الثورة الصناعية الثانية

كانت الثورة الصناعية الثانية، أو المعروفة أيضًا باسم الثورة التكنولوجية، هي مرحلة ضمن الثورة الصناعية الكبرى وتوافق النصف الثاني من القرن التاسع عشر حتى الحرب العالمية الأولى. وقد بدأت مع طريقة بسمر لتصنيع الصلب في ستينيات القرن التاسع عشر وبلغت ذروتها في إنتاج كميات كبيرة والوصول إلى خط الإنتاج.

مصباح كهربي حاصل على براءة اختراع أمريكية رقم :. صدر في 27 يناير 1880.

شهدت الثورة الصناعية الثانية تطورًا صناعيًا سريعًا في أوروبا الغربية (بريطانيا وألمانيا وفرنسا والبلدان المنخفضة) وكذلك الولايات المتحدة الأمريكية واليابان. وقد جاءت هذه الثورة بعد الثورة الصناعية الأولى التي بدأت في بريطانيا في أواخر القرن الثامن عشر والتي انتشرت فيما بعد في جميع أرجاء أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية،

وقدم هذه الفكرة باتريك جيديس، في كتابه تطور المدن (Cities in Evolution) (عام 1910), لكن استخدام ديفيد لاندز' لهذا المصطلح في مقاله عام 1966 بعنوان بروميثيوس غير المقيد (The Unbound Prometheus) (عام 1972) وضع تعريفات علمية محددة لهذا المصطلح والذي دعمه بشدة المؤرخ الأمريكي ألفرد شاندلر (1918–2007). ومع ذلك استمر البعض في التعبير عن تحفظاتهم حول استخدام المصطلح.[1]

يؤكد لاندز (2003) على أهمية التقنيات الجديدة خاصة الكهرباء ومحرك الاحتراق الداخلي والخامات والمواد الجديدة بما في ذلك السبائك والمواد الكيميائية وتقنيات الاتصالات مثل التلغراف والراديو، وبينما تمركزت الثورة الصناعية الأولى حول الحديد وتقنيات البخار وإنتاج الأنسجة، فإن الثورة الصناعية الثانية تدور حول صناعة الصلب والسكك الحديدية والكهرباء والمواد الكيميائية.

يطلق فاتسلاف سميل على هذه الفترة 1867–1914 "عصر التآزر" حيث تطورت خلاله غالبية الابتكارات الكبرى. وعلى خلاف الثورة الصناعية الأولى، فإن الاختراعات والابتكارات كانت تقوم على العلم.[2]

الصناعة والتقنية

رسم توضيحي لمحول بسمر. يتم دفع الهواء من خلال ثقوب في قاع المحول مما ينشأ عنه رد فعل قوي عند صب الحديد المنصهر الذي يقوم بأكسدة السيليكون والكربون الزائد وتحويل الحديد المصبوب إما إلى الحديد النقي أو الصلب اعتمادًا على الكربون المتبقي.

كانت عملية بسمر أول عملية صناعية غير مكلفة لإنتاج كميات كبيرة من الحديد الصلب من الحديد المنصهر المصبوب. وقد أحدث مخترع هذه العملية، السير هنري بسمر، ثورة في صناعة الصلب من خلال تقليل تكلفته وزيادة نطاق وسرعة إنتاج هذه المادة الخام الحيوية وقلل من متطلبات عمال صناعة الصلب. وسرعان ما تبع عملية بسمر فرن سيمنز مارتن الذي كان يستخدم عملية المجمرة المكشوفة، وقد سمح فرن المجمرة المكشوفة بإعادة تدوير خردة الحديد والصلب. ونظرًا لأنه كان من السهل مراقبة الجودة في عملية المجمرة المفتوحة، فقد أصبحت عملية رائدة لصناعة الصلب في بداية القرن العشرين.

تطورت في بداية الثورة الصناعية الثانية عملية تآزرية بين الحديد والصلب، والسكك الحديدية والفحم، فقد سمح وجود السكك الحديدية بنقل المواد، والمنتجات بكلفة قليلة، مما أدى بدوره إلى إنشاء سكك حديدية أكثر بتكاليف أقل، واستفادت السكك الحديدية أيضًا من رخص الفحم الذي يحتاجونه لعمل قاطراتها البخارية، ونتج عن كل هذا التآزر إنشاء مسار بطول 75 ألف ميل في الولايات المتحدة في عام 1880.[3]

الصلب

سمحت عملية باسيمير، التي ابتكرها السير هنري باسيمير، بالإنتاج الضخم للصلب، وأدّت إلى زيادة حجم وسرعة إنتاج هذه المادة، وقلّلت من الحاجة للعمال، وكان المبدأ الرئيسي هو إزالة الكربون الزائد، والشوائب الأخرى من الحديد الخام عن طريق عملية الأكسدة بالهواء الذي يُمرَّر على الحديد المنصهر. وعملية الأكسدة هذه ترفع من درجة حرارة الكتلة الحديدية، وتبقيها منصهرة.

كان التقدم الكبير التالي في مجال صناعة الصلب هو عملية سيمنز مارتن، فقد طوّر السير كارلس ويليام سيمنز فرن التجديد الخاص به في خمسينيات القرن التاسع عشر، والذي صرّح في عام 1857 أنه قادر على استرداد حرارة كافية بشكل يوفَّر فيه 70 إلى 80% من الوقود. وكان المهندس الفرنسي بيير إميل مارتن أول من حصل على ترخيص استخدام فرن سيمنز وتطبيقه على إنتاج الصلب في عام 1865. إن عملية سيمنز مارتن استكملت عملية باسيمير بدلًا من استبدالها، ومن أهم مزاياها أنها لم تُعرّض الصلب للنتروجين المفرط (الذي سينتج فولاذًا هشًا في حال تعرضه له)، وكان من السهل التحكم بذلك، كما سمحت العملية بصهر وتكرير كميات كبيرة من خردة الصلب، مؤديةً بذلك لخفض تكاليف إنتاج الصلب. وأصبحت هذه العملية هي العملية الرائدة في صناعة الصلب في أوائل القرن العشرين.[4][5][6][6]

سمح توفر الصلب الرخيص ببناء جسور أكبر، وسكك حديدية أكثر، وناطحات سحاب، وسفن، ومن منتجات الصلب الأخرى التي يمكن تصنيعها عبر العملية السابقة الكابلات الفولاذية، وقضبان الصلب، كما أنه بفضل وجود هذه الكميات الكبيرة من الصلب أصبح من الممكن بناء مدافع وعربات أكثر قوة، ودبابات، وعربات قتال مدرعة، وسفن بحرية.[7]

السكك الحديدية

أدت الزيادة في إنتاج الصلب في عام 1860 إلى بناء المزيد من السكك الحديدية وبأسعار تنافسية، وبسبب كون الصلب مادة أكثر متانة من الحديد، فقد استُبدل مكان الحديد في بناء السكك الحديدية، وإن أوّل من صنع سككًا حديدية متينة من الصلب بدلًا من الحديد المطاوع كان روبرت فورستر موشيه في شركة داركهيل آيرون ووركس في عام 1857.[8][9][10][11]

الكهرباء

وضع العالم والخبير مايكل فاراداي الأساس النظري والعملي لتسخير الطاقة الكهربائية، وذلك من خلال بحثه في المجال المغناطيسي الذي يتولّد حول موصل يحمل تيارًا مباشرًا.[12][13]

بنيت أول محطة حديثة للطاقة الكهربائية في العالم من قبل المهندس الإنكليزي سيباستيان دي فيرانتي في ديبتفورد، ولم يسبق لها مثيل في ذلك الوقت، واستخدمت التيار المتناوب عالي الجهد (10 آلاف فولط)، وأنتجت 800 كيلو واط، وزوّدت وسط لندن بالطاقة الكهربائية. أُطلق على الكهرباء بأنها أهم إنجاز هندسي في القرن العشرين من قبل الأكاديمية الوطنية للهندسة، وأدّت الإضاءة الكهربائية في المصانع إلى تحسين ظروف العمل، لأنها خلّصت العمال من الحرارة، والتلوث الناجمين عن الإضاءة باستخدام الغاز، وحدّت من مخاطر الحرائق. سمحت الكهرباء بإنتاج مواد كيميائية غير مكلفة، كالألمنيوم، والكلور، وهيدروكسيد الصوديوم والمغنزيوم.[14][15][16][17][18]

المعدّات الآلية

بدأ استخدام المعدات الآلية مع بداية الثورة الصناعية الأولى، من ثم تطلّبت زيادة الآلات زيادة إنتاج الأجزاء المعدنية التي تحتاجها، والتي كانت تُصنع عادة من الحديد الصب (أو الزهر)، والحديد المطاوع، وكانت اليد العاملة في هذا المجال تفتقر إلى الدقة، وبطيئة، ومكلفة.

في عام 1841 ابتكر جوزيف ويتوورث تصميمًا نموذجيًا للمعدات الآلية، التي استخدمتها العديد من شركات السكك الحديدية البريطانية، واستُخدم هذا التصميم خلال أربعينيات إلى ستينيات القرن التاسع عشر في الولايات المتحدة، وكندا.[19]

صناعة الورق

أول آلة لصناعة الورق كانت آلة فوردرينييه، التي بناها سيلي وهنري فوردرينييه، اللذان كانا بائعا قرطاسية في لندن، فقد كانت فكرتهم استخدام الخشب لصناعة الورق، وبدؤوا في عملهم في مجال الطباعة بعد ذلك بعام، ولكن لم ينجح مشروعهم بسبب التكلفة الباهظة التي احتاجها في ذلك الوقت.[20][21][22]

في أربعينيات القرن التاسع عشر، ابتكر كل من شارلز فينريتي في نوفا سكوتيا وفريدريش جوتلوب كيلر في ساكسونيا آلة ناجحة لاستخراج الألياف من الخشب (واستخرجوها من الخرق أيضًا) والتي انطلاقًا منها صنعوا الورق، وأدى ذلك إلى بدء عهد جديد لهذه الصناعة، بالإضافة إلى اختراع قلم الحبر، والقلم الرصاص الذي أُنتج بكميات كبيرة في نفس الفترة، مما نتج عنه تحوّل كبير في الاقتصاد والمجتمع في القرن التاسع عشر.[23]

وبعد أن أصبحت عملية إنتاج الورق أرخص، أصبحت الكتب المدرسية، وغيرها من الكتب، والجرائد متوفّرة بشكل تدريجي بحلول عام 1900.

النفط

بدأت الصناعات النفطية (كل من الإنتاج، والتكرير) في عام 1848 في اسكتلندا. أنشأ الكيميائي جيمس يونغ شركة صغيرة لتكرير النفط الخام في عام 1848، ووجد يونغ أنه يمكن من خلال عملية التقطير البطيء الحصول على عدد من السوائل المفيدة، والتي أطلق عليها اسم «زيت البارافين» لأنها تتجمّع في درجات الحرارة المنخفضة بشكل مادة تشبه شمع البارافين. أُدخلت تقنية حفر الآبار الصينية إلى أوروبا في عام 1828.[24][25]

بقي البنزين منتجًا ثانويًا غير مرغوب فيه لعملية تكرير النفط حتى انتشار السيارات على نطاق واسع بعد عام 1914، وكان هناك نقص في مادة البنزين خلال الحرب العالمية الأولى، لكن أدى اختراع عملية بيرتون للتكسير الحراري إلى مضاعفة إنتاج البنزين، مما ساعد على تخفيف النقص.[26][27][28]

المواد الكيميائية

اكتشف الكيميائي الإنجليزي وليام هنري بيركين الصبغة الاصطناعية في عام 1856، فقد اكتشف صباغ الأنيلين (بشكل غير مقصود) الذي يمكن أن يتحول جزئيًا إلى خليط خام، يعطي عند تمديده بالكحول مادة ذات لون أرجواني كثيف.[29]

المطاط

مهّدت تقنية تقسية المطاط بالكبريت من قبل الأمريكي تشارلز جوديير، والإنكليزي توماس هانكوك في أربعينيات القرن التاسع عشر الطريق أمام صناعة المطاط التي أخذت تتوسّع، وخاصة في مجال تصنيع الإطارات المطاطية.[30]

الدرّاجات

صمم المهندس الإنجليزي هاري جون لوسون الدرّاجة الحديثة في عام 1876، لكن جون كيم ستارلي هو الذي أنتج أول دراجة آمنة وناجحة تجاريًا بعد بضعة سنوات. [31]

السيارات

حصل المخترع الألماني كارل بنز على براءة اختراع أول سيارة في العالم في عام 1886، وبدأ ببيعها في أواخر صيف عام 1888، مما جعلها أول سيارة متوفرة تجارياً في التاريخ.[32][33]

بنى هنري فورد سيارته الأولى في عام 1896 وكان رائدًا في هذه الصناعة، وأسّس شركته مع شركائه في عام 1903.[34]

انظر أيضًا

مراجع

  1. James Hull, "The Second Industrial Revolution: The History of a Concept", Storia Della Storiografia, 1999, Issue 36, pp 81–90
  2. Creating the Twentieth Century: Technical Innovations of 1867–1914 and Their Lasting Impact. Oxford; New York: Oxford University Press. 2005. ISBN 0-19-516874-7.
  3. Chandler 1993, pp. 171
  4. Landes year-1969, pp. 228
  5. Thomas, Sidney Gilchrist at Welsh Biography Online
  6.  هيو تشيشولم، المحرر (1911). "Thomas, Sidney Gilchrist". موسوعة بريتانيكا. 26 (الطبعة الحادية عشر). مطبعة جامعة كامبريدج. صفحة 867.
  7. Alan Birch, Economic History of the British Iron and Steel Industry (2006)
  8. Fogel، Robert W. (1964). Railroads and American Economic Growth: Essays in Econometric History. Baltimore and London: The Johns Hopkins Press. ISBN 0-8018-1148-1.
  9. Grubler، Arnulf (1990). The Rise and Fall of Infrastructures (PDF). مؤرشف من الأصل (PDF) في 01 مارس 2012. اطلع عليه بتاريخ 11 يناير 2019.
  10. Rosenberg، Nathan (1982). Inside the Black Box: Technology and Economics. Cambridge, New York: Cambridge University Press. صفحات 60. ISBN 0-521-27367-6.
  11. Fogel، Robert W. (1964). Railroads and American Economic Growth: Essays in Econometric History. Baltimore and London: The Johns Hopkins Press. ISBN 0801811481.
  12.  Maxwell، James Clerk (1911). "Faraday, Michael". In هيو تشيشولم. موسوعة بريتانيكا. 10 (الطبعة الحادية عشر). مطبعة جامعة كامبريدج. صفحة 173.
  13. "Archives Biographies: Michael Faraday", The Institution of Engineering and Technology. نسخة محفوظة September 29, 2011, على موقع واي باك مشين.
  14. "The Savoy Theatre", ذي تايمز, October 3, 1881
  15. Description of lightbulb experiment in The Times, December 29, 1881 نسخة محفوظة 24 يونيو 2017 على موقع واي باك مشين.
  16. Hunter & Bryant 1991, p. 191.
  17. "Sir Joseph Swan, The Literary & Philosophical Society of Newcastle". rsc.org. 3 February 2009. مؤرشف من الأصل في 1 سبتمبر 2011. اطلع عليه بتاريخ 16 أكتوبر 2010.
  18. "Sir Joseph Wilson Swan". home.frognet.net. مؤرشف من الأصل في 10 مايو 2011. اطلع عليه بتاريخ 16 أكتوبر 2010.
  19. Roe 1916, pp. 9–10. نسخة محفوظة 2 يناير 2017 على موقع واي باك مشين.
  20. Carruthers, George. Paper in the Making. Toronto: The Garden City Press Co-Operative, 1947.
  21. Matthew, H.C.G. and Brian Harrison. "Koops. Matthias." Oxford Dictionary of National Biography: from the earliest times to the year 2000, Vol. 32. London: Oxford University Press, 2004: 80.
  22. Burger, Peter. Charles Fenerty and his Paper Invention. Toronto: Peter Burger, 2007. (ردمك 978-0-9783318-1-8). pp. 30–32.
  23. Burger, Peter. Charles Fenerty and his Paper Invention. Toronto: Peter Burger, 2007. (ردمك 978-0-9783318-1-8)
  24. Russell، Loris S. (2003). A Heritage of Light: Lamps and Lighting in the Early Canadian Home. University of Toronto Press. ISBN 0-8020-3765-8.
  25. Temple، Robert؛ Joseph Needham (1986). The Genius of China: 3000 years of science, discovery and invention. New York: Simon and Schuster. صفحات 52–4<Based on the works of Joseph Needham>
  26. M. S. Vassiliou, Historical Dictionary of the Petroleum Industry, Scarecrow Press - 2009, page 13 نسخة محفوظة 1 مايو 2016 على موقع واي باك مشين.
  27. Vassiliou, M. S. (2009). Historical Dictionary of the Petroleum Industry. Lanham, MD: Scarecrow Press (Rowman & Littlefield), 700pp
  28. Temple 1986, pp. 54
  29. "Sir William Henry Perkin". MSU Gallery of Chemists' Photo-Portraits and Mini-Biographies. East Lansing, MI: Michigan State University, Department of Chemistry. 2003-05-16. مؤرشف من الأصل في 30 أكتوبر 2007.
  30. 1493: Uncovering the New World Columbus Created. Random House Digital, Inc. صفحات 244–245.
  31. "Icons of Invention: Rover safety bicycle, 1885". The Science Museum. مؤرشف من الأصل في 21 أبريل 2017. اطلع عليه بتاريخ 05 يونيو 2010.
  32. G.N. Georgano Cars: Early and Vintage, 1886-1930. (London: Grange-Universal, 1985)
  33. G.N. Georgano
  34. Ford، Henry؛ Crowther, Samuel (1922). My Life and Work: An Autobiography of Henry Ford. مؤرشف من الأصل في 11 ديسمبر 2019.
    • بوابة تاريخ العلوم
    • بوابة الفيزياء
    • بوابة القرن 19
    • بوابة تقانة
    • بوابة كهرباء
    This article is issued from Wikipedia. The text is licensed under Creative Commons - Attribution - Sharealike. Additional terms may apply for the media files.