الدولة الزنكية

الدَّولَةُ الزِّنكِيَّةُ أو الإِمَارَةُ الزِّنكِيَّةُ أو الدَّولَةُ الأَتَابِكِيَّةُ أو دَولَةُ الأَتَابِكَة، وتُعرفُ اختصارًا وفي الخِطاب الشعبي باسم الزِّنكِيُّون أو الأَتَابِكَة، هي إمارة إسلاميَّة أسَّسها عمادُ الدين الزنكي في الموصل، وامتدَّت لاحقًا لِتشمل كامل الجزيرة الفُراتيَّة والشَّام، ثُمَّ بلغت مصر في عهد الملك العادل نُورُ الدين محمود، الذي ضمَّها على يد تابعه وربيبه يُوسُف بن نجم الدين الأيُّوبي (صلاحُ الدين فيما بعد)، بعد وفاة آخر الخُلفاء الفاطميين أبو مُحمَّد عبدُ الله العاضد لِدين الله دون عقب. تُنسب الدولة الزنكيَّة إلى مُؤسسها عمادُ الدين الزنكي بن آق سُنقُر، وأمَّا تسميتها بِالأتابكيَّة فنسبةً إلى «أتابك»، وهو لقبٌ كان يُلقَّبُ به مُربُّو أبناء سلاطين السلاجقة، ويعني «مُربي الأمير»، وهو لقبٌ منحوتٌ من كلمتين: «أتا» بِمعنى «أب» و«بك» بِمعنى «أمير»،[ْ 1][ْ 2] ثُمَّ أصبح هذا اللقب لقب شرف يمنحهُ السلاطين لِلمُقرَّبين من الأُمراء وغيرهم.[2]

الدَّولَةُ الزِّنكِيَّةُ
الدولة الأتابكيَّة - الإمارة الزنكيَّة

 

 

1127  1250
 

السَّواد، وهو شعارُ بني العبَّاس في بغداد،[1] اتخذه الزنكيُّون رايةً لِلدلالة على تبعيَّتهم لِلخلافة العبَّاسيَّة
الدولة الزنكيَّة في أقصي امتدادها في عهد الملك العادل نور الدين، على خريطةٍ تُظهر الحُدود السياسيَّة المُعاصرة لِلوطن العربي

عاصمة حلب والموصل
نظام الحكم إمارة وراثيَّة
اللغة اللغة الرسميَّة: العربيَّة.
لُغات أُخرى: التُركيَّة والكُرديَّة والأرمنيَّة والسُريانية والقبطيَّة والعبرانيَّة.
الديانة الإسلام: غالبيَّة سُنيَّة وأقليَّة شيعيَّة اثنا عشريَّة وإسماعيليَّة
أقليَّات كُبرى وصُغرى: المسيحيَّة، واليهوديَّة والدُرزيَّة والصابئيَّة الحرَّانيَّة والإيزيديَّة
الأمير
عمادُ الدين الزنكي
(مُؤسس السُلالة)
1127 - 1146م
سيفُ الدين غازي
(أوَّل أُمراء الموصل)
1146 - 1149م
نُورُ الدين الزنكي
(أوَّل أُمراء حلب)
1154 - 1174م
الصالح إسماعيل
(آخر أُمراء حلب)
1174 - 1181م
بدرُ الدين لُؤلُؤ
(آخر أُمراء الموصل)
1234- 1259م
التاريخ
التأسيس 1127
الزوال 1250
بيانات أخرى
العملة الدينار والدرهم

اليوم جزء من

نشأت الدولة الزنكيَّة كامتدادٍ لِدولةٍ أُخرى قويَّة قامت في كنف الخِلافة العبَّاسيَّة هي دولة السلاجقة.[ْ 3] وقد برزت الدولتان في التاريخ الإسلامي لِدورهما الجهادي في مُواجهة الصليبيين وتوحيد الصف الإسلامي والدفاع عن ديار الإسلام. والزنكيُّون تُركٌ غُز (أوغوز) كما السلاجقة،[ْ 4] وكان قيام دولتهم إحدى النتائج الحتميَّة لِتفكك الدولة السُلجُوقيَّة إلى عدَّة إمارات ودُول نتيجة نظام الإقطاعيَّات الوراثيَّة الذي اتبعهُ السلاجقة وأدَّى إلى تمتُّع تلك الإقطاعيَّات بالاستقلال الفعلي بِمُجرَّد ضعف الإدارة المركزيَّة السُلجُوقيَّة بعد مقتل الوزير الكبير نظام المُلك ووفاة السُلطان ملكشاه. وأشهر الدُول التي قامت على أنقاض الدولة السُلجُوقيَّة: سلطنة سلاجقة كرمان، وسلطنة سلاجقة خُراسان، وإمارة حلب، وإمارة دمشق، وسلطنة سلاجقة الروم،[3] وقد اتبعت هذه الدُول نظام الإقطاعيَّات الوراثيَّة بِدورها، ولمَّا كانت بعض الإقطاعيَّات في أيدي أُمراء صغار السن، أو ضُعفاء الشخصيَّة، فقد استبدَّ أتابكتهم بِالحُكم، بعد أن عهد سلاطين السلاجقة إليهم بِتعليم الأُمراء الصغار وتدريبهم. وأشهر الأتابكة الذين استبدُّوا بِالحُكم: البُوريُّون أتابكة دمشق، من نسل الأتابك ظاهرُ الدين طُغتكين، والزنكيُّون أتابكة الموصل وحلب، من نسل آق سُنقُر الحاجب.[4] وقد لعب آل زنكي دورًا مُهمًا في مرحلةٍ بارزةٍ من التاريخ الإسلامي، سادتها النزاعات بين العبَّاسيين في بغداد، والفاطميين في القاهرة، وكانت سمتها النزاع بين الأُمراء، وتبادُل النُفُوذ في الشَّام. فقد ورث عمادُ الدين الزنكي مدينة حلب من أبيه آق سُنقُر الذي كان حاجبًا تُركيًّا لدى السُلطان السُلجوقي ملكشاه، فوسَّع سُلطته وضمَّ الموصل إليه،[ْ 5] وأسَّس الدولة الزنكيَّة التي دامت 123 سنة. رفع عمادُ الدين راية الجهاد ضدَّ الصليبيين، فقاومهم وانتزع منهم كُونتيَّة الرُّها وبضعة معاقل مُهمَّة أُخرى وردَّها إلى المُسلمين، ولمَّا تُوفي عمادُ الدين انقسمت الدولة الزنكيَّة إلى إمارتين: إمارة الموصل تحت راية سيفُ الدين غازي، وإمارة حلب أو الدولة النُوريَّة، تحت راية نُورُ الدين محمود، وقد تمكَّن الأخير من انتزاع دمشق من الأتابكة البوريين، ووحَّد الشَّام تحت رايته، وتابع الحرب ضدَّ الصليبيين، فاسترجع أقسامًا من إمارتيّ أنطاكية وطرابُلس.[4]

وفي خِلال الفترة المُمتدَّة بين سنتيّ 1164 و1169م، نشبت فتنة في الدولة الفاطميَّة، فاستنجد الوزير الفاطمي شاور بن مُجير السعدي بِنُور الدين الزنكي لِإخمادها، فوجد نُورُ الدين في هذا فُرصةً لا تُعوِّض لِلسيطرة على مصر وتوحيد الجبهة الإسلاميَّة في مصر والشَّام ضدَّ الصليبيين، وإعادة الوحدة المذهبيَّة بين القطرين بعد أن استقلَّ الفاطميُّون بِمصر طيلة قرنين ونصف تقريبًا، كانت الغلبة فيها لِلمذهب الشيعي الإسماعيلي. فأرسل نُورُ الدين قائد جُيُوشه أسد الدين شيركوه على رأس جيشٍ عرمرميٍّ إلى مصر، فهزم الثائرين فيها وأعاد الأمن إلى رُبُوعها. وفي سنة 1169م، أسند الخليفة الفاطمي العاضد لِدين الله الوزارة إلى شيركوه، بعد قتل شاور بن مُجير الذي حاول الغدر بِالزنكيين،[ْ 6] ولكنَّ شيركوه مات بعد شهرين، فخلفهُ ابنُ أخيه يُوسُف بن نجم الدين - الذي اشتهر لاحقًا بِصلاح الدين - وأخذ يُقوِّي مركزه في مصر ويُثبِّت حُكم الزنكيين فيها مُستغلًا ضعف الخليفة الفاطمي. وعندما ردَّ صلاح الدين غارةً قام بها الصليبيُّون من البحر على دُمياط، قوي نُفُوذه في مصر، فاستجاب لِطلب سيِّده نُورُ الدين بِقطع الخطبة لِلخليفة الفاطمي وإعادتها لِلخليفة العبَّاسي، فقضى بِذلك على الدولة الفاطميَّة، وأصبح الحاكم الفعليّ في مصر. وتخوَّف نُورُ الدين من تزايُد قُوَّة تابعه صلاح الدين، فعزم على مُهاجمة مصر لِلقضاء عليه، ولكنَّهُ تُوفي فجأة في دمشق في ربيع سنة 1174م. وفي سنة 1181م مات الصالح إسماعيل، ابن نور الدين، فضمَّ صلاحُ الدين دولته في حلب والموصل. وهكذا نجح في أن يجمع الممالك الزنكيَّة في الشَّام والجزيرة الفُراتيَّة، بالإضافة إلى مصر وغربيّ شبه الجزيرة العربيَّة، في دولةٍ مُسلمةٍ مُوحدةٍ قويَّةٍ تًحيطُ بِمملكة بيت المقدس والإمارات الصليبيَّة من الشمال والشرق والجنوب، وانتقل صلاحُ الدين، بعد ذلك، إلى مُتابعة رسالة الزنكيين بِمُحاربة الصليبيين وطردهم من بلاد المُسلمين.[5] استمرَّت سيادة بقايا الزنكيين قائمة في الموصل حتَّى انتهت تمامًا بِسُقُوط الجزيرة الفُراتيَّة بِيد المغول سنة 1250م عندما خضع آخر أُمرائها بدرُ الدين لؤلؤ لِهولاكو خان لِلحيلولة دون تدمير المدينة وقتل أهلها.[6]

نشطت الحركة العلميَّة والأدبيَّة والثقافيَّة في عهد الزنكيين، وبِالأخص في زمن الملك العادل نُور الدين محمود، الذي اهتم اهتمامًا شديدًا بِالعُلُوم والعُلماء وبالغ في الإنفاق عليهم، رغبةً منه في إعادة بناء دولته بناءً قويًّا على أساسٍ من العلم؛ من هُنا حرص على نشر العلم والتعليم بين الناس، فأمر بإنشاء عدد من مدارس الفقه في شتَّى مذاهبه، لِتكون قبلةً لِطُلَّاب العلم، إيمانًا منه أنه بأنَّ الجهاد ضدَّ الصليبيين لا يُمكن أن تقوم لهُ قائمة إلَّا إذا أُعدَّ الشعب بِالتعليم الديني السليم من جهة، ونُشرت العُلُوم الدُنيويَّة والثقافة بينهم من ناحيةٍ أُخرى. لِهذا ترك الزنكيين ورائهم الكثير من المدارس في مُختلف المُدن التي دخلت ضمن نطاق دولتهم، كما تركوا الكثير من البيمارستانات والمراصد الفلكيَّة وغيرها.[7]

أُصُول الزنكيين

الدُّول الإسلاميَّة المُتعددة التي نشأت بعد ضعف الدولة العبَّاسيَّة وزوال هيبة الخلِافة في بغداد.

كانت الإدارة البيروقراطيَّة لِلدولة العبَّاسيَّة، والدُويلات التي قامت في كنفها، قد أفسحت المجال تدريجيًّا أمام قيام نظامٍ عسكريٍّ لِلحُكم، وذلك خِلال القرن الرابع الهجري المُوافق لِلقرن العاشر الميلادي. فقد جرى اختيار حُكَّام المُدن والأقاليم من بين القادة العسكريين أو الأُمراء الذين كانوا، في مُعظم الأحيان، من التُرك. ولم يتمتَّع هؤلاء الحُكَّام بِسيطرةٍ غير مُقيَّدة تقريبًا على إقطاعاتهم فحسب، بل أقاموا لِأنُفسهم جُيُوشًا دائمة. وتعزَّز هذا الإغراء بِالتأكيد على استقلالهم من خلال الطريقة التي بها اعتاد الخُلفاء على تجريدهم من مُمتلكاتهم، وحتَّى إعدامهم لِمُجرَّد الشُبهة. فمجيء حاكم ضعيف لِتولِّي الحُكم أو نُشُوب خِلاف بِصدد الولاية كان يُعد إيذانًا بِتقطيع إحدى الممالك إلى عددٍ من الإمارات الصغيرة حيثُ ينهمك الحُكَّام بِالنزاعات حتَّى يستتب النظام لِلأقوى.[8] ولمَّا برز السلاجقة على المسرح السياسي لم يُدخلوا أي تغيير مادي على هذا النظام. فقد تألَّف تنظيمهم السياسي والإداري من تجمُّعٍ مُفكَّكٍ من الممالك تحت سيطرة أفراد مُختلفين من البيت السُلجُوقي، يتخذ كُل واحد منهم لقب «ملك» ويمنح ولاءه لِرأس الأُسرة في فارس الذي يتخذ لقب «سُلطان». نجح هذا النظام في المُحافظة على وحدة السلاجقة في ظل السلاطين الثلاثة الأوائل: طُغرُل بك، وألب أرسلان، وملكشاه، لكنَّ الضعف القديم أخذ يبرُز من جديد بعد وفاة ملكشاه سالف الذِكر في سنة 485هـ المُوافقة لِسنة 1092م، وأدَّت أطماع القادة والأُمراء إلى قيام حالة من الاقتتال الدائم في أنحاءٍ مُختلفةٍ من البلاد، وبِخاصَّةٍ في الشَّام.[8]

الدولة السُلجُوقيَّة في أقصى اتساعها قبل تفككها إلى عدَّة دُول وإمارات وأتابكيَّات.

وثمَّة عامل آخر أسهم في نُشُوء الإمارات التُركيَّة المُستقلَّة، أو ما يُعرف بِـ«الدُول الأتابكيَّة»، كمُؤسسة مُختصَّة بِالسلاجقة. ففي النظريَّة السُلجُوقيَّة لِلإدارة توزَّعت الأقاليم على أعضاءٍ من أفراد الأُسرة الحاكمة على شكل إقطاعات، وأضحى هذا النظام الإقطاعي عُنصُرًا هامًّا من نُظُمهم السياسيَّة والاجتماعيَّة، ثُمَّ أُلحق قائدٌ تُركيٌّ بِكُلِّ واحدٍ من هؤلاء الأُمراء، كان يحمل لقب «أتابك»، لِيُعاونه في إدارة شُؤون الحُكم، ويتحمَّل مسؤوليَّة تربيته العسكريَّة. وبما أنَّ الأتابك كان على علاقةٍ أبويَّةٍ بِالسُلطان السُلجُوقي، فقد تمتَّع بِسُلطةٍ تفوق سُلطة القادة العاديين إلى حدٍ كبير.[9] وبِفعل صغر سن الأمير، وافتقاره إلى الخبرة والتجربة في الشُؤون العامَّة، قفز الأتابكة إلى الواجهة السياسيَّة، وأضحوا أصحاب النُفُوذ الفعلي في إدارة الولايات التي يُعهد إلى الأُمراء بِحُكمها أو التي يُعهد إليهم بِحُكمها من قِبل السُلطان. كان طبيعيًّا أن يحل الأتابكة محل الأُمراء السلاجقة في الحُكم بعد تصدُّع الدولة السُلجُوقيَّة على أثر وفاة السُلطان ملكشاه، وفي ظل انقسام الأُمراء السلاجقة على أنفُسهم؛ ويُؤسسوا إمارات وراثيَّة. غير أنَّ هذا الأمر لم ينطوِ على قطيعة مُحددة مع السلاطين السلاجقة، بل على العكس من ذلك، فقد استمرُّوا في الحفاظ على موقف من الخُضُوع تجاه السلاطين، وتقبَّل هؤلاء من جانبهم هذا التطوُّر السياسي دونما أي احتجاج.[8] ومن أشهر الأتابكيَّات التي قامت في ذلك العصر: أتابكيَّة أرمينية، التي أسسها سُقمان القطبي مملوك قُطب الدين إسماعيل الحاكم السُلجُوقي لِمدينة مرند، وذلك في سنة 493هـ المُوافقة لِسنة 1100م، وأتابكيَّة دمشق التي أسسها طُغتُكين مملوك تُتُش بن ألب أرسلان حاكم الشَّام في سنة 497هـ المُوافقة لِسنة 1103م، وأتابكيَّة الموصل التي أسسها عماد الدين الزنكي في سنة 521هـ المُوافقة لِسنة 1127م،[3][9] وعمادُ الدين المذكور هو ابن آق سُنقُر، الذي ينتمي إلى قبيلة «ساب يو» التُركمانيَّة، التي لم تُحدد المصادر موطنها، كما لم تُذكر طبيعة علاقتها بِالسلاجقة، لكن يبدو أنها تمتعت بِمكانة رفيعة بين القبائل السُلجُوقيَّة.[10]

الجيش

نموذجٌ عن النبَّال التُركماني.

كان عماد الدين الزنكي خبيرًا بِشُؤون الجُند، يسوسهم بِحكمةٍ وبراعة، واجتمعت تحت قيادته آلافٌ كثيرةٌ من العساكر، بعضهم نظاميُّون كالعرب والتُرك والكُرد، وبعضهم غير نظاميين يلتفُّون حوله وقت الحرب وينفضُّون عنه وقت السِّلم، كالتُركمان والبدو. وقد اجتهد في ضبط أُمُور هذه الجُمُوع. فعندما اقتحم جُنده الرُّها وكادوا يأتون على ما فيها، كفَّ أيديهم وحافظ على البلد، ورأى أنَّ الجُندي يجب أن يُكرِّس حياته لِلجُنديَّة، ولِهذا كان يُنهي جُنده عن اقتناء الأملاك مُعتبرًا أنَّ الإقطاعات تكفيهم. وبعد مقتل عماد الدين، نجح نور الدين محمود بتحويل جيش دولته الصغير إلى أعظم قُوَّة عسكريَّة في الشرق الأدنى بفضل ما اتصف به من خصائص عسكريَّة فذَّة. فكان يعتمد أساليب العرب التقليديَّة في ترتيب الجيش ميمينةً وميسرةً وقلب، ووضع الكمائن في مواضع كان يختارها لِتكرَّ على جانبيّ جيش العدوّ وقت الحاجة، وأضاف إلى ذلك ما اختارهُ من أساليب التُرك العسكريَّة مثل وضع الجناحين مُتقدمين عن القلب قليلًا بِحيث تبدو هيئة الجيش كالهلال؛ فإذا هاجم العدوّ القلب، فيحصراه حصرًا شديدًا. وكان الجناحان يضُمَّان خيرة الفُرسان والرُّماة والمُقاتلين بِالسيف، وأضاف إلى الجيش فرقًا من مهرة رُماة الفُرسان الذين يقفون خلف الجناحين وخلف الصُفُوف الأولى من القلب، بِهدف تغطية الفُرسان والمُشاة المُتقدمين عن طريق رشق العدوّ بِالسهام.[178]

استخدم عماد الدين الزنكي الحمام الزاجل، لِنقل الأخبار في حُروبه التي خاضها ضدَّ الصليبيين، ولكن بشكلٍ قليل، ولم يكن لِلحمام الزاجل دورٌ فعَّالٌ في زمنه نظرًا لِصغر حجم دولته وعدم وُجود عوائق لِلبريد. أمَّا عهد نور الدين فقد امتدَّ على أطرافٍ شاسعةٍ من البلاد؛ مما جعله يولي الحمام اهتمامًا كبيرًا لِمعرفة أخبار المُسلمين في جميع الأنحاء، ولا سيَّما أنَّ الصليبيين احتلُّوا بعض ثُغُور المُسلمين والبُلدان فكانت مثل الحواجز لِلبريد، ففكَّر في تفعيل الحمام الزاجل وأنشأ لها الأوكار في سائر البلاد سنة 565هـ المُوافقة لِسنة 1169م. جعل نور الدين أعدادٌ من الحمام في قلاع المُدن وأبراج الحُصُون وأبراج الحراسة ومعها رجالٌ موكلون بها، فإذا بدأ خطر أو وقع حادث أسرع الرجال بِتطيير الرسائل بِواسطة الحمام، فتصل نور الدين فيُسرع بالاستعداد والخُروج لِنجدة البلاد المُستغيثة، أو يُرسل أوامره إلى عُمَّاله القريبين لِلخُروج وقتال المُعتدين.[179]

وصلات خارجيَّة

  • بوابة الإسلام
  • بوابة التاريخ الإسلامي
  • بوابة الدولة العباسية
  • بوابة الدولة السلجوقية
  • بوابة الشام
  • بوابة العراق
This article is issued from Wikipedia. The text is licensed under Creative Commons - Attribution - Sharealike. Additional terms may apply for the media files.