الدولة الأموية في الأندلس

الدولة الأموية في الأندلس إمارة إسلامية أسسها عبد الرحمن بن معاوية الأموي عام 138 هـ/756 م في الأندلس وأجزاء من شمال أفريقيا وكانت عاصمتها قرطبة، وتحولت إلى خلافة بإعلان عبد الرحمن الناصر لدين الله نفسه في ذي الحجة 316 هـ/يناير 929م خليفة قرطبة بدلاً من لقبه السابق أمير قرطبة،[2][3] وهو اللقب الذي حمله الأمراء الأمويون منذ أن استقلّ عبد الرحمن الداخل بالأندلس. تأسست هذه الدولة نتيجة سقوط الدولة الأموية في المشرق على يد بني العبَّاس، الذين أخذوا بعدَ قيام دولتهم بمُلاحقة بني أمية وقتلهم، ولذلك فقد فرَّ الكثير منهم بعيداً محاولين النجاة بأنفسهم. وقد كان من بين هؤلاء عبد الرحمن الداخل، الذي فرَّ إلى الأندلس، وأعلنَ استقلاله بها[4] وقد تمكَّن الأمويون من البقاء بهذه الطريقة، فأسسوا دولتهم الجديدة في الأندلس، وظلُّوا يحكمونوها زهاء ثلاثة قرون. عُرف عبدُ الرحمٰن بن مُعاوية باسم «عبدُ الرحمٰن الدَّاخل»، كونه «دخل» (أي هاجر) إلى الأندلُس، ومُنذُ أن تسلَّم الحُكم حتَّى دخل المُسلمون في الأندلُس في عهدٍ جديدٍ قائمٍ على أُسسٍ سياسيَّة بعيدةٍ عن العُنصُريَّة والقبليَّة من واقع تحجيم نُفوذ زُعماء القبائل وإحلال سُلطة الدولة مُمثلة بالأمير، محل سُلطة القبائل، وبدأت الأندلُس تسير في طريق اكتساب الحضارة.[5]

الدولة الأمويَّة في الأندلس
خِلَافَةُ قُرطُبَة - إِمَارَةُ قُرطُبَة

756  1031
راية بني أُميَّة
الدولة الأمويَّة في الأندلس (باللون الأخضر)، سنة 1000م.

عاصمة قُرطُبة
نظام الحكم خلافة وِراثيَّة
اللغة العربيَّة (اللغة الرسميَّة)
لُغات أُخرى: المُستعربيَّة، البربريَّة، العبرانيَّة
الديانة الإسلام (الديانة الرسمَّية).
على المذهب الأوزاعي ثُمَّ المالكي[1]
ديانات أُخرى: المسيحيَّة، واليهوديَّة
الأمير - أمير المؤمنين
عبد الرحمٰن الداخل
(أوَّل الأُمراء الأُمويين)
744 - 788
عبد الرحمٰن الناصر لدين الله
(أوَّل الخُلفاء)
929 - 961
هشام المُعتد بالله
(آخر الخُلفاء)
1027 - 1031
التاريخ
التأسيس 756
الزوال 1031
بيانات أخرى
العملة الدينار والدرهم

اليوم جزء من

أضحى الأندلُس بلدًا إسلاميًا مُستقلًا عن الخِلافة العبَّاسيَّة في المشرق بعد أن كان خاضعًا لِمركز الخِلافة في العهد الأُموي، ولم تُحاول الدَّولة العبَّاسيَّة جديًا إعادته إلى حظيرتها. ويبدو أنَّ انفصاله النهائي عنها لم يُشكِّل خطرًا حقيقيًا مُباشرًا على كيانها، بالإضافة إلى أنَّهُ استمرَّ في حمل الرسالة الإسلاميَّة، ولا يدعو ذلك بالضرورة للمُواجهة المُباشرة، غير أنَّهُ جرت مُحاولات عابرة قام بها العبَّاسيّون لِإعادته إلى حظيرة الخِلافة، لكنَّها لم تُحقق شيئًا.[5] تميزت الدولة الأموية في الأندلس بنشاط تجاري وثقافي وعمراني ملحوظ، حتى أصبحت قرطبة أكثر مدن العالم اتساعًا بحلول عام 323 هـ/935م،[la 1] كما شهدت تشييد الكثير من روائع العمارة الإسلامية في الأندلس ومنها الجامع الكبير في قرطبة. كما شهدت فترة حكم الأمويين نهضة في التعليم العام، جعلت عامة الشعب يجيدون القراءة والكتابة في الوقت الذي كان فيه علية القوم في أوروبا لا يستطيعون ذلك.[6] وبسبب الاستمرار في الاتجاه الذي أرساه عبد الرحمن الداخل، خطت الدولة الأموية في الأندلس خطوات واسعة في التقدم والرقي والازدهار الحضاري، ونافست قُرطُبة بغداد عاصمة الدولة العبَّاسيَّة والقُسطنطينيَّة عاصمة الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة. وساهم العُلماء الأندلُسيّون على اختلاف خلفيَّاتهم العرقيَّة والدينيَّة بتقدُّم مُختلف أنواع العُلوم في العالمين الإسلامي والمسيحي، ومن هؤلاء على سبيل المِثال: جابر بن أفلح في علم المُثلثات، وإبراهيم بن يحيى الزرقالي في علم الفلك، وأبو القاسم الزهراوي في الجراحة، وابن زُهر في الصيدلة، وغيرهم.

تحوَّلت الدولة الأموية في الأندلس من نظام الإمارة إلى نظام الخلافة على يد عبدُ الرحمٰن النَّاصر لدين الله كما أُسلف، فخرج بِعمله هذا عن الأصل النظري للمذهب السُنّي للخِلافة، القائل بأنَّ الخِلافة كمُؤسسة دينيَّة ودُنيويَّة لا يُمكن أن تتجزَّأ حسب المفاهيم السَّائدة في ذلك الوقت، إلَّا أنه وضع هذا العمل في موضع الاجتهاد. وأجاز الفُقهاء والعُلماء السُّنَّة بِتعدُّد الخِلافة في حال وُجود مصلحة عامَّة للمُسلمين، واعترفوا بِشرعيَّة وُجود إمامين يتولَّيان حُكم المُسلمين في وقتٍ واحد، شرط أن تكون المسافة بينهما كبيرة حتَّى لا يحصل التصادم بينهما.[7] ومن الأسباب الواقعيَّة التي دفعت عبد الرحمٰن النَّاصر إلى إعلان الخِلافة، كان ضُعف الدولة العبَّاسيَّة وانحدار سُمعتها إلى الحضيض، بالإضافة لإعلان الإمام عُبيد الله المهدي الفاطمي قيام خِلافة الفاطميين في إفريقية، ورُبما كانت هذه الحادثة أكثر إلحاحًا من تراجُع نُفوذ الخِلافة العبَّاسيَّة في المشرق للإقدام على هذه الخُطوة من جانب عبد الرحمٰن النَّاصر، لا سيَّما وأنَّ الفاطميين كانوا قد أعلنوا الخِلافة على أساسٍ شيعيّ إسماعيليّ، وهو ما مثَّل تهديدًا عسكريًا ودينيًا للأُمويين بصفةٍ خاصَّة والأندلُس بصفةٍ عامَّة.[8]

وقد استمرت الدولة الأموية في الأندلس رسميًا حتى عام 422 هـ/1031م، حيث سقطت الخلافة وتفككت إلى عدد من الممالك بعد حرب أهلية بين الأمراء الأمويين الذين تنازعوا الخلافة فيما بينهم، مما أدى بعد سنوات من الاقتتال، إلى تفكك الخلافة إلى عدد من الممالك المستقلة.

نظام الحكم

جانب من حديقة قصر قرطبة مقر أمراء بني أمية في الأندلس، حتى أن نقل الخليفة عبد الرحمن الناصر مقر الحكم إلى مدينة الزهراء.

كان الأمير أو الخليفة يأتي على رأس النظام الحاكم في عهد الدولة الأموية في الأندلس، والذي كان يتولى الحكم وفق نظام حكم وراثي يتولى فيه ولي العهد الحكم بوصية من الأمير أو الخليفة الراحل.[48] لم تكن البيعة مشترطة على أن تكون للابن الأكبر حيث كان الأمراء يوصون من يرون أنه الأصلح من أبنائهم للحكم كتولية عبد الرحمن الداخل لابنه هشام متجاوزًا ابنه الأكبر سليمان،[49] وتقديم الحكم الربضي لابنه عبد الرحمن على ابنه الأكبر هشام.[50] بل وكانوا أحيانًا يتجاوزونها للتوصية بولاية الحفيد كما فعل الأمير عبد الله بن محمد بالتوصية لولاية حفيده عبد الرحمن بن محمد.[51] كانت البيعة تتم في القصر حيث يجلس الحاكم على سرير الملك، ويدخل عليه الأمراء من بني أمية، ويستمعون لكتاب البيعة، ثم يتقدمون ببيعتهم للحاكم الجديد. يتبع أمراء بني أمية، بيعة الوزراء وأصحاب المناصب من كبار رجال الدولة، وتسمى المراسم السابقة بالبيعة الخاصة.[52] ثم ينيب الحاكم من يأخد البيعة العامة من سائر الناس، ويرسل بكتاب البيعة للكور والثغور.[53]

كانت سلطة الأمير أو الخليفة مطلقة يولّي ويعزل دون أن يعارضه معترض، ويأتي من بعد الأمير أو الخليفة في هرم السلطة «الحاجب» وهو شخص يعادل منصبه منصب رئيس الوزراء اليوم، ويفرش له فراش أعلى من فرش الوزراء وأدنى من سرير الأمير أو الخليفة في قاعة الحكم.[54] إضافة إلى عدد من الوزراء، يتولون عددًا من المناصب الوزارية كمنصب كبير الخاص وأصحاب خطط الخيل والكتابة العليا والمظالم والشئون المالية والشرطة العليا والشرطة الصغرى وخطة القضاء والمواريث والحسبة.[55] أما إداريًا، فقد كانت الأندلس مقسمة إلى مجموعة من الكور التي تتبعها مدن لكل منها أحوازها، ويتولى إدارة تلك الكور عمال يعينهم الأمير أو الخليفة، ويتبع هؤلاء عمال المدن الذين تقع على عواتقهم مسئولية إدارة المدن وأحوازها.[56]

العلاقات الخارجية

منذ نشأة الدولة الأموية في الأندلس وهي في حالة صراع متواصل مع جيرانها من الممالك المسيحية في الشمال والشرق من أجل فرض السيطرة أحيانًا وأحيانًا من أجل البقاء. ففي سنوات الدولة الأموية في الأندلس الأولى، تعرض الثغر الأعلى للغزو من قبل شارلمان عام 161 هـ/778 م، إلا أن أهل سرقسطة استطاعوا إفشال هجومه[57] ثم ما لبث أن تعرض جيش شارلمان لهزيمة ساحقة أثناء انسحابه إلى فرنسا عبر ممر رونسفال.[la 2][58] لم يكن ذلك هو التهديد الوحيد الذي تعرضت له الأندلس في تلك الفترة، فمنذ عهد هشام الرضا تعرضت حدود الأندلس الشمالية لتحرشات من قبل مملكتي أستورياس ونافارا الوليدتين.[la 3][59] إضافة إلى تلك الهجمات البرية، تعرضت الأندلس للغزو البحري عام 230 هـ من قبل للنورمان الذين احتلوا أشبونة وقادس وشذونة وإشبيلية، إلى أن هزمهم جيش أرسله عبد الرحمن الأوسط بقيادة عيسى بن شهيد ونصر الخصي، فأجلوهم عن الأندلس بعد 42 يومًا من نزولهم الأندلس.[60] ومع دخول الأندلس عصر القوة منذ عهد عبد الرحمن الناصر وحتى عهد سيطرة الحاجب المظفر على الدولة، أصبحت اليد العليا عسكريًا في شبه الجزيرة الأيبيرية للأمويين الذين نجحوا في عهد سيطرة الحاجب المنصور في إعادة حدود الدولة الأموية إلى ما وراء نهر دويرة، وهي الأراضي التي كان الأمويون قد فقدوها في فترة كبوة الدولة التي انشغل فيها الأمراء بمواجهة الثورات الداخلية.[61] ورغم ذلك سرعان ما انهارت تلك السيطرة بعد أن دخلت الأندلس فترة الفتنة التي استغلتها الممالك المسيحية في الشمال للتوسع على حساب الأمويين، بل وسلّم بعضهم بعض الحصون والأراضي طواعية للأمراء المسيحيين ثمنًا لمشاركتهم إلى جانبهم في تلك المرحلة من الاقتتال الداخلي.[62]

أجبرت تلك الحالة من التهديد الدائم لحدود الدولة الأمويين على الاهتمام بالناحية العسكرية. فقد حرص الأمراء منذ عهد عبد الرحمن الداخل على التخلص من غلبة النظام القبلي على تركيبة الجيش الأندلسي، فحرصوا اقتناء العبيد الصقالبة والاستكثار منهم، فقد ذكر المقري أن حرس الأمير الحكم الربضي الخاص بلغ خمسة آلاف صقلبي،[63] وقد شكلوا هؤلاء الجند الصقالبة نواة الجيش الأموي النظامي.[64] إلا أن هؤلاء الصقالبة مع مرور الزمن أصبح لهم قوتهم داخل البلاط وأصبحوا يتدخلون في شئون الدولة، مما دعا الحاجب المنصور حين أصبحت السلطة بيده أن يقصيهم تدريجيًا من المناصب مع استبدالهم بعناصر من البربر ويضيفهم إلى ديوان الجند النظاميين،[65] هذا بالإضافة إلى المرتزقة والعبيد السود.[66] استدعت تلك الحالة أيضًا الاهتمام بالتسليح، فأنشأوا قواعد بناء السفن في طركونة وطرطوشة وقرطاجنة[67] وإشبيلية.[68] واهتموا ببناء الحصون والأسوار.[69][70] ونشطت الصناعات الحربية التي تُمدّ جيشه بالأسلحة[71] حتى ذاع صيت بعض المدن كطليطلة كمراكز لصناعة الأسلحة.[72]

شهدت فترات القوة في عهد الدولة الأموية في الأندلس حركة رواج دبلوماسي بين الأندلس وبعض جيرانها، بل وعدد من القوى العظمى في تلك الفترة التي حرصت على خطب ود حكام الأندلس في تلك الفترة. فبعد أن فشل شارلمان في غزوه لشرق الأندلس، انعقدت معاهدة سلام وصداقة بين عبد الرحمن الداخل وشارلمان.[73] وفي عام 225 هـ، استقبل بلاط الأمير عبد الرحمن الأوسط سفارة أرسلها الإمبراطور البيزنطي ثيوفيلوس محملة بالهدايا، والتي ردها حين بعث سفيره يحيى الغزال بالهدايا إلى القسطنطينية للإمبراطور.[74] بالإضافة إلى سفارة أخرى استقبلها عبد الرحمن الأوسط من قبل هوريك الأول ملك النورمان لطلب الصلح بعد غزو النورمان لغرب الأندلس، والتي ردها عبد الرحمن أيضًا ببعثه لسفيره يحيى الغزال إلى بلاط هوريك.[75] كما استقبل عبد الرحمن الناصر لدين الله في عهده سفارات قسطنطين السابع قيصر القسطنطينية[76] وبطرس الأول إمبراطور بلغاريا ولويس الرابع ملك فرنسا[77] والبابا يوحنا الثاني عشر بابا الفاتيكان[78] وأوتو الأول إمبراطور الإمبراطورية الرومانية المقدسة، والتي بادلها الناصر بسفرائه،[79][80] كما استقبل الحكم المستنصر بالله سفارات صداقة من يوحنا زيمسكي قيصر بيزنطة وأوتو الثاني إمبراطور الألمان.[81] لم يقتصر استقبال بلاط الأمويين على سفارات المودة فقط. بل وسار بعض ملوك الجوار كتودا النافارية وابنها غارسيا سانشيز الأول ملك نافارا وحفيدها سانشو الأول ملك ليون[la 4][la 5][la 6] وإلبيرا راميريز عمة الملك راميرو الثالث ملك ليون[82] وبرمودو الثاني ملك ليون وسانشو الثاني ملك نافارا،[83] إلى قرطبة بأنفسهم إما لطلب الصلح أو طلب معاونة الأمويين لهم في التغلب على منافسيهم على العرش.

العلوم

أبو القاسم الزهراوي أحد أبرز علماء تلك الحقبة.

كان اهتمام الأندلسيين بالفلسفة في عهد الدولة الأموية في الأندلس ضعيفًا، لما كانوا عليه من ميل ديني للمذاهب الفقهية التي تعتمد على النصوص، بل وكانوا يرمون من يشتغل بالفلسفة بالزندقة.[146] ورغم هذا الجو القاتل لهذا العلم، إلا أنه ظهر في هذا العهد واحدًا من الفلاسفة اللامعين وهو ابن مسرة، الذي رحل إلى المشرق واختلط بالمشتغلين من الفلاسفة في الشرق وتأثر بهم، وعاد إلى الأندلس ناشرًا فكره، لكنه لم يسلم من اتهام الفقهاء له ولأتباعه بالزندقة، مما دفع الخليفة عبد الرحمن الناصر لدين الله لملاحقة أتباعه للقضاء على مذهبه.[173] ورغم ذلك، لم يمنع هذا التضييق على الفلسفة والفلاسفة الخليفة الحكم المستنصر بالله الشغوف باقتناء الكتب على أن يجمع عددًا من كتب الفلسفة في مكتبته.[174] التي ما أن استقر الأمر للحاجب المنصور استخرجها وأحرق بعضها وأتلف البعض ليكتسب بذلك تقدير العلماء والعامة من المتدينين.[175]

أما الطب فكان أكثر العلوم المدنية التي أولاها الأندلسيون اهتمامهم، فاشتغلوا أولاً بدراسة الكتب القديمة ككتاب ديسقوريدس الذي تداول منه الأندلسيون نسخًا بترجمة اصطفن بن بسيل المشرقية، ثم أهديت منه نسخة باليونانية للخليفة الناصر، فأعيد ترجمتها في قرطبة، وتم تعريب ما صعب على المشرقيين ترجمته من أسماء النباتات التي ورد ذكرها باسمها اليوناني في ترجمة ابن بسيل. ولم يتوقف الأندلسيون عند ذلك، بل وكانت لهم تعليقاتهم على تلك الكتب القديمة كتعليقات ابن جلجل على كتب ديسقوريدس،[176] وتعليقات الزهراوي على كتب القدماء ومعارضاته لبعض آرائهم.[la 16] وقد تجاوزت شهرة الأطباء الأندلسيون الحدود في زمنهم، فكانت الملوك تفد إلى قرطبة لتستطبّ على يدي أطباء الأندلس.[177] لم تقتصر تلك شهرة أطباء الأندلس على زمانهم فقط، فقد ظل كتاب التصريف لمن عجز عن التأليف لأبي القاسم الزهراوي الملقّب بأبو الجراحة الحديثة[la 17] الذي ضم وصف ورسوم لمائتي جهاز جراحي اخترعهم الزهراوي،[la 18][la 19] يستخدم كمرجع أساسي في الجراحة في أوروبا العصور الوسطى،[la 20] كما ترجم ألبيرتوس ماغنوس بعض أعمال ابن جلجل إلى الغرب.[la 21]

وفي علمي الرياضيات والفلك، درس الأندلسيون علم الفلك ونبغ منهم في هذا المجال أيضًا مسلمة المجريطي الذي اهتم بدراسة كتب بطليموس وحسّن ترجمة المجسطي، وطوّر جداول الخوارزمي الفلكية، وقدّم تقنيات في علمي المساحة والتثليث،[la 22] إضافة إلى تلميذيه ابن السمح القرطبي وابن الصفار اللذان ألف كل منها زيجًا فلكيًا.[178] أما الكيمياء، فقد خرج بها الأندلسيون من دائرة الخيمياء إلى الكيمياء العلم الذي يقوم على المراقبة والتجريب. ولعل أبرز انجازاتهم في مجال الكيمياء استنباط عباس بن فرناس الذي اشتهر بمحاولته للطيران.[la 23][la 24] والذي استنبط طريقة لكيفية صناعة الزجاج من الأحجار عن طريق معالجتها كيميائيًا،[la 25][179] والمجريطي الذي أجرى التجارب على أكسيد الزئبق الثنائي، ونجح في فصل الذهب عن الفضة.[180]

النشاط الاقتصادي

دينار ذهبي ضُرب في عهد الخليفة هشام المؤيد بالله عام 396 هـ.

تنوع النشاط الاقتصادي في الأندلس في عهد الدولة الأموية في الأندلس بين زراعة وصناعة وتجارة. فقد اهتم المسلمون في عهد الدولة الأموية في الأندلس بالزراعة، فأصلحوا وسائل الري ونظّموها، وبنوا السدود وشقوا القنوات، وأقاموا الجسور والقناطر،[181] واستغلوا مياه المتساقطة من الجبال، وحفروا لها أحواض لتجميعها،[182] واستخدموا بعد ذلك السواقي التي كانت تتراوح أقطارها بين 20-30م لرفع الماء منها.[183] واستخدموا الثيران في تقليب الأرض وإعدادها للزراعة.[184] وبرعوا أيضًا في تنسيق الحدائق، وأدخلوا إلى أوروبا نباتات لم تكن معروفة لدى الأوروبيين كالأرز وقصب السكر والزيتون والمشمش والقطن والفستق. وإلى جانب تلك النباتات زرعوا العنب والتين والرمان واللوز والجوز والبندق والصنوبر والكمثرى والدراق والسفرجل والتوت والتفاح والنخيل والكتان والقمح والشعير.[183]

وفي النشاط الصناعي، عرفت الأندلس في تلك الفترة الصناعات الغذائية كتجفيف الحبوب والفواكه[185] وصناعة النبيذ ومعاصر الزيتون.[186] وصناعة المنسوجات والصباغة والصناعات المعدنية والزجاج والفخار المُذهب والفسيفساء،[187] والدباغة.[188] والسجاد[189] والسكر والورق والتحف المعدنية[190] اشتهرت الأندلس أيضًا بصناعة الملابس من الكتان والحرير والتي كانت تصل إلى مصر ومكة واليمن.[191] كما استخرج الأندلسيون الحديد[192] والذهب والفضة والرصاص والزئبق، كما استخدموا الرخام بألوانه المتعددة.[193]

أما التجارة، فقد راجت التجارة الداخلية والخارجية في الأندلس لسيطرتهم على الحوض الغربي للبحر المتوسط، فكانت موانئ الأندلس تعج بالنشاط والحركة، وقد ذكر ابن حوقل أن بعض المنتجات الأندلسية كالملابس المطرزة والأصواف والأصبغ والحرير والورق والملابس الكتانية والتين المجفف والخزف المُذهب والأسلحة، كانت تصدر إلى مصر وخراسان وغيرها.[194] كما كان للدينار القرطبي قوته الاقتصادية في كل الأندلس وبعض بلدان أوروبا منذ أمر عبد الرحمن الداخل بسكّه، فكانت المبادلات التجارية تتم بالدينار العربي ودينار بيزنطة ودينار غالة الذي سكّه شارلمان.[72] بل ظلت الممالك المسيحية في الشمال تتعامل بالنقود العربية والفرنسية لفترة طويلة من الزمن.[195] تنوعت مصادر دخل الدولة الأموية في الأندلس من الزراعة والصناعة والتجارة والموارد الطبيعية، إضافة إلى ما كانت تفرضه الدولة من خراج على الأراضي وجزية على الذميين وغنائم الحروب والضرائب المفروضة[196] والرسوم المفروضة على البضائع التي تمر على موانئ الأندلس.[197][198] وقد بلغت الدولة ذروة نشاطها الاقتصادي في عهد الخليفة عبد الرحمن الناصر حيث يلغت جباية الأندلس من الكور والقرى خمسة ملايين وأربعمئة وثمانين ألف دينار، ومن ضريبة الأسواق سبعمئة وخمس وستين ألف دينار، بالإضافة إلى ما كان يدخل خزائن الدولة من أخماس الأغنام.[199]

شجرة نسب حكام بني أمية في الأندلس

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
1
عبد الرحمن الداخل
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
أمير أموي
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
2
هشام الرضا
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
خليفة أموي
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
3
الحكم الربضي
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
4
عبد الرحمن الأوسط
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
5
محمد
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
7
عبد الله
 
 
6
المنذر
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
محمد
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
1
عبد الرحمن الناصر لدين الله
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
عبيد الله
 
 
 
عبد الملك
 
 
 
سليمان
 
 
 
عبد الجبار
 
2
الحكم المستنصر بالله
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
عبد الرحمن
 
 
 
محمد
 
 
 
الحكم
 
 
 
هشام
 
3
هشام المؤيد بالله
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
8
محمد المستكفي بالله
 
9
هشام المعتد بالله
 
6
عبد الرحمن المرتضي بالله
 
5
سليمان المستعين بالله
 
7
عبد الرحمن المرتضي بالله
 
4
محمد المهدي بالله
 
 
 
 
 
 
 

انظر أيضا

مراجع

  • ابن عذاري, أبو العباس أحمد بن محمد (1980). البيان المغرب في اختصار أخبار ملوك الأندلس والمغرب - الجزء الثاني. دار الثقافة، بيروت. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  • ابن حزم, علي (1987). رسائل ابن حزم الأندلسي - الجزء الأول والثاني. المؤسسة العربية للدراسات والنشر - تحقيق إحسان عباس. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  • ابن الأثير (2008). الكامل في التاريخ. دار التوفيقية للطباعة. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  • مؤلف مجهول, تحقيق: إبراهيم الإبياري (1989). أخبار مجموعة في فتح الأندلس. دار الكتاب المصري، القاهرة - دار الكتاب اللبناني، بيروت. ISBN 977-1876-09-0. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  • السامرائي, خليل إبراهيم وآخرون (2000). تاريخ العرب وحضارتهم في الأندلس. دار الكتاب الجديد المتحدة. ISBN 9959-29-015-8. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  • القضاعي, ابن الأبّار (1997). الحلة السيراء. دار المعارف، القاهرة. ISBN 977-02-1451-5. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  • العذري, أحمد بن عمر بن أنس (-). نصوص عن الأندلس من كتاب ترصيع الأخبار وتنويع الآثار، والبستان في غرائب البلدان والمسالك إلى جميع الممالك. منشورات معهد الدراسات الأسلامية في مدريد. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة); تحقق من التاريخ في: |سنة= (مساعدة)
  • الشيخ, محمد محمد مرسي (1981). دولة الفرنجة وعلاقتها بالأمويين في الأندلس حتى أواخر القرن العاشر الميلادي 755م-976م (138هـ-366هـ). مؤسسة الثقافة الجامعية، الإسكندرية. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  • المقري, أبو العباس أحمد بن محمد بن أحمد (1988). نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب. دار صادر، بيروت. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  • دوزي, رينهارت (1994). المسلمون في الأندلس - الجزء الثاني. الهيئة العامة المصرية للكتاب، القاهرة. ISBN 977-01-3796-0. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  • عنان, محمد عبد الله (1997). دولة الإسلام في الأندلس، الجزء الأول. مكتبة الخانجي، القاهرة. ISBN 977-505-082-4. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)صيانة CS1: تجاهل خطأ ردمك (link)
  • الخلف, سالم بن عبد الله (1997). نظم حكم الأمويين ورسومهم في الأندلس. الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. ISBN 9960-02-310-9. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  • ابن حزم, علي (1982). جمهرة أنساب العرب. دار المعارف، القاهرة. ISBN 977-02-0072-2. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)صيانة CS1: تجاهل خطأ ردمك (link)
  • دويدار, حسن يوسف (1994). المجتمع الأندلسي في العصر الأموي. مطبعة الحسين الإسلامية، القاهرة. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  • الدغلي, محمد سعيد (1994). الحياة الاجتماعية في الأندلس وأثرها في الأدب العربي وفي الأدب الأندلسي. دار أسامة. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  • بالنثيا, أنخل جونثالث، ترجمة حسين مؤنس (1955). تاريخ الفكر الأندلسي. مكتبة الثقافة الدينية. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  • ابن بشكوال, أبو القاسم خلف بن عبد الملك (1989). الصلة. دار الكتاب المصري، القاهرة - دار الكتاب اللبناني، بيروت. ISBN 977-1876-19-8. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  • عناني, محمد زكريا (1999). تاريخ الأدب الأندلسي. دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  • الزركلي, خير الدين (2002). الأعلام. دار العلم للملايين، بيروت. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  • ابن الفرضي, أبو الوليد عبد الله بن محمد بن يوسف (1966). تاريخ علماء الأندلس. الدار المصرية للتأليف والترجمة. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  • القرطبي, ابن حيان (1995). المقتبس من أنباء أهل الأندلس. وزارة الأوقاف المصرية، المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، لجنة إحياء التراث الإسلامي. ISBN 977-205-073-0. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  • أمين, أحمد (2009). ظهر الإسلام، الجزء الثالث. شركة نوابغ الفكر، القاهرة. ISBN 978-977-6305-62-5. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  • عنان, محمد عبد الله (1997). الآثار الأندلسية الباقية في إسبانيا والبرتغال. مكتبة الخانجي، القاهرة. ISBN 977-5046-33-5. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  • سالم, السيد عبد العزيز (1997). دراسات في التراث. عالم الفكر، المجلد الثامن، العدد الأول، وزارة الإعلام، الكويت. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  • البشري, سعد عبد الله صالح (1997). الحياة العلمية في عصر الخلافة في الأندلس. معهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي، جامعة أم القرى، مكة المكرمة. ISBN 9960-03-014-8. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  • ابن أبي أصيبعة, موفق الدين أبي العباس أحمد بن القاسم السعدي الخزرجي (1882). عيون الأنباء في طبقات الأطباء. المطبعة الوهابية. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  • مظهر, جلال (1969). الحضارة الإسلامية أساس التقدم العلمي الحديث. مركز كتب الشرق الأوسط، القاهرة. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  • حتاملة, محمد عبده (2000). الأندلس التاريخ والحضارة والمحنة. مطابع الدستور التجارية، عمان، الأردن. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  • زيتون, محمد محمد (1990). المسلمون في المغرب والأندلس. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  • نعنعي, عبد المجيد (1986). تاريخ الدولة الأموية في الأندلس – التاريخ السياسي. دار النهضة العربية، بيروت. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  • ابن دحية الكلبي, أبو الخطاب عمر بن حسن. المطرب من أشعار أهل المغرب. دار العلم للجميع، بيروت. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)
  • المقري, أبو العباس أحمد بن محمد بن أحمد (1940). أزهار الرياض في أخبار عياض. المعهد الخليفي للأبحاث المغربية، بيت المغرب، القاهرة. الوسيط |CitationClass= تم تجاهله (مساعدة)

وصلات خارجية

  • بوابة التاريخ الإسلامي
  • بوابة الإسلام
  • بوابة الأندلس
  • بوابة الدولة الأموية
This article is issued from Wikipedia. The text is licensed under Creative Commons - Attribution - Sharealike. Additional terms may apply for the media files.