائهم ورؤوفون بأعدائهم، وفي الوقت نفسه سريعو الغضب وذوو رغبة مفرطة في الحصول على المجد.[230]

في الأساطير

الإسكندر يتلقى زيارة من ملكة الأمازونيات. إحدى الأساطير التي أُدرجت ضمن سيرة حياة الإسكندر على يد مؤرخيه.

تضم سيرة حياة الإسكندر في طيّاتها عدد من الأساطير والقصص الخرافية، التي يُحتمل أن يكون الإسكندر نفسه قد شجع على إشاعتها وكتابتها.[231] يقول مؤرخه الخاص كاليستنس أن البحر تراجع خوفًا منه عندما كان في قيليقية. وبعد فترة قصيرة من وفاة الإسكندر، اخترع مؤرخ آخر، وهو أونيسيكريتوس، قصة مفادها أن «ثاليتريس» ملكة الأمازونيات زارت الإسكندر وحصل بينهما نوع من الودّ، وعندما قرأ أونيسيكريتوس القصة على مسمع ليسيماخوس، أحد خلفاء الإسكندر، أجابه قائلاً: «أتساءل أين كنت في ذلك الحين؟».[232]

جُمعت كل الأساطير المتعلقة بالإسكندر بعد قرون من رحيله في كتاب عُرف باسم «رومانسية الإسكندر»، في مدينة الإسكندرية على الأرجح، وقد نُسب هذا الكتاب خطأً إلى كاليستنس، ولهذا السبب يُلاحظ أنه يُدعى Pseudo-Callisthenes في بعض الأحيان. خضع هذا الكتاب لمراجعات عديدة وإضافات كثيرة طيلة العصور القديمة وصولاً إلى العصور الوسطى،[233] ولذلك فهو يحوي عدد من القصص المشكوك بصحتها،[231] كما تُرجم إلى لغات كثيرة من شاكلة اليونانية الرومية، والأرمنية، والسريانية، واللاتينية، وأغلب لغات أوروبا الغربية.[234]

في الثقافة القديمة والحديثة

رسم للإسكندر من مخطوطة بيزنطية تعود للقرن الرابع عشر.
«إسكندر يُقاتل الأعداء»، مخطوطة فارسية من القرن الخامس عشر.

ذُكر الإسكندر ومنجزاته العظيمة في نصوص عدّة حضارات، سواء تلك القديمة أو الحديثة، فأوّل من ذكره في نصوصهم كان الإغريق أنفسهم خلال حياته، واستمر غيرهم من بعدهم يروي قصص هذا القائد جيلاً بعد الجيل حتى الزمن الحالي. لعب كتاب وروايات «رومانسية الإسكندر» دورًا لا يُستهان به في التأثير على صورته في الحضارات المتأخرة، وبالأخص الفارسية والأوروبية الوسطى واليونانية المعاصرة.[234]

يظهر الإسكندر بشكل بارز في الفلكلور اليوناني المعاصر أكثر من أي شخصية قديمة أخرى،[235] فقد أصبح الشكل العاميّ لاسمه باليونانية الحديثة (أوميگالكساندروس) لقبًا للكثير من العائلات، وهو البطل القديم الوحيد الذي يظهر في عروض الكركوز الهادفة لتسلية الأطفال.[235] إحدى الخرافات الشائعة بين البحارة اليونانيون تتحدث عن حورية بحر وحيدة تُقدم على التعلق بمقدمات المراكب والسفن خلال العواصف لتسأل القبطان: «ألا يزال الملك الإسكندر حيًا؟»، ويجب على القبطان هنا أن يُجيب: «إنه حي وعلى ما يُرام ويحكم العالم أجمع!»، فتعود الحورية إلى البحر مطمئنة، أما لو أجاب القبطان بغير هذا، فتتحول الحورية إلى گورگون ثائر، يجر السفينة وركابها إلى قاع البحر.[235]

كان الفرس قبل اعتناقهم الإسلام، ينعتون الإسكندر «الملعون»، حيث اتهموه بحرق معابدهم وإتلاف نصوصهم وكتبهم المقدسة.[236] أما بعد دخول الإسلام إلى بلاد فارس، وانحسار المجوسية في جيوب صغيرة معزولة، واطلاع الفرس على مؤلف «رومانسية الإسكندر»، أخذت صورة جديدة أكثر إيجابًا تحل مكان تلك القديمة تدريجيًا.[237] ففي كتاب الملوك (بالفارسية: شاهنامه) لأبا القاسم الفردوسي، ذُكر الإسكندر ضمن قائمة الملوك الشرعيين لفارس، ووُصف بأنه شخص أسطوري سافر إلى أقاصي العالم بحثًا عن ينبوع الشباب.[238] قام بعض الكتّاب الفرس لاحقًا بربط الإسكندر والفلسفة، فرسموه وهو يجلس في نقاش مع فلاسفة كبار أمثال أرسطو وسقراط وأفلاطون، يتحدثون عن كيفية التوصل لمعرفة سر الخلود.[237]

نقش مصري للإسكندر في معبد الأقصر، يظهر فيه رافعًا يديه متعبدًا إله الشمس آمون.
سورة الكهف من الآية الثالثة والثمانين حتى الآية الثامنة والتسعين، أي المقطع الذي ذُكرت فيه قصة ذو القرنين كاملةً.
نحت للفاضلون التسعة، من اليسار إلى اليمين: المسيحيون الصالحون الثلاثة: شارلمان، والملك آرثر، وگودفري البويوني. الوثنيون الصالحون الثلاثة: يوليوس قيصر، وهكتور، والإسكندر الأكبر. اليهود الصالحون الثلاثة: النبي والملك داود، ويوشع بن نون، ويهوذا المكابي.

تُجسد النسخة السريانية من «رومانسية الإسكندر» القائد المقدوني كملك مسيحي صالح مواظب على الصلاة، يفتح الممالك المنيعة ابتغاء رضا الله ويدعو الناس إلى عبادته كونه الإله الحق.[237] وُصف الإسكندر من قبل الكهنة والكتّاب المصريين القدماء على أنه ابن «نيكتانيبو الثاني»، آخر فراعنة مصر قبل الغزو الفارسي،[239] وأن هزيمته الشاه دارا الثالث كانت بمثابة الخلاص الذي انتظرته مصر طويلاً، وأن مصر استمر يحكمها مصري.[239]

الآية الثالثة والثمانين من سورة الكهف التي بدأ فيها ذكر القائد الصالح «ذو القرنين».

ورد في الكتاب المقدس ذكرٌ صريح للإسكندر، كما ذُكر في الأخير وفي القرآن الكريم قصة قائد صالح، سُمي بذي القرنين أو صاحب القرنين أو «لوقرانائيم»، قال بعض مفسري التوراة والقرآن أنه يُحتمل أن يكون هو الإسكندر الأكبر، ومن المواضع التي ذُكر بها، سواء المؤكدة أو غير المؤكدة؛ سفر المكابيين الأول: إن الإسكندر بن فيلبس المقدوني بعد خروجه من أرض كتيم وإيقاعه بدارا ملك فارس وماداي ملك مكانه وهو أول من ملك على اليونان. ثم أثار حروبًا كثيرة وفتح حصونًا متعددة وقتل ملوك الأرض. واجتاز إلى اقاصي الأرض وسلب غنائم جمهور من الأمم فسكتت الأرض بين يديه فترفع في قلبه وتشامخ. وحشد جيشًا قويًا جدًا. واستولى على البلاد والأمم والسلاطين فكانوا يحملون إليه الجزية. وبعد ذلك انطرح على فراشه وأحس من نفسه بالموت. فدعا عبيده الكبراء الذين نشأوا معه منذ الصباء فقسم مملكته بينهم في حياته. وكان ملك الاسكندر اثنتي عشرة سنة ومات.[المكابيين 1][240] وسفر دانيال: أَمَّا الْكَبْشُ الَّذِي رَأَيْتَهُ ذَا الْقَرْنَيْنِ فَهُوَ مُلُوكُ مَادِي وَفَارِسَ. وَالتَّيْسُ الْعَافِي مَلِكُ الْيُونَانِ، وَالْقَرْنُ الْعَظِيمُ الَّذِي بَيْنَ عَيْنَيْهِ هُوَ الْمَلِكُ الأَوَّلُ. وَإِذِ انْكَسَرَ وَقَامَ أَرْبَعَةٌ عِوَضًا عَنْهُ، فَسَتَقُومُ أَرْبَعُ مَمَالِكَ مِنَ الأُمَّةِ، وَلكِنْ لَيْسَ فِي قُوَّتِهِ. وَفِي آخِرِ مَمْلَكَتِهِمْ عِنْدَ تَمَامِ الْمَعَاصِي يَقُومُ مَلِكٌ جَافِي الْوَجْهِ وَفَاهِمُ الْحِيَلِ. وَتَعْظُمُ قُوَّتُهُ، وَلكِنْ لَيْسَ بِقُوَّتِهِ. يُهْلِكُ عَجَبًا وَيَنْجَحُ وَيَفْعَلُ وَيُبِيدُ الْعُظَمَاءَ وَشَعْبَ الْقِدِّيسِينَ. وَبِحَذَاقَتِهِ يَنْجَحُ أَيْضًا الْمَكْرُ فِي يَدِهِ، وَيَتَعَظَّمُ بِقَلْبِهِ. وَفِي الاطْمِئْنَانِ يُهْلِكُ كَثِيرِينَ، وَيَقُومُ عَلَى رَئِيسِ الرُّؤَسَاءِ، وَبِلاَ يَدٍ يَنْكَسِرُ.[دانيال 8] أما في القرآن، فمما جاء وقيل باحتمال إشارته إلى الإسكندر ورد في سورة الكهف،[237] وهو:  وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا  إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا  فَأَتْبَعَ سَبَبًا  حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا  ؛ وأيضًا:  حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا  قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا  قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا  آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا  فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا  قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا  . يقول علماء التفسير أن ذا القرنين هذا كان عبدًا صالحًا طاف الدنيا وبنى سدًا ضخمًا في وجه قوم يأجوج ومأجوج الذين عاثوا فسادًا في الأرض،[239] وقال بعضهم أن هذا الرجل هو الإسكندر، وخالف آخرون هذا الرأي.[241]vii[›] يُشير اسم «إسكندر» أو «سكندر» في الهند وباكستان، وبالتحديد في البنجاب، إلى شخص يافع موهوب تنمو قدراته شيئًا فشيئًا.[242] جُعل الإسكندر عضوًا في جماعة «الفاضلون التسعة» في أوروبا خلال العصور الوسطى، والجماعة المذكورة كانت تضم رجالاً اعتُبروا أكثر فرسان عصرهم شهامةً ونبلاً، مثل شارلمان ويوليوس قيصر وغيرهما. أنتجت هوليوود فيلمًا سينمائيًا عن حياة الإسكندر في سنة 2004، لعب فيه الممثل الإيرلندي كولين فاريل دور القائد المقدوني، وقد واجه الفيلم انتقادات واسعة من قبل الجمهور اليوناني والمؤرخين، سواء اليونانيين أو الإيرانيين، الذين اعتبروه غير دقيق في تصويره الأحداث،[243] حتى أن مجموعة من المحامين اليونان حاولت مقاضاة شركة الإنتاج والمخرج.[244]

تأريخ حياة الإسكندر

إن جميع النصوص المكتوبة من قبل أشخاص عاشروا الإسكندر ورافقوه في حملاته أو جمعوها من أخبار رفاقه وأصحابه، قد ضاعت كلها ولم يبق منها إلا بضعة مخطوطات منها ما هو كامل ومنها ما استحال فتاتًا.[18] من الأشخاص المعاصرين للإسكندر والذين كتبوا عن حياته: مؤرخه الخاص كاليستنس، والقادة في جيشه بطليموس ونيارخوس، وأحد الضبّاط الصغار المدعو «أريستوبولوس»، وكبير الربّان «أونيسيكريتوس». كُتبت كل النصوص التي تناولت حياة الإسكندر بالاستناد إلى تلك التي كتبها هؤلاء الرجال، وأول النصوص المنقولة كان ذاك الخاص بالمؤرخ ديودورس سلوقس (القرن الأول ق.م)، تلاه نص كوينتس كورتيوس روفوس (ما بين أواسط وأواخر القرن الأول ق.م)، ثم آريان (ما بين القرن الأول والثاني الميلاديفپلوتارخ (ما بين القرن الأول والثاني الميلادي)، وأخيرًا جستن صاحب المؤلف العائد للقرن الرابع الميلادي.[18] يُعد مؤلف آريان الأكثر وثوقًا إجمالاً، نظرًا لأنه لجأ إلى نصوص بطليموس وأريستوبولوس كمراجع أوليّة، يليه مؤلف ديودورس.[18]

وصلات خارجية

الإسكندر الأكبر
عاهل الأسرة الأرغية
ولد: 356 ق.م 323 ق.م
منصب
سبقه
فيليپ الثاني
ملك مقدونيا

336–323 ق.م

تبعه
فيليپ الثالث والإسكندر الرابع
سبقه
دارا الثالث
شاهنشاه فارس

330–323 ق.م

فرعون مصر

332–323 ق.م

لقب جديد سيِّد آسيا

331–323 ق.م

  • بوابة التاريخ
  • بوابة أعلام
  • بوابة علوم عسكرية
  • بوابة مصر القديمة
  • بوابة الحرب
  • بوابة اليونان القديم
  • بوابة الشرق الأوسط القديم
  • بوابة ملكية
This article is issued from Wikipedia. The text is licensed under Creative Commons - Attribution - Sharealike. Additional terms may apply for the media files.