الدولة المملوكية

الدَّولَةُ المَملُوكِيَّةُ أو السَّلطَنَةُ المَملُوكِيَّةُ أو دَولَةُ المَمَالِيك أو سِلطَنَةُ المَمَالِيك هي إحدى الدُول الإسلاميَّة التي قامت في مصر خِلال أواخر العصر العبَّاسي الثالث، وامتدَّت حُدُودها لاحقًا لِتشمل الشَّام والحجاز، ودام مُلكُها مُنذُ سُقُوط الدولة الأيوبيَّة سنة 648هـ المُوافقة لِسنة 1250م، حتَّى بلغت الدولة العُثمانيَّة ذُروة قُوَّتها وضمَّ السُلطان سليم الأوَّل الديار الشَّاميَّة والمصريَّة إلى دولته بعد هزيمة المماليك في معركة الريدانيَّة سنة 923هـ المُوافقة لِسنة 1517م.

الدَّولَةُ المَملُوكِيَّةُ
دولة المماليك - سلطنة المماليك

 

 

1250  1517
راية المماليك
الدولة المملوكيَّة في أقصى اتساعها حوالي سنة 1279م

عاصمة القاهرة
نظام الحكم سلطنة انتخابيَّة
اللغة اللغة الرسميَّة: العربيَّة.
لُغات أُخرى: التُركيَّة والشركسيَّة والكُرديَّة والأرمنيَّة والسُريانية والقبطيَّة والعبرانيَّة والمغوليَّة.
الديانة الإسلام: غالبيَّة سُنيَّة وأقليَّة شيعيَّة اثنا عشريَّة وإسماعيليَّة
أقليَّات كُبرى وصُغرى: المسيحيَّة، واليهوديَّة والدُرزيَّة والصابئيَّة الحرَّانيَّة
السُلطان - قسيم أمير المُؤمنين
شجر الدُّر 1250م
عزُّ الدين أيبك
(أوَّل سلاطين البحريَّة)
1250 - 1257م
سيفُ الدين برقوق
(أوَّل سلاطين البُرجيَّة)
13821389م
طومان باي
(آخر السلاطين)
15161517م
الخليفة - أميرُ المُؤمنين
أحمد المستنصر بالله
(أوَّل الخُلفاء العبَّاسيين في القاهرة)
1261 - 1262م
مُحمَّد المُتوكِّل على الله
(آخر الخُلفاء العبَّاسيين)
1517م
التاريخ
التأسيس 1250
الزوال 1517
بيانات أخرى
العملة الدينار والدرهم

اليوم جزء من

يُقسم المُؤرخون الدولة المملوكيَّة إلى فرعين أو دولتين هُما: دولة المماليك البحريَّة ودولة المماليك البُرجيَّة. حكم المماليك البحريَّة من سنة 648هـ المُوافقة لِسنة 1250م إلى سنة 784هـ المُوافقة لِسنة 1382م، وكان أكثرهُم من التُرك والمغول.[ْ 1][ْ 2] وحكم المماليك البُرجيَّة من سنة 784هـ المُوافقة لِسنة 1382م إلى سنة 923هـ المُوافقة لِسنة 1517م، وكانوا من الشركس.[1][ْ 3] والمماليك أُصُولهم رقيقٌ مُحاربين، استقدمهم الخُلفاء العبَّاسيين الأوائل من تركستان والقوقاز وغيرها وجعلوهم حُرَّاسًا لهم وقادةً لِجُيُوش المُسلمين، وقد ازداد نُفُوذ المماليك بِمُرور الزمن حتَّى أصبحوا يُهيمنون على الخِلافة وعلى مركز صناعة القرار، مُستفيدين من ضِعف الخُلفاء وتراجُع نُفوذهم. وحذا السلاطين والأُمراء المُسلمين حُذو الخِلافة في بغداد، فكان لِكُلٍ منهم جماعةً من المماليك الأشدَّاء والكفوئين عسكريًّا، ومن هؤلاء السلاطين الأيُّوبيين الذين حكموا مصر والشَّام تحت الرَّاية العبَّاسيَّة. ولمَّا مات آخر سلاطين بني أيُّوب، وهو الملكُ الصَّالح نجمُ الدين أيُّوب، سنة 647هـ المُوافقة لِسنة 1249م، كتمت زوجته شجر الدُّر نبأ موته إلى أن حضر ابنه توران شاه من الجزيرة الفُراتيَّة إلى القاهرة. وحاول توران شاه أن يُقدِّم مماليكه الذين اصطحبهم معه من الجزيرة، فعيَّنهم في مناصب الدولة، فما كان من المماليك القُدماء في مصر إلَّا أن ائتمروا به وقتلوه، ثُمَّ نصَّبوا شجر الدُّر سُلطانة عليهم في سنة 1250م، وهي أوَّل امرأة وُلِّيت شُؤون المُسلمين.[1]

ظهر المماليك بِمظهر مُنقذي العالم الإسلامي من الضياع والزوال بعد سُقُوط بغداد عاصمة الدولة العبَّاسيَّة والخِلافة الإسلاميَّة في يد المغول بِقيادة هولاكو خان، ومقتل آخر خُلفاء بني العبَّاس أبو أحمد عبد الله المُستعصم بِالله. فقد سار المغول لِغزو الشَام وهدَّدوا مصر بِمصيرٍ مُشابه لِمصير بغداد كي لا تقوم لِلإسلام قائمة بعد ذلك، فأرسل سُلطانُ المماليك سيفُ الدين قُطُز جيشًا عرمرميًّا إلى فلسطين لِصدِّ التقدُّم المغولي وحماية قلب الديار الإسلاميَّة، فهزم المُسلمون المغول في معركة عين جالوت بِشمال فلسطين سنة 1260م، وردُّوهم على أعقابهم. أضف إلى ذلك، ورث المماليك عن الأيُّوبيين تصميمهم على مُحاربة الصليبيين وإجلائهم عن المشرق، لِذلك ما كادوا يفرغون من مُحاربة المغول حتَّى انصرفوا إلى مُحاربة الصليبيين.[1] كان الملكُ الظَّاهر بيبرس أوَّل من تابع مسيرة الجهاد ضدَّ الصليبيين، فهاجمهم بعد انتصاره على المغول، فصارت مُدنهم وقلاعهم تسقط واحدة بعد الأُخرى في يد المُسلمين، فقد استعاد بيبرس الكرك وقيسارية وصفد ويافا وجُبيل وعرقة ما بين سنتيّ 1263 و1266م، وفي سنة 1268م استعاد المُسلمون أنطاكية وزالت إمارتها الإفرنجيَّة من الوُجود. وجاء السُلطان سيفُ الدين قلاوون يُكمل عمل سلفه بيبرس، فاسترجع قلعة المرقب في سنة 1281م، وطرابُلس الشَّام والبترون في سنة 1289م. وتُوفي السُلطان قلاوون في سنة 1290م وهو يُهيِّء حملة لاسترجاع عكَّا، فقام بهذه المُهمَّة بعده ابنه الملك الأشرف صلاحُ الدين خليل واستولى على عكَّا سنة 1291م. وقد أثار سُقُوطها، وهي المرفأ الرئيسي لِلصليبيين، القلق والذُعر الشديدين في نُفُوسهم، فجلوا عن المُدن الأُخرى الباقية في أيديهم، مثل صُور وصيدا وبيروت، وركبوا البحر عائدين إلى بلادهم، لِتنتهي بِذلك الحُرُوب الصليبيَّة بعد أن استمرَّت مائة وأربعًا وتسعين سنة.[2] أعاد المماليك إحياء الخِلافة العبَّاسيَّة في مصر بعد سُقُوط بغداد، لكنها كانت خِلافة صوريَّة هدف السلاطين المماليك إلى جعلها سندًا لِسلطنتهم ودعمًا روحيًّا لها يجعلها مهيبة الجانب.[3]

يُعدُّ عهد المماليك بداية دور الانحطاط في تاريخ الحضارة الإسلاميَّة، ولكن ليس معنى ذلك أنَّ هذا العهد كان مُجدبًا تمامًا، إذ شهد عدَّة مُنجزات علميَّة وفكريَّة، وإنما بدأت الحضارة الإسلاميَّة في تلك الفترة تتراجع شيئًا فشيئًا. ففي حقل العلم كانت القاهرة ودمشق وحماة من أهم مراكز طب العُيُون في العالم، وقد أخرجت عددًا من الأطباء الأفذاذ الذين كانوا حُجَّة ومرجعًا في هذا العلم. أمَّا في الأدب والتاريخ والدين فقد ظهر عددٌ من أعظم الباحثين وأغزر المُؤلفين المُسلمين، مثل ابن خلِّكان صاحب كتاب «وفيَّات الأعيان» في السِّير، وأبي الفداء صاحب كتاب «تقويم البُلدان» في الجُغرافيا، والسُّيوطي وابن خلدون والمقريزي، وابن كثير صاحب كتاب «البداية والنهاية»، وهم من أشهر المُؤرخين المُسلمين. وقد اشتهر بعضُ سلاطين المماليك بِتشجيع العلم وتكريم العُلماء وبِإنفاق المال بِسخاء على تأسيس المدارس وإنشاء المكتبات، ومن تلك الصُرُوح العلميَّة: المدرسة الناصريَّة ومدرسة قايتباي في القاهرة، والمدرسة والمكتبة الظاهريَّة في دمشق،[1] والمدرسة القرطائيَّة في طرابُلس الشَّام.[4] أيضًا أصبح الجامع الأزهر في العهد المملوكي جامعةً كُبرى تُدرِّس بها مذاهب أهل السُنَّة والجماعة الأربعة إلى جانب العُلُوم الأُخرى. ساءت الحالة الاقتصاديَّة في الدولة المملوكيَّة خِلال أواخر العهد البُرجي بِسبب حالة القلق وعدم الاستقرار الناجمة عن الفتن الداخليَّة والانقلابات، وعن الحُرُوب الكثيرة التي شنَّها المماليك ضدَّ المغول والصليبيين وغيرهم، وبسبب توقُّف حركة التجارة مع أوروپَّا بِسبب مشاعر الخوف والكراهيَّة وعدم الثقة التي خلَّفتها الحُروب الصليبيَّة بين الأوروپيين والمُسلمين، وكذلك بِسبب انتشار المجاعة والأوبئة وخُصُوصًا وباء الطاعون الذي فتك في سنة 1348 - 1349م بِأكثر من مليون شخص، وأخيرًا بِسبب روح الطمع والأنانيَّة التي سيطرت على عددٍ كبيرٍ من سلاطين المماليك وجعلتهم يُوجهون سياسة الدولة الاقتصاديَّة وفقًا لِمصالحهم الشخصيَّة.[1] فكان ذلك من العوامل المُساعدة التي ساهمت بِتسريع سُقُوط الدولة في يد العُثمانيين، وتطلُّع الشعب في الشَّام ومصر إلى هؤلاء كمُنقذين.

تسمية الدولة

تسمية الدَّولة المملوكيَّة أو السلطنة المملوكيَّة تسمية تأريخيَّة حديثة نسبيّاً ابتكرها المُؤرخون المُعاصرون، ولم تك معروفةً في عصر المماليك، وإنما عُرفت هذه الدولة بِتسمياتٍ مُختلفةٍ في زمنها.[ْ 4] سمَّت المراجع العربيَّة المُعاصرة لِعهد المماليك البحريَّة هذه الدولة باسم «دولة الأتراك» أو «دولة التُرك» أو «الدولة التُركيَّة»،[ْ 5][ْ 6] وفي عهد المماليك البُرجيَّة سُميت الدولة باسم «دولة الجراكسة» أو «الدولة التُركيَّة الجركسيَّة»، على اعتبار أنَّ المماليك الشراكسة (الجراكسة) كانوا يتحدثون بِالتُركيَّة لأنهم تربّوا مُنذ استقدامهم لمصر في كنف المماليك التُرك.[ْ 7] من التسميات الأُخرى التي اعتمدها المُؤرخون المُسلمون قديماً أيضاً، وإن يك نادراً: «الدولة البحريَّة» و«الدولة البُرجيَّة»، في كُلِّ عهدٍ على حدة، وشاعت هذه التسميات في العصر الحالي لِلتمييز بين العهدين المملوكيين. عُرفت هذه الدولة كذلك باسم «الدولة المغوليَّة»، وذلك لِفترةٍ قصيرةٍ فقط من عُمرها، خِلال سلطنة العادل كتبغا لكونه مغولياً. أيضاً، عُرفت الدولة طيلة عهد السُلالة القلاوونيَّة (678 - 784هـ \ 1279 - 1382م) باسم «دولة بني قلاوون» أو «دولة قلاوون»، كما عُرفت قبل ذلك في عهد الظاهر بيبرس وابنيه السعيد ناصر الدين مُحمَّد والعادل بدر الدين سُلامش باسم «الدولة الظاهريَّة».

أُصول المماليك

نموذج عن سوق النخاسة، حيثُ كان المماليك يُباعون ويُشترون.

المملوك، جمعه مماليك، هو العبد الذي سُبي ولم يُملك أبواه، والعبدُ القن هو الذي مُلك هو وأبواه.[5] والمملوك عبدٌ يُباع ويُشترى.[6] ولم تلبث التسمية أن اتخذت مدلولًا اصطلاحيًّا خاصًّا في التاريخ الإسلامي، إذ اقتصرت، مُنذُ عهد الخليفة العبَّاسي أبو العبَّاس عبدُ الله المأمون (198 - 218هـ \ 813 - 833م)، ثُمَّ أبو إسحٰق مُحمَّد المُعتصم بِالله (218 - 227هـ \ 833 - 842م) على فئة من الرقيق الأبيض، كان الخُلفاء وكبار القادة والوُلاة في دولة الخِلافة العبَّاسيَّة، يشترونهم من أسواق النخاسة البيضاء لاستخدامهم كفرقٍ عسكريَّةٍ خاصَّة، بِهدف الاعتماد عليهم في تدعيم نُفوذهم. وأضحى المملوك، مع مُرُور الوقت، الأداة العسكريَّة الوحيدة في بعض الدُول الإسلاميَّة. وكان مصدرهم، آنذاك، بلاد ما وراء النهر. واشتهرت مُدن سمرقند وفرغانة وأشروسنة، والشَّاش وخوارزم، بِأنها المصادر الرئيسيَّة لِتصدير الرقيق الأبيض ذوي الأُصُول التُركيَّة، وتمَّ ذلك بِإحدى الطُرق الثلاث: الشراء أو الأسر في الحُرُوب أو الهدايا التي كان يُؤديها وُلاة أقاليم بلاد ما وراء النهر على شكل رقيق إلى الخليفة.[7] ويبدو أنَّ الخليفة المُعتصم هو أوَّل خليفة اعتمد، بشكلٍ أساسيٍّ، على العُنصر التُركي، نظرًا لِمقدرتهم القتاليَّة المُميزة، حتَّى أضحى الحرس التُركي يِمثِّلُ دعامةً من دعائم الخِلافة أيَّام حُكمه، فاقتناهم مُنذُ أن كان أميرًا. فكان يُرسلُ سنويًّا من يشتري له منهم، حتَّى اجتمع لهُ في أيَّام المأمون زهاء ثلاثة آلاف.[8] ثُمَّ تولَّى الخِلافة في ظل ظُروفٍ من الصراع العنيف بين العرب من ناحية والفُرس من ناحيةٍ أُخرى بِالإضافة إلى اختلالٍ في التوازنات بين العناصر التي تكوَّنت منها دولة الخِلافة العبَّاسيَّة. فلم يثق المُعتصم بِالفُرس نظرًا لِسُوء العلاقة بينهم وبين بني العبَّاس مُنذُ انتقال المأمون من مرُّو إلى بغداد واستحالة التوفيق بين مصالح الطرفين، ولم يثق بِالعرب أيضًا نظرًا لِكثرة تقلُّبهم واضطرابهم وقيامهم ضدَّ الخُلفاء، بِالإضافة إلى أنَّ هؤلاء فقدوا كثيرًا من مُقوِّمات قُوَّتهم العسكريَّة والسياسيَّة في ذلك الوقت. حملت هذه المُعطيات، الخليفة المُعتصم على أن يُوكِّل أمر سلامته الشخصيَّة إلى فرقة من العُنصُر التُركي، فاستكثر من شراء التُرك بِهدف الحد من النُفُوذين العربي والفارسي، حتَّى بلغت عدَّتهم ثمانية آلاف مملوك، وقيل ثمانية عشر ألفًا.[9] وخصَّهم بِالنُفُوذ، وقلَّدهم قيادة الجُيُوش، ومكَّنهم في الأرض، وجعل لهم مركزًا مُتفوقًا في مجال السياسة. وسُرعان ما نمت قُوَّتهم، فأخذوا يتدخَّلون في شُؤون الخِلافة، حتَّى أمست دولة الخِلافة العبَّاسيَّة في أيديهم، يفعلون ما يُريدون، يعزلون خليفة ويُولُّون آخر، حتَّى أنَّ بعض الخُلفاء قُتلوا نتيجة مُؤامراتهم.[10] وأضحى العُنصر التُركي رُكنًا هامًّا في المُجتمع الإسلامي مُنذُ العصر العبَّاسي الثاني (232 - 334 هـ \ 847 - 946م)، فقامت الدُويلات المُستقلَّة ذات الأُصُول التُركيَّة والفارسيَّة في كنف دولة الخِلافة العبَّاسيَّة بعد أن دبَّ فيها الضُعف، وغدا التُرك وسيلة الخُلفاء لِلقضاء على هذه الحركات الاستقلاليَّة، خاصَّةً عُمَّال ووُلاة الأطراف الذين استقلُّوا بِولاياتهم.[10]

المماليك في مصر

رسم جداري لِلخليفة الفاطمي الحاكم بِأمر الله، الذي مال إلى الاعتماد على المماليك الزُنُوج خِلال فترة حُكمه.

يرجعُ استخدام المماليك في جيش ولاية مصر إلى العهد الطولوني، عندما عيَّن الخليفة العبَّاسي أبو العبَّاس أحمد المُعتمد على الله أحمد بن طولون، التُركيّ الأصل، واليًا على الديار المصريَّة في سنة 263هـ المُوافقة لِسنة 877م، فطمع هذا بالاستقلال بها بعد أن أضحت جميع أعمالها الإداريَّة والقضائيَّة والعسكريَّة والماليَّة بِيده.[11] وحتَّى يُحقق أحمد بن طولون رغبته بِالاستقلال في حُكم مصر؛ رأى أن يدعم سُلطته بِجيشٍ مملوكيٍّ من التُرك من بني جنسه بِالإضافة إلى العُنصر الديلمي، وقد بلغ تعداد هذا الجيش ما يزيد عن أربعةٍ وعشرين ألف غُلامٍ تُركيٍّ.[12][13] ومُنذُ ذلك الوقت، أضحى جُندُ مصر ووُلاتها من المماليك التُرك، ولمَّا توسَّعت حُدود الدولة الطولونيَّة لِتشمل الشَّام، أضحى حالُ جُند الشَّام كحال جُند مصر.[ْ 8] وقد نهجت الدولة الإخشيديَّة، التي خلفت الدولة الطولونيَّة في حُكم مصر، نهج هذه الدولة الأخيرة في الاعتماد على المماليك. وقد بلغ تعداد مماليك مُحمَّد بن طُغج الإخشيد، مُؤسس الدولة الإخشيديَّة، نحو ثمانية آلاف مملوكٍ من التُرك والديلم، وقيل أنَّهُ كان ينام بِحراسة ألف مملوك.[14] ولمَّا استولى الفاطميُّون على مصر في سنة 358هـ المُوافقة لِسنة 969م، اعتمد خُلفائهم الأوائل، مُنذُ أيَّام أبي تميم معدّ المُعز لِدين الله على عدَّة عناصر تُركيَّة وزنجيَّة وبربريَّة وصقلبيَّة. واستخدم الخليفة الفاطمي أبو منصور نزار العزيز بِالله التُرك في الوظائف العامَّة والقياديَّة في الدولة، وفضَّلهم على غيرهم من العرقيَّات الأُخرى، فولَّى مملوكه «منجوتكين» التُركي قيادة الجيش، كما ولَّاه الشَّام.[15] وكان نُفُوذُ المماليك التُرك يتزايد أو يتناقص وفق توجُّه كُل خليفةٍ فاطميٍّ على حدى، ففي عهد أبو عليّ المنصور الحاكم بِأمر الله تراجع نُفوذهم لِحساب الزُنج، ثُمَّ نشطوا مرَّة أُخرى في عهد الخليفة أبو الحسن عليّ الظاهر لِإعزاز دين الله الذي جعل قيادة الجُيُوش في يد المملوك التُركيّ الأصل منصور أنوشتكين. وقد ولَّاه الظاهر دمشق في سنة 419هـ المُوافقة لِسنة 1028م.[15] واهتمَّ الفاطميُّون بِتربية صغار مماليكهم وفق نظامٍ خاص، وهم أوَّل من وضع نظامًا منهجيًّا في تربية المماليك في مصر.[16] وفي سنة 567هـ المُوافقة لِسنة 1171م، سقطت الدولة الفاطميَّة في مصر وقامت الدولة الأيُّوبيَّة على أنقاضها، لِتفتح صفحة جديدة في تاريخ الشرق الأدنى والمماليك معًا.

رسمٌ لِلملك الناصر صلاحُ الدين الأيُّوبي، الذي اعتمد على المماليك اعتمادًا كبيرًا في حُروبه لِتوحيد المُسلمين والقضاء على الصليبيين.

وكان الأيُّوبيين - الأكراد أصلًا - قد تربُّوا ونمت سُلالتهم في أحضان الدولة السُلجُوقيَّة التُركيَّة ومماليكها، فنقلوا عنها الكثير من عاداتها وأنظمتها التُركيَّة المشرقيَّة.[17] وكان الأيُّوبيين يُربُّون مماليكهم على أساس النظام الإسلامي المملوكي - الساماني الذي وضعهُ الوزير السُلجُوقي نظام المُلك وفصَّلهُ في كتابه «سياسة نامه»، ثُمَّ يتم إدخالهم في خدمة القُصُور السُلطانيَّة والدوائر الحُكُوميَّة.[17] ولمَّا توجَّه القائد أسدُ الدين شيركوه إلى مصر لِنُصرة آخر الخُلفاء الفاطميين أبو مُحمَّد عبدُ الله العاضد لِدين الله ولِلحيلولة دون احتلال البلاد من قِبل الصليبيين، كان غالبيَّة جيشه يتألَّف من المماليك التُرك القفجاق الذين سُمُّوا بـ«المماليك الأسديَّة» نسبةً له، أي أسدُ الدين.[18] بعد وفاة أسد الدين، وقفت المماليك الأسديَّة إلى جانب ابن أخيه صلاحُ الدين وناصروه حتَّى تولَّى الوزارة في مصر،[19] وأنشأ هذا الأخير لِنفسه جيشًا خاصًا عماده المماليك الأسديَّة والأحرار الأكراد، بِالإضافة إلى المماليك التُرك الذين اشتراهم لِنفسه وسمَّاهم «الصلاحيَّة» أو «الناصريَّة»، كما كان لِأخيه العادل أبي بكر طائفةٌ من المماليك سمَّاهم «العادليَّة».[20]

اشتركت فئات المماليك الأسديَّة والصلاحيَّة والعادليَّة في مُختلف المعارك التي خاضها صلاحُ الدين ضدَّ الأُمراء المُسلمين بِهدف تحقيق الوحدة الإسلاميَّة وضدَّ الصليبيين بِهدف طردهم من ديار الإسلام. والواقع أنَّ المماليك بلغوا في هذه المرحلة مبلغًا من القُوَّة، ممَّا دفع صلاح الدين إلى استشارتهم والنُزُول عند إرادتهم في كثيرٍ من الأحيان. وازداد عددهم في مصر والشَّام بعد وفاة صلاح الدين في سنة 589هـ المُوافقة لِسنة 1193م بِشكلٍ مُلفت، وبرزوا على أثر اشتداد التنافس والصراع بين ورثته من أبنائه وإخوته وأبناء إخوته الذين اقتسموا فيما بينهم الإرث الأيُّوبي.[21] ومع تنامي قُوَّة المماليك نتيجة كثرة اعتماد الأُمراء الأيُّوبيين عليهم، أخذوا يتدخَّلون في خلع هؤلاء الأُمراء والسلاطين وفي تنصيبهم.

السياسة والإدارة

رسمٌ مُعنون: وزيرُ سُلطان مصر.

السلطنة

تزعَّم دولة المماليك سُلطانٌ لم يتولَّ الحُكم نتيجةً لِحقٍ شرعيٍّ موروث، وإنما رشَّحتهُ قُوَّته ومواهبه وكثرة مماليكه لِتولِّي ذلك المنصب. فإذا تُوفي السُلطانُ القائم أُتيحت الفُرصة لِأقوى الأُمراء أن يخلفه في الحُكم. ورُبما رأى ذلك الأمير أنَّ الظُرُوف غير مُواتية وأنَّ هُناك من زُملائه الأُمراء من يُنافسه، فيلجأ في تلك الحالة إلى تعيين ابن السُلطان المُتوفى مكان أبيه، لا اعتقادًا من المماليك في أحقيَّة ذلك الابن، ولكن كحلٍّ مُؤقت حتَّى يتجلَّى الموقف، وعندئذٍ يسهل على أقوى الأُمراء عزله واعتلاء عرش السلطنة بدله. ومع أنَّ سُلطان المماليك تمتَّع بِنُفُوذٍ واسعٍ في الدولة، وبخاصَّةً فيما يتعلَّق بِبعض الأُمراء وملأ المناصب الكُبرى في الدولة، وتوزيع الإقطاعات، إلَّا أنَّهُ لم يستغنِ في أحوالٍ كثيرةٍ عن استشارة كِبار رجال الدولة في مهام الأُمُور، وبِخاصَّةً في المسائل المُتعلِّقة بِشن الحرب أو عقد السِّلم. ولِذلك وُجد في عصر المماليك مجلس المشورة الذي كان يُعقد بِرآسة السُلطان أو من يقوم بِالوصاية عليه، وعُضويَّة أتابك العسكر والخليفة العبَّاسي والوزير وقُضاة المذاهب الأربعة وأُمراء المئين وعددهم أربعة وعشرين أميرًا. هذا مع مُلاحظة أنَّ السُلطان لم يكن مُلزمًا بِدعوة مجلس المشورة أو الأخذ بِرأيه، وإنما تُرك ذلك لِرغبة السُلطان ومشيئته.[184][185] وقد وُجد إلى جانب سُلطان المماليك عددٌ من كِبار المُوظفين، مُهمتهم مُساعدته في شُؤون الحُكم والإدارة. وعلى رأس هؤلاء المُوظفين الكِبار: نُوَّابُ السلطنة؛ والأتابك، وهو القائد العام لِلجيش المملوكي، وقد أتاحت لهُ وظيفته التمتُّع بِنُفُوذٍ كبيرٍ في الدولة؛ والوزير الذي تضاءلت وظيفته في عصر المماليك نتيجةً لِوُجُود نائب السلطنة، بِحيثُ لم تتعدَّ اختصاصاته تنفيذ تعليمات السُلطان ونائب السلطنة والإشراف على شُؤون الدولة الماليَّة. أمَّا الإدارة المحليَّة في المُدن والأقاليم فقد تولَّى الإشراف عليها عددٌ كبيرٌ من الوُلاة اختيروا دائمًا من بين الأُمراء.[186] بِالإضافة إلى الشؤون السياسيَّة والإداريَّة، كانت إحدى مهام السُلطان المملوكي تتمثل في كسوة الكعبة وتعيين أمير الحج لِلإشراف على راحة وسلامة الحُجَّاج. وأوَّل من كسى الكعبة من سلاطين المماليك كان شجر الدُّر، التي أخذت معها كسوة الكعبة أثناء سفرها لِلحج، وسار على نهجها من تلاها من السلاطين.[ْ 23]

الخِلافة الإسلاميَّة

رُغم أنَّ المماليك أعادوا إحياء الخِلافة الإسلاميَّة بعد سُقُوط خِلافة بغداد، ونقلوا مقر الخليفة إلى القاهرة، إلَّا أنَّ نظام الخلافة كان في هذا العصر مُصطنعًا إلى حدٍ كبيرٍ، إذ كان الخليفة العبَّاسي يُفوِّضُ السُلطان المملوكي في كافَّة أُمُور الحُكم كالولاية والعزل، وتجهيز الجيش، وإعلان الحرب، وإقطاع الإقطاعيَّات وغيرها من الأُمور التي تتصل بِالسُلطة التنفيذيَّة بحيث كان الخليفة العبَّاسي نفسُه يقع في دائرة هذه السُلطة، فلا أمرٌ له ولا نهي ولا نُفُوذ.[187][188] ومن الأحداث الشهيرة التي تدُلُّ على ذلك، أنَّ أحد الأُمراء المماليك عندما قرأ العهد الذي منحهُ الخليفة أبو الربيع سُليمان المُستكفي بِالله لِلسُلطان بيبرس الجاشنكير ووجد أوَّلهُ: «إِنَّهُ مِن سُلَيمَان وَإِنَّهُ » ردَّ على الفور قائلًا: «وَلِسُلَيمَانِ الرِّيح!!».[189] فلم يكن لِلخليفة العبَّاسي في العصر المملوكي إلَّا سُلطة دينيَّة إسميَّة، ولم يكن له نصيبٌ سوى الدُعاء له على المنابر، وأن يحمل لقب أمير المُؤمنين. ومن مظاهر ضعف الخِلافة العبَّاسيَّة في القاهرة أنَّ الخليفة الذي كان يتحصَّن تجاه السُلطان المملوكي بِسلاح التفويض، لم تكن لهُ سُلطة تعيين نفسه، ولكي يُعيَّن كان عليه أن يحظى بِمُبايعة السُلطان وقُضاة المذاهب الأربعة. من هُنا كان باستطاعة السُلطان أن يعزل الخليفة، بعد استشارةٍ شكليَّةٍ لِلقُضاة الأربعة، وفي هذه الحالة قد يُسجن الخليفة في القلعة، أو يُنفى إلى مدينة قوص بِأقصى الصعيد، كما حصل مع الكثير من خُلفاء بني العبَّاس في القاهرة، وأبرزهم الخليفة المُستكفي بِالله سالِف الذِكر. وكان يتم اختيار الخليفة عادةً في مجلسٍ يضُمُّ السُلطان والقُضاة والأُمراء، ويصحب اعتلاء كُل خليفة منصبه عدَّة مظاهر غايةً في الأُبَّهة والعظمة: من فحص نسبه، وتقليد السُلطان لهُ أمر الخِلافة بِالديار المصريَّة، وأخذ البيعة لهُ من القُضاة والأُمراء وسائر النَّاس. ويُلاحظ أيضًا أنَّ الخِلافة في مصر أصبحت في ذلك العصر منحة يمنحها السُلطان لمن شاء ويصرفها عمَّن يشاء، وذلك لِعدم وُجود ثوابت لِتولية الخُلفاء العبَّاسيين في مصر. فكان أغلبهم يعهد بِالخِلافة لابنه من بعده، ثُمَّ لا يقوم السُلطان بتنفيذ ذلك في أغلب الأحيان، بل يُعيِّن ابن عم الخليفة أو أخًا له بدلًا من الابن. كما كان الأُمراء أنفُسهم يتدخلون في تعيين الخليفة بحال كان السُلطان ضعيفًا.[190]

نيابة السلطنة

خريطة الدولة المملوكيَّة تظهر فيها نيابات السلطنة في الشَّام.

وصف القلقشندي نائب السلطنة في العصر المملوكي بِأنَّهُ كان «سُلطانًا مُختصرًا، بل هُو السُلطانُ الثاني»،[191] أمَّا مُهمَّة نائب السلطنة فكانت مُساعدة السُلطان أثناء حُضوره، والقيام بِمهامه ومسؤوليَّاته أثناء غيابه. بل كان يُمكن لِنائب السلطنة أن يكون سُلطانًا آخر ـ بِالفعل دون الاسم ـ في حُضور السُلطان إذا فوضَّهُ الأخير بِتصريف شُؤون الدولة دون الرُّجوع إليه، أو إذا كان السُلطان صغير السن لا قُدرة له على القيام بِأعباء السلطنة، فتُلقى تبعتها على نائب السلطنة بِتفويضٍ منه.[192] وكان أبرز نُوَّابُ السلطنة هو نائبُ الحضرة أو النائبُ الكافل وهو مُساعد السُلطان الأيمن في تصريف شُؤون الدولة، ويشترك معهُ في توزيع الإقطاعات ومنح ألقاب الإمارة، ويُقيمُ إلى جانبه في القاهرة. وإذا كان هذا النائب ينوب عن السُلطان في حُضُوره صار لقبه «نائب الحضرة»، أمَّا إذا كان لا يجوز لهُ أن ينوب عن السُلطان إلَّا في غيبته، فيكون لقبه «نائبُ الغيبة» وهو أقل درجة من الأوَّل. وقد وُجد لِلسُلطان نُوَّابٌ في أقاليم الدولة المُختلفة، ففي البلاد الشاميَّة كان هُناك نُوَّابٌ لِلسلطنة في كُلٍ من دمشق وحلب وطرابُلس وحماة وصفد والكرك. وأعلى هؤلاء درجةً هو نائب دمشق الذي أُطلق عليه «نائبُ الشَّام».[184][193] وهُناك مدينةٌ واحدةٌ في مصر - وهي مدينة الإسكندريَّة - عُيِّن لها نائبُ سلطنة سنة 767هـ المُوافقة لِسنة 1365م. ويبدو أنَّ الخطر الصليبي الذي تمثَّل في حملة بُطرس الأوَّل ملك قبرص على الإسكندريَّة في تلك السنة كان لهُ أثرٌ في ذلك الإجراء الإداري. وفي عصر دولة المماليك الشراكسة وُجد نائبٌ لِكُلٍ من الوجهين البحري والقِبلي مُهمَّته الإشراف على جميع الوُلاة والعُمَّال الذين يقومون بِإدارة شؤون الوجه التابع له.[194]

القضاء

رسم من سنة 1334م يُظهر رجلاً في حضرة قاضي مَعَرَّة النُّعْمَان.

بقيام السلطنة المملوكيَّة استمر المذهب الشافعي كمذهبٍ لِقاضي القُضاة كما هو أيام الأيوبيين، إلى أن جرى أهم تطوُّرٍ في النظام القضائي على يد السُلطان الظاهر بيبرس سنة 663هـ المُوافقة لِسنة 1265م الذي قام بِتحريم أي مذهبٍ عدا المذاهب الأربعة لأهل السنَّة والجماعة (الحنفيَّة، والمالكيَّة، والشافعيَّة، والحنبليَّة)، ذلك أنهُ بعدما تقلَّد ابن بنت الأعز الشافعي منصب قاضي قضُاة مصر سنة 1261م، تأخر البت في القضايا بسبب اختلاف المذاهب مما اضطرَّ قاضي القضاة للتوقف كثيراً في الأحكام التي تُخالفُ المذهب الشافعي، وتُوافق سواه من المذاهب حتى يستفتي فقهاءَها وعلماءَها، فأشار الأمير جمال الدين أيد غدي العزيزي على الظاهر بيبرس بِأن يُولِّي من كُل مذهبٍ قاضياً مُستقلاً يحكم بمُقتضى مذهبه،[195] فأجابه إلى ذلك في اجتماعٍ بدار العدل يوم الاثنين 22 ذي الحجة سنة 663هـ حيثُ قضى رأي السُلطان بتعيين قاضي قُضاةٍ لكل مذهبٍ من المذاهب الأربعة،[195] مع بقاء الرئاسة لقاضي الشافعيَّة، وأضحى لاتُقبل شهادة أحدٍ ولايُرشَّح لوظائف القضاء أو الخَطابة أو الإمارة أو التدريس إلّا إذا كان من أتباع أحد هذه المذاهب. وسنة 664هـ المُوافقة لِسنة 1266م حذت دمشق حذو القاهرة وأصبح لِكُل مذهبٍ قاضي قُضاةٍ، ثم غدا في كل نيابةٍ من نيابات الشام أربعةُ قُضاةٍ يُمثلون المذاهب الأربعة.[196] واضطرَّ المماليك لِلتهديد باستعمال القوَّة العسكريَّة للقضاء على المذاهب الأخرى، وخاصَّةً رواسب المذهب الإسماعيلي الفاطمي.[197] ولاريب أن لموقف الحشاشين المعادي للنظام والمتعاون مع الصليبيين والمغول دوراً في هذا (وكانت فرقةً سريةً على المذهب الإسماعيلي قامت على اغتيال الساسة والكبراء أواخر العصر العباسي والعصرين الأيوبي والمملوكي، وقضى عليها الظاهر بيبرس).

قام القُضاة في العصر المملوكي بِدورٍ هامٍ في المُجتمع إذ امتدت اختصاصاتهم إلى مُختلف أنواع القضايا المدنيَّة والجنائيَّة، وكانت جلسات المحاكم تُعقد في دُور القضاء، فإن لم تُوجد فإنها تُعقد عادةً في المساجد. كما وُجدت محكمةٌ عُليا تُعقد في دار العدل بِرئاسة السُلطان عُرفت باسم «محكمة المظالم» مُهمتها النظر في القضايا التي اختصَّ السُلطان بِالنظر فيها مُباشرةً أو التي يستأنفها أصحابها أمام السُلطان بعدما يحكم فيها القضاء العادي، أو تلك التي تنشأ بين الحُكَّام والمحكومين. أمَّا رجال الجيش فكان لهم «قُضاةُ العسكر»؛ وهُم مُختصُّون بِشُؤون الجُند وليس لهم ولايةٌ على غيرهم، كما كانوا يفصلون في القضايا الناشبة بين العسكر والمدنيين، وقد جرت العادة أن يصحب قُضاةُ العسكر السُلطانَ في أسفاره.[198] «إن النظر في القضاء كان دوماً موضع رعايةٍ خاصةٍ في الإسلام، وكان يغلب على أصحابه ابتعادهم عن الأهواء التي تَعْتَوِرُ الإدارة المحلية»،[199] ومضى الإجراء المتبع في الدولة الإسلامية أن الحاكم العام (الخليفة أو السلطان أو الملك) هو من يعين كبار رجال القضاء ولم يخالفِ المماليكُ هذه السنّة، وكان في هذا حصانةٌ للقضاء ورجاله من الخضوع للتأثيرات المختلفة.[199]

البريد

خُطُوط الحمام الزاجل في عصر المماليك انطلاقًا من المركز في قلعة الجبل بِالقاهرة: * القاهرة - الإسكندريَّة
* القاهرة - دُمياط
* القاهرة - الوجه البحري
* القاهرة - دمشق عن طريق بُلبيس - غزَّة - بيت المقدس
* دمشق - برثة
* دمشق - بعلبك
* دمشق - صيدا
* دمشق - صيدا - بيروت - طرابُلس
* برثة - بيروت - طرابُلس - قيصريَّة
* حلب - الرحبة
* غزَّة - الكرك

تطلَّب تحصين الأطراف والثُغُور إيجاد وسيلة نقل سريعة لِربط قلعة القاهرة بِسائر أنحاء البلاد بِهدف تلقِّي الأخبار وإصدار الأوامر. وكان أوَّل من تنبَّه إلى ذلك هو الظاهر بيبرس، فوضع نظامًا خاصًا لِلبريد لِما لهُ من منفعة، وربط بِواسطته جميع أنحاء البلاد التي يحكُمها بِشبكةٍ من خُطُوط البريد البريَّة والجويَّة، وكان مركز هذه الشبكة هو قلعة الجبل في القاهرة. وتتفرَّع من المركز أربعة فُرُوع هي: فرعٌ يتجه جنوبًا إلى قوص بِالوجه القبلي وما يلي ذلك من النوبة، وفرعٌ يتجه شرقًا إلى عيذاب وسواكن على بحر القلزم (البحر الأحمر)، وفرعٌ يتجه غربًا إلى الإسكندريَّة وبرقة، وفرعٌ يتجه شمالًا إلى دُمياط ومنها إلى غزَّة ثُمَّ يتفرَّع منها إلى سائر الشَّام.[200] واقتصر عمل البريد على إيصال الأوامر السُلطانيَّة إلى كافة النيابات في مصر والشَّام، واستقبال الرسائل من حُكَّام النيابات، واستقبال التقارير من وُلاة الأعمال. وأُقيمت المحطَّات البريديَّة على مسافاتٍ تبعُدُ إحداها عن الأُخرى اثني عشر ميلًا ورُبما تفاوتت المسافات بين بعضها البعض بِفعل وُجُود ماءٍ أو قرية. وزُوِّدت بما يحتاج إليه ناقلُ الخبر من زادٍ وخيلٍ وعلفٍ، كما روعي في اختيار أماكنها توفُّر المياه أو وُجود قريةٍ قريبةٍ كي يستأنس البريديُّون بِسُكَّانها.[200] كان لِقُرب هذه المحطَّات بعضها من بعض أثرٌ كبيرٌ في تسهيل مُهمَّة الرُسل على اجتياز المسافات بِسُرعةٍ فائقةٍ. فإذا وصل ناقلُ الخبر إلى محطَّة، بدَّل فرسه المُتعب بِآخر مُستريح، وتزوَّد بما يحتاج إليه. وأضحى البريدي يقطع المسافة من دمشق إلى القاهرة في مُدَّة ثلاثة أيَّام والعكس صحيح.[201] وكان يُشرف على البريد صاحب ديوان الإنشاء أو كاتب السر، كما أضحى يُسمَّى مُنذُ أيَّام قلاوون. لم يقتصر إرسال البريد بِالطُرُق البريَّة، بل استُخدم البريد الجوِّي، في الحلات المُستعجلة بِواسطة الحمام الزاجل، وخُصِّص لهُ برَّاجون يعتنون به ويُدرِّبونه.[200] كانت قلعة الجبل بِالقاهرة المركز الرئيسي لِأبراج الحمام الزاجل، كما أُقيمت محطَّات أُخرى في جهاتٍ مُختلفةٍ من أنحاء السلطنة تمامًا مثل محطَّات البريد البرِّي، لكن تزيد عليها في المسافة، وخُصِّص لِكُلِّ محطةٍ عدد من الحمام. فإذا نزل الحمام في محطَّةٍ منها، نقل البرَّاج الرسالة التي يحملها الطائر إلى طائرٍ آخر لِيُوصلها إلى المحطَّة التي تليها. وكان الحمام يقطع المسافة بين المحطَّة والتي تليها، وهي سبعة أميال تقريبًا، في ثُلث الوقت الذي تقطعها فيه الخيل.[200]

الدواوين

اعتمد الجهاز الإداري الضخم لِلدولة المملوكيَّة على مجموعةٍ من الدواوين الكبيرة التي ضمَّت عددًا ضخمًا من المُوظفين لِإدارة مرافق الدولة المُتنوعة. وأهم هذه الدواوين هي:

  • ديوانُ الجيش: ومُهمَّته الإشراف على طوائف الجُند، وتوزيع الإقطاعات عليهم.
  • ديوانُ الإنشاء: ومُهمَّته تلقِّي الرسائل المُختلفة التي ترد إلى السُلطان وإبلاغها إليه وإعداد الرُدُود عليها، وكانت تتبع هذا الديوان إدارة البريد، وهي إدارةٌ ضخمةٌ في عصر المماليك توَّلت شُؤون البريد البرِّي والجوِّي.[200]
  • ديوان الأحباس: أي الأوقاف؛ ويقوم صاحبه بِرعاية شُؤون المُؤسسات الدينيَّة والخيريَّة من مساجد ومدارس وزوايا. كما يُشرف على الأراضي والعقارات المحبوس عليها.
  • ديوان النظر: وقد اختصَّ بِمُراقبة حسابات الدولة، والإشراف على إيراداتها ومصروفاتها وما يتبع ذلك من القيام بِصرف مُرتَّبات المُوظفين. وكان جانبٌ من هذه المُرتَّبات يُصرف نقدًا في حين صُرف الجانب الآخر عينًا من غلَّاتٍ ولُحُومٍ وتوابل وسُكَّر وشمع وغيرها من الحاجيَّات والأرزاق.[202]

الحياة العلميَّة والفكريَّة

طبعة حديثة لِمُؤلَّف البداية والنهاية لِابن كثير.

خُصّ عهد الناصر محمد بن قلاوون (حكم1292-1340م) بلقب «عصر الموسوعات» لظهور موسوعة «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» (كتاب في الجغرافية والتاريخ والأدب وعلم الاجتماع والطبيعيات) لرئيس ديوان الإنشاء شهاب الدين أحمد بن فضل الله العمري (700-749هـ/01-1349م)، وموسوعة «نهاية الأرب في فنون الأدب» (كتاب فلك وجغرافية وطبيعيات وتاريخ واجتماع وأدب وسياسة في 32 جزءاً) لشهاب الدين النويري (1279-1333)، وبعدهما بقليلٍ موسوعة «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» للقلقشندي (756-821هـ/1355-1418م)، ولكن يصلح إطلاق لقب العصر الموسوعي على مجمل العصر المملوكي لشيوع التأليف الموسوعي بحفْزٍ من حيوية المجتمع المسلم لجمع التراث العربي الإسلامي وحفظه من الاندثار بعد الضياع الكبير الذي لحقه بسبب الغزو المغولي، فشاع نمط الكتابة الموسوعية؛ كما عند جمال الدين ابن منظور (630-711هـ/1232-1310م) في معجمه اللغوي الجامع «لسان العرب» الذي قال عنه الزركلي: «جمع فيه أمهات كتب اللغة، فكاد يغني عنها جميعاً»، وعند ابن النفيس (10-1288م) في موسوعته الطبية الصيدلانية «الشامل في الطب»، التي أمضى بتأليفها أكثر من ثلاثين سنةً، وترك منها ثمانين جزءاً. ذكر أنه خطط لها أن تكون في ثلاثمئة جزءٍ، ومازالت بعض أجزائها بخطه محفوظةً في البيمارستان المنصوري بالقاهرة تعود لسنة 641هـ، وعند الدميري (1341-1405م) في «حياة الحيوان الكبرى»، وفي العلوم الشرعية ثمة الكمال بن الهمام (790-861هـ/1456) الفقيه الأصولي المجتهد (مجتهد مذهب) الذي بلغ في المذهب الحنفي درجة الترجيح (من رجال الطبقة الثانية في المذهب)، فسادت كتبه حتى النصف الأول من القرن 19م (مع تأليف «حاشية ابن عابدين») وكان لأقواله الفصل في المذهب، والإمام جلال الدين السيوطي (850-911هـ/1445-1505م) بغزارة تآليفه واستيعابها وإحاطتها، وابن هشام الأنصاري (708-761هـ/09-1360م) الذي يُعدّ إحدى قمم علماء العربية على مدى العصور. على أن القرن التاسع الهجري المُوافق للقرن الخامس عشر الميلادي شهد عموماً بعد جائحة تيمور الأعرج تواضعاً في السوية العلمية قياساً بالقرنين السابقين عليه، فشاعت المختصرات والتعليقات، وحتى ظهرت الانتحالات وهو ما كان غريباً دوماً على الحضارة الإسلامية.

أسطرلاب يرجع لِلعصر المملوكي، مُخصص لِدراسة الفلك. يُحتفظ به في متحف «سان مارتينو» بِمدينة ناپولي.

اهْتَمَّ المَماليكُ بِالعِلْمِ، فَكان لِلْعُلَماءِ في عَهْدِهِمْ مَكانَةٌ كَبيرَةٌ، فأَكثَرَ سلاطينُ المماليك من بناء المدارس والجوامع والرُّبَط، فأَنْشَأْ الْظاهِرُ بيبَرْس المَدْرَسَةَ الظاهِرِيَة الواقعة شرقي قلعة دمشق، وَأَنْشَأْ الناصِر مُحَمَّد المَدْرَسَةَ الناصِرِيَةَ، وابنه السلطان حسن مسجد ومدرسة السلطان الناصر حسن أكبر بناءٍ مدرسيٍّ في العالم (7900م²) في القاهرة، وزخر العصر المملوكي بعددٍ كبيرٍ من مشاهير العلماء الذين أثروا الحركة العلمية،[254] مثل الحافظ محي الدين أبي زكريا يحيى بن شرف النووي صاحب كتاب رياض الصالحين في الحديث، والذي شرح صحيح مسلم (شرح صحيح مسلم للنووي)، وجمع وحرر أحكام المذهب الشافعي، والعز بن عبد السلام العالم الفقيه المعروف الملقب بـ«سلطان العلماء»، وشيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الفقيه المعروف صاحب الفتوى الحموية، وابن قيم الجوزية صاحب زاد المعاد في هدي خير العباد، والقاضي والفقيه ابن دقيق العيد، والحافظ المزي صاحب تهذيب الكمال، وابن حجر العسقلاني أمير المؤمنين في الحديث صاحب فتح الباري في شرح صحيح البخاري، وشمس الدين الذهبي الحافظ والمؤرخ صاحب سير أعلام النبلاء، وشيخ الإسلام بدر الدين أبو عبد الله محمد بن جماعة الذي سمع الحديث وله مؤلفات فيه وكان بارزاً في علومٍٍ متنوعة، والحافظ أبي الفداء إسماعيل بن كثير صاحب كتاب البداية والنهاية في التاريخ، وتفسير القرآن العظيم في التفسير، والمقريزي (1364-1442م) المؤرخ صاحب مدرسةٍ في التأريخ، وأشهر كتبه السلوك لمعرفة دول الملوك أو «الخطط المقريزية»، وابن تغري بردي صاحب النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، والقلقشندي المؤرخ صاحب كتاب صبح الأعشى، وابن قدامة المقدسي أحد أعلام المذهب الحنبلي، ومؤلف كتاب المغني من أهم الكتب وأفضلها في الفقه المقارن، وابن خلدون مؤسس علم الاجتماع، أما بالنسبة للمجال الطبي فكانت القاهرة ودمشق وحماة من أهم مراكز طب العُيُون في العالم، خرّجت عدداً من الأطباء الأفذاذ ممن كانوا حُجَّة ومرجعاً في هذا العلم مثل خليفة بن أبي المحاسن الحلبي الذي ألَّف كتاب «الكافي في طب العيون» وفيه شرح إجراء عملية الكتاراكت، وأيضاً صلاح الدين بن يوسف من حماة الذي ألف كتاباً في طب العيون أسماه «نور العيون»،[255] وفي الملاحة البحرية شاعت مؤلفات وابتكارات أحمد بن ماجد الذي ألف أرجوزةً في الملاحة يحفظها الربابنة والبحارة لاستذكار تعليمات الإبحار والأنواء، وترك موجزاً في الملاحة النظرية والعملية،[255] وكان لابن ماجد دورٌ هامٌّ في تطوير البوصلة، فكان أول من ثبّت إبرةً مغناطيسيةً على سنّ، وكان قبلئذٍ يتم حك إبرة البوصلة بالمغناطيس ثم وضعها فوق إناءٍ فيه ماء بحيث تطفو على عودين صغيرين من الخشب فتشير إلى الشمال، ولكن بعد اختراع ابن ماجد أصبحت تتحرك حرةً دونما حاجةٍ إلى وعاء الماء.

صورة لمسجد ومدرسة السلطان حسن أحد أهم المساجد المملوكية، وكان يحتوي على مدرسة؛ للتدريس فيها.

يعود التطور العلمي في الدولة المملوكية لاهتمام سلاطين المماليك بالعلم، وتشجيعهم للعلماء، وهذا لعدة عوامل منها التقوى والزلفى واستخدامها في كبح الدعوة للمذهب الشيعي، ومنها اتخاذ المدرسة لدعم مركزهم في أعين الشعب، وقد ألحقت بكل مدرسةٍ خزانة كتبٍ يرجِع إليها المدرسون والطلاب في البحث والاستقصاء، فإذا أتم الطالب دراسته وتأهل للفُتيا والتدريس أجاز له شيخه ذلك وكتب له إجازةً يذكر فيها اسم الطالب وشيخه ومذهبه وتاريخ الإجازة وغير ذلك، كما أن الحياة العلمية في مدارس العصر المملوكي لم تخلُ من ضروب الترويح عن النفس فأقيمت في المدارس بين الحين والآخر حفلات لمختلف المناسبات العلمية كختم البخاري أو الفراغ من تصنيف كتابٍ أو غير ذلك، وكانت الأوقاف والأحباس هي التي ثبتت أركان المدرسة ودعمت نظامها ومكنتها من القيام برسالتها في عصر المماليك. كان تعليم الطلبة مجانيّاً حسبةً لوجه الله إضافةً لضمان المسكن والكساء وبعض المقررات النقدية والعينية الأسبوعية أو الشهرية، إلا أنها كانت في أحيانٍ قليلةٍ تختلف من طالبٍ لآخر وفق ما يراه ناظر الوقف ما يؤدي إلى التحاسد بين الطلبة بسبب نقص مقرر أحدهم عن زميله.

لم تك المدرسة ذلك العصر في كثيرٍ من الأحيان بناءً مستقلاً قائماً بذاته، وإنما كان يُلحَق بها عادةً مسجدٌ والقبة التي يبنيها السلطان أو الأمير ليدفن فيها[256] وربما خانقاه أو زاويةٍ للصوفية، وأحياناً مشفىً خدمياً لحاجات الطلبة (كما في مدرسة الناصر حسن)، وبعضها كان يدرس العلوم الدنيوية كالطب والفلك (مدرسة الناصر حسن أيضاً). على العموم بلغت العناية بالمدارس في العصر المملوكي أوجها حتى المدارس الصغيرة غدت عمارتها وزخرفتها أحياناً مثالاً باهراً كالمدرسة الجقمقمية شمال غربي المسجد الأموي بدمشق، وكان الأمراء يتنافسون في اجتذاب الأسماء الكبيرة من العلماء للتدريس في مدارسهم التي أوقفوها كما جرى مع ابن خلدون.

العمارة

اهتم حُكَام الدَولة المَمْلُوكِية بالعِمَارة، وخَاصة الناصر محمد بن قلاوون والذي أَكثر مِنْ بِنَاء العَمائِر حَيْثُ يُعَد عصرُه من أزْهى عُصور الدَوْلة المَمْلُوكِيَة، ومِن أَهم مُنشآته في مَدينَة القَاهِرَة المَيدان العَظيم، والقصر الأَبْلق بالقَلْعة، والإيوان ومَسْجِد القَلْعَة، والمَيْدان الناصري، وبُسْتَان بَاب اللوق، وقَناطِر السباع، ومن بَيْن الأَعْمالِ العَظيمَة التَي أُنجزت في عَصْر الناصِر مُحَمَّد حَفْر قَناة مِنْ الإسكندرية إلى فوة، وبِذَلك أَعادَ وَصْلَ الإسْكَنَدَرِيَة بِالنيل، وبَلَغَ اهْتِمامُ النَاصِر بالعِمارَة أَنْ أَفْرَدَ لَها ديوانًا، وبَلَغَ مَصْروفُها كُل يَوْمٍ اثْني عشر أَلْف دِرْهَم،[254] وقد تمثلت العمارة في الدولة المملوكية عامة في المساجد، والقبور، وبالنسبة لعمارة المساجد في الدولة المملوكية فقد احتفظت بالتقاليد السابقة الموجودة في الدول السابقة للدولة المملوكية؛ فهي مؤلَّفة من صحن مكشوف تحفُّ به أربعة أروقة، ومن حرم مغطى، وقد أخرجت لنا العمارة المملوكية العديد من المساجد الشهيرة منها: مسجد بيبرس الأوَّل، والذي تم إنشاؤه عام 667 هـ الموافق 1269م، وهو من أقدم المساجد المملوكية، وبالنسبة لآخر مسجد مملوكي هو مسجد السلطان مؤيد، والذي تم إنشاؤه 854 هـ الموافق 1450م، وقد تم إنشاء العديد من المساجد المهمة، ومنها مسجد السلطان قلاوون، والذي تم إنشاؤه عام 684 هـ الموافق 1285م، وهذا المسجد يُعدُّ من أهمِّ المساجد المملوكيَّة وأجملها، وهو مجموعةٌ معماريَّةٌ تتضمَّن بيمارستانًا، ومسجدًا أُلحقت به مقصورات للطلاب، ثم ضريح السلطان، وتبدو واجهة هذه الأبنية شديدة الزخارف مؤلَّفة من مشاكٍ عالية ذات أقواسٍ منكسرة، وهناك أيضا مسجد ومدرسة السلطان حسن الذي أنشأ عام 764 هـ الموافق 1363م، والذي يعد نموذجًا معماريًّا متميِّزًا، حيث يقوم البناء على سطح منحدر، يبدو بمدخله الفخم وقد سبقه درج يوصل إلى دهليز يُؤدِّي إلى الصحن المربَّع الشكل، تنفتح من جهاته الأربع إيوانات ذات قبَّةٍ منكسرة، ولكن الإيوان المجابه للمدخل هو الأوسع، وفيه محراب القبلة، وفي وسطه مقصورة مرفوعة، وإلى جانبي المحراب بابان يصلان الحرم بصالةٍ كبرى ذات قبَّة؛ هي مدفن السلطان حسن، وتتَّصل الأواوين الجانبيَّة بغرفٍ ومقصوراتٍ تُشكِّل مدرسةً بذاتها، تسمح بإقامة الطلاب وبدراستهم، وتنهض في مقدِّمة البناء مئذنتان، وهناك في دمشق وحلب مساجد تعود إلى ذلك العصر أنشأها نوَّاب السلطان، منها جامعي تنكز ويلبغا في دمشق، وفي حلب جامع الطنبغا وجامع الأطروش (أقبغا)،[266] وبالنسبة لمآذن الجوامع المملوكية فقد اهتمَّ المعمار عمومًا بتزيين المآذن بالمقرنصات أو بالقيشاني، وغيرها، وقد ظهرت المئذنة المزدوجة الرؤوس كما في مئذنة الغوري في الجامع الأزهر، وتُزيِّن المساجد المملوكية سقوف مدهونة وزجاج ملوَّن في النوافذ، وتنزيل الرخام في الجدران، مع تبليطات هندسيَّة، كما تُزيِّن واجهات هذه الأبنية كسوات رخامية أو حجرية حمراء أو بيضاء، ومحاريب شاقولية ومقرنصات، ويتميَّز مسجد قايتباي أيضا بمزايا زخرفيَّة متميِّزة.

وهناك العديد من العمائر الأخرى التي اهتم المماليك بإنشائها، مثل: المدرسة وكانت مؤلَّفة من إيوانين متقابلين مفتوحين على صحن، وقد تلحق بالمدرسة -غالبًا- أضرحة ومصليَّات، وظهر في هذا العصر بناء الجامع والمدرسة، وأنشأ المماليك أيضا الخانقاه والتي كانت أشبه بمدرسة مخصَّصة للصوفيَّة أو للتجار؛ حيث يكون لهم جناح في هذا المبنى لمزاولة أعمالهم، والخانات هي فنادق للمسافرين والقوافل تتكون من طابقين أو أكثر، الطابق السفلي مخصَّص لحفظ البضائع والدواب، والطوابق العليا للسكن، والوكالات وكانَت مخصَّصة للتجار المسافرين،[266] وبالنسبة لعمارة المدافن، والتي كانت من من أكثر المنشآت المعمارية انتشارًا في ذلك العصر، وفيها كانت القبة تأخذ شكل التربة، وكان بعضها مستقلًا، وبعضها الآخر ملحقًا بمنشآت أخرى، وتغطي الصالة المدفنية قبة ذات رقبة دائرية أو مضلعة تنفتح فيها نوافذ عدة، محمولة على عنق مثمن، وتبدو القبة شديدة الارتفاع مقطعها قوسي، مزينة بالمفصصات -حيث كانت زخرفة إهليلجية ناتئة أو غائرة- أو المِشْبَكات الهندسية أو النباتية، ومازال حتى اليوم ما يقرب من خمسة وخمسين مدفنًا متبقيا منهم، وللعمارة المملوكية مميزات مع أنها كانت محصلة الفنون المعمارية التي ظهرت قبل هذا العصر، إلا أنه امتاز بنضج الزخارف واستخدامها للحجر والآجر والإكساء بالرخام مع زيادة الاهتمام بطراز الأعمدة والدعامات من الرخام والغرانيت، واستعمال موفق لأعمدة قديمة، وأيضا فقد اهتم المعمار بواجهات المنشآت إذ ظهرت عناصر زخرفية جديدة بدت على شكل مقرنصات وشرّافات مسننة مع الاهتمام برشاقة المآذن وزخرفتها حجريًا، وازداد الاهتمام بالمداخل الشامخة التي تظهر واضحة في بناء مسجد السلطان حسن ومدرسته في القاهرة. إضافة إلى المشربيات والشناشيل في عمارة القصور والبيوت التي تحقق الإطلال الخارجي مع احتجاب النساء، كما تحقق تكييفًا هوائيًا،[266] وبالنسبة للقصور في العصر المملوكي فقد اهتم المماليك بها، وقاموا بترميم بعض القصور، حيث هناك قصران من العصر الأيوبي رُمِّما في عصر بيبرس وقلاوون، وهما قصر الهواء في القلعة، وقصر نجم الدين في جزيرة الروضة، وقد أنشأوا أيضا بعض القصور، مثل: القصر الأبلق الذي أنشأه بيبرس في دمشق، وقصرٍ مماثلٍ له في القاهرة أنشأه قلاوون، وبالنسبة للعمارة العسكرية المملوكية، فأنشأ المماليك قلعة قايتباي في الإسكندرية، ومثلها في رشيد.[266]

الجيش

اللباس المُزركش لِلجُنُود المُسلمين في العصر المملوكي.
رسمٌ من أوائل القرن السادس عشر الميلاديّ يُصوِّرُ مملوكًا وهو يتمرَّن على الطعن بِالرمح.
جُنُودٌ مماليك: فارسٌ بِدرعه وسلاحه الكامل، واثنان من الرجَّالة، أحدهما يحمل بُندُقيَّة، وهي من الأسلحة الناريَّة التي استخدمها المماليك نادرًا في أواخر عصر الدولة البُرجيَّة، قُبيل سُقُوط الدولة بِبضع سنوات.

وُصفت الدولة المملوكيَّة بِأنها «دولة إقطاعيَّة حربيَّة». فطبيعة المماليك ونظامهم والرغبة في اقتنائهم نبعت من فكرة أساسيَّة واحدة هي تكوين فئة من المُحاربين الأشدَّاء وإعدادهم لِيكونوا درعًا حاميًا لِأساتذتهم الذين قاموا بِشرائهم وتعهدوهم بِالتربية. ولا يكاد المملوك يُدرك سن البُلُوغ حتَّى يُشرع في تعليمه فُنُون الحرب، من الرمي بِالنشَّاب واللعب بِالرِّمح ورُكوب الخيل وأنواع الفُرُوسيَّة.[267] وعندما ينتهي المملوك من هذه المرحلة التعليميَّة ينتقل إلى الخدمة ويمر بِأدوارها رُتبةً بعد رُتبة حتَّى يصير من الأُمراء.[268] واعتبار الدولة المملوكيَّة دولة إقطاعيَّة حربيَّة يرجع إلى الارتباط الوثيق - كما أُسلف - بين ديوان الجيش والإقطاع الذي وصفه القلقشندي بِقوله أنَّهُ «مظنَّة الإقطاع»، أي سجلُّه ومركزه.[269] وقد تكوَّن الجيش في عصر سلاطين المماليك من ثلاث فرق أساسيَّة، الفرقة الأولى كانت طائفة المماليك السُلطانيَّة - أي مماليك السُلطان القائم بِالحُكم - وقد وصفهم القلقشندي بِأنهم أعظم الأجناد شأنًا وأرفعهم قدرًا وأشدُّهم قُربًا وأوفرهم إقطاعًا، ومنهم تُؤمر الأُمراء رُتبةً بعد رُتبة.[270] والفرقة الثانية تشمل طائفة مماليك الأُمراء، أي الذين اشتراهم الأُمراء المُحيطون بِالسُلطان، كُلٌ حسب درجته ورُتبته، وتعهدوهم بِالرعاية، ومن هؤلاء كانت تتكوَّن الوحدات الحربيَّة التي تُرافق السُلطان في حُرُوبه، وكُل واحدة تتألَّف من أمير على رأس مماليكه. وأخيرًا تأتي الفرقة الثالثة وهم طائفة أجناد الحلقة، وهُم مماليك السلاطين والأُمراء السابقين وأولادهم الذين احترفوا الجُنديَّة وأصبحوا بِمثابة جيش ثابت لِلدولة لا يتغيَّر بِتغيُّر السُلطان، ويُشرف على كُل ألفٍ منهم وقت الحرب أمير مائة مُقدَّم ألف، أي أمير لهُ الحق في امتلاك وشراء مائة مملوك لِنفسه ويقود في وقت الحرب ألف جُندي من أجناد الحلقة.[271] وكان السُلطان لا يُقدم على حربٍ عادةً إلَّا بعد استشارة مجلس الجيش الي يضم كبار الأُمراء فضلًا عن الخليفة وقُضاة القضاء الأربعة، فإذا تقرَّرت الحرب جمع الجُند وأقسموا اليمين الطاعة والولاء لِلسُلطان، وعندئذٍ تفتح السلاح خانة أبوابها لِتوزيع السلاح على المُحاربين. أمَّا عن نظام الجيش وقت المعركة فكان يقوم على أساس ترتيب الجُند على هيئة صُفُوثٍ مُتراصَّة تُكوِّن أقسام الجيش الثلاثة - وهي القلب والميمنة والميسرة - فضلًا عن المُقدِّمة، ويكونُ القائد العام لِلحملة عادةً في قلب الجيش، ورُبما في مُقدمته لِيستثير روح الإقدام والشجاعة في الجُند. وكانت الطُبُول والمُوسيقى جُزءًا أساسيًّا في الجيش المماليكي، فكانت تُحملُ على عشرين بغلًا، ويُعتمدُ عليها في تنظيم الحركة وإعطاء الإشارات بِبدء القتال. هذا فضلًا عن الأعلام والرَّايات التي كانت تتقدَّم الجيش ويلتف حولها كُلُّ قسمٍ من أقسامه.[272] ويُلاحظ أنَّ المماليك كانوا فُرسانًا قبل كُل شيء واعتمد نظامهم بِصفةٍ أساسيَّةٍ على الفُرُوسيَّة. لِذلك كان الجيش المماليكي يتألَّف أساسًا من الفُرسان، الأمر الذي جعلهم يهتمُّون بِالخُيُول اهتمامًا بالغًا، ويُعيِّنون كبار المُوظفين لِلإشراف عليها وعلى أدواتها وعددها كاللجم والسُرُوج وغيرها. فضلًا عن الإنفاق بِسخاءٍ على الإسطبلات الخاصَّة بِالخيل.

ليس معنى تغلُّب صفة الفُرُوسيَّة على المماليك أنهم أهملوا جانب البحر والأُسطول، فقد وصفها المُؤرخون المُعاصرون لها بأنها دولة البرَّين والبحرين، بِمعنى أنها ملك برَّ مصر وبرَّ الشَّام، وأطلَّت على البحرين: بحرُ الرُّوم (المُتوسِّط) والقلزم (الأحمر). ويُعزى إعلاء شأن الأُسطول الإسلامي زمن المماليك إلى السُلطان الظاهر بيبرس، إذ ما أن ارتقى دست السلطنة حتَّى نظر في أمر البحريَّة، فمنع الناس من التصرُّف في الأخشاب وتقدَّم بِعمارة السُفن في ثغريّ الإسكندريَّة ودُمياط، وصار ينزل بنفسه إلى دار الصناعة بِمصر ويُرتِّب ما يجب ترتيبه من عمل السُفن ومصالحها، واستدعى كبار الصنَّاعين إلى مصر، فصار لديه عدد ليس بِقليل من السُفن بِمختلف أنواعها، منها الشواني والحراريق والطرائد.[273] وكان دافع المماليك لِلإهتمام بِالأُسطول هو أنَّ آخر ما استرجعوه من بلادٍ خاضعةٍ لِلصليبيين كانت ثُغُورًا ساحليَّة، كما أنَّ الحُرُوب الصليبيَّة تحوَّلت من معارك بريَّة إلى معارك بحريَّة بعد طرد الصليبيين نهائيًّا من بلاد الشَّام في أواخر القرن التاسع الهجري المُوافق لِلقرن الثالث عشر الميلادي. أمَّا أبرز أنواع السُفن الإسلاميَّة في الأُسطول المملوكي فهي: الشواني ومُفردها شيني وهي سفينة حربيَّة كبيرة ذات أبراج وقلاع تُستعمل لِلدفاع والهُجُوم، والحراريق أو الحرَّاقات وهي السُفُن التي كانت تحمل مرامي النيران مثل النار الإغريقيَّة وغيرها وتُلقي النار منها على سُفن العدو وأهدافه فتحرقها، والطرَّادات التي كانت تُستخدم عادةً في حمل الخُيُول، والأغربة التي تحمل الجُند، والبطس الكبيرة التي كانت تُستخدم في حمل أعداد عظيمة من الجُند تصل إلى سبعُمائة جُندي فضلًا عن المُحاربين والأسلحة والذخيرة والغلال والميرة. ولقد ظلَّ الأُسطُول في عصر سلاطين المماليك يقوم بِدوره كاملًا في الدفاع عن البلاد الإسلاميَّة ومُهاجمة الأعداء حتَّى نهاية تلك الدولة، ففي أواخر عصر المماليك تسرَّبت عوامل الضعف التي نخرت في عظام الدولة وبالعديد من أجهزتها إلى الأُسطُول، فتراجعت قُوَّته وسطوته على البحار، وتهاوى أمام الأساطيل الپُرتُغاليَّة التي كانت قد برزت على الساحة بِوصفها قُوَّة عالميَّة فتيَّة.[274]

العلاقات مع الدول الخارجية

كان لدولة المماليك علاقات مع مختلف الدول القائمة آنذاك، فبالنسبة للعلاقات الصفوية المملوكية فإنها بدأت عدائية ثم تحولت إلى صداقة، حيث كان إسماعيل الصفوي شديد الكره للمسلمين السنة، وكان المذهب السني متمثل حينها في الدولتين المملوكية، والعثمانية، لذا قام إسماعيل الصفوي بمحاربتهم، بالإضافة إلى الاتفاق مع البرتغاليين، والصليبيين على حرب الدولة المملوكية عامة، والدولة العثمانية خاصة،[275] وأيضا كان العداء موجود بين المماليك والصفويين عندما كانت الدولة الصفوية تتوسع على حساب الدولة المملوكية في بلاد الشَّام، حيث وقفت الدولة المملوكية منها موقفاً مناوئًا، وازداد هذا الموقف المناوئ بعد أن علم المماليك بوجود حلف عدائي بين الصفويين والقوى الأوروپية للقضاء على الدولة المملوكية. وقد أدى هذا الأمر إلى توقف الاتصالات الدبلوماسية بين هاتين الدولتين عام 1511م، ولم تتجاوز إلا في عام 1514م، وذلك عندما خسر الصفويون في نزاعهم مع العثمانيين فأرادوا أن يحسنوا في علاقاتهم مع المماليك.

وأيضًا فقد كانت العلاقات بين المماليك البحريَّة، والحفصيين في تونس جيدة، ووديَّة، وذلك لوجود أربعة عوامل مشتركة، أولها عامل الدين الإسلامي، حيث كانت كلتا الدولتين تدينان بالإسلام على مذهب أهل السنة، وثانيهما عامل الجوار، والعامل الثالث هو الخطر المشترك الذي هدد العالم الإسلامي آنذاك، ثم العامل الرابع وهو الحج على اعتبار أن مصر واقعة على الطريق البري للحجاج القادمين من شمالي إفريقيا، ولكن بالرغم من العلاقات الودية بين الدولتين إلا أنه قد شابها بعض الفتور؛ وذلك بسبب مشكلة الخلافة؛ لأن ملوك بني حفص تلقبوا بلقب الخلفاء، فلم يعترف المماليك بإمرة المؤمنين في السلالة الحفصية، وإنما لقبوا حاكمهم بـ«أمير المسلمين»، وهو لقب دون أمير المؤمنين في الرتبة، ويبدو أن مشكلة الخلافة لم تقف حائلًا بين الدولتين في التعاون لرد العدوان الخارجي،[276] وبالنسبة لعلاقة المماليك ببعض القوى الأوربية، فقد اجتذبت موانئ مصر المدن التجارية الإيطالية، البندقية وجنوة وبيزا، بفضل التكاليف الزهيدة للبضائع القادمة من الشرق الأقصى عبر هذا البلد، إضافةً إلى ميزة الحصول على حاصلات الأراضي المصرية ومنتجاتها الصناعية، وكانت هناك من جهة أخرى أرباح كبيرة تتحقق بتوريد بعض السلع الأوروپية التي كانت الدولة المملوكية بحاجة إليها مثل الحديد والخشب، لكن توثيق العلاقات السلمية مع مصر لم يكن بالسهولة التي تبدو لأول وهلة؛ بسبب عداوة المماليك للصليبيين في بلاد الشام.

سُفراءٌ مماليك إلى السُلطان العُثماني مُحمَّد خان الأوَّل.

وكانت المدن الإيطالية خاصة تسأل قبل أن ترتبط بعلاقات تجارية مع دولة المماليك: هل تسيء بذلك إلى بقية العالم المسيحي؟ لأن تجار المماليك سوف يستفيدون حتمًا من جرَّاء المبادلات التجارية، كما تنتفع خزائن السلطان من حصيلة الرسوم الجمركية، ويترتب على ذلك تنامي قوة هذا البلد، مما يشكل ازديادًا في الخطر على المدن الصليبية في بلاد الشام، وكان التاجر الغربي الذي يتاجر مع المماليك يُوصَف بأنه مسيحي فاجر، في حين تعرَّض حكام المماليك الذين يتعاونون مع التجار الغربيين للانتقاد أيضًا، وبالرغم من أن العقبات على التجارة بين مصر والمدن الإيطالية تأتي من الطرفين، إلا أنها استمرت ناشطة أحيانًا وسط الأجواء العاصفة، وكان الأمل عند الطرفين في الحصول على أرباح ومنافع جسيمة يبدد الكثير من المخاوف، وإذا كانت العلاقات بين المدن الإيطالية التجارية وبين المماليك تأرجحت بين المشاحنات والهدوء وفقًا لتقلب الظروف السياسية، فإن الوضع اختلف مع الإمارات المسيحية في أوروپَّا الغربية مثل قشتالة وأرغونة وإشبيلية، ويبدو أن حرص الإمارات المسيحية في إسپانيا على عدم وصول نجدات من دولة المماليك إلى المسلمين في الأندلس دفع ملوكها إلى مسالمة المماليك، وتبادل الهدايا مع الأمراء في مصر، وإذا كانت التجارة مع المماليك مباحة بوجه عام لرعايا ملك أراغون فإنه كان محظورًا عليهم أن يبيعوا المسلمين مواد بناء السفن أو سفنًا مبنية، وفي عام 673هـ الموافق 1274م أصدر يعقوب الأوَّل ملك أراغون مرسومًا يحظر فيه تصدير المعادن والخشب والأسلحة والمواد الغذائية إلى المماليك، وبالنسبة للعلاقات مع صقلية، فقد ارتبطت صقلية بعلاقات طيبة مع حكام مصر منذ العهد الأيوبي، وقد تمتع الصقليون في مصر بتخفيض في التعريفات، واستمرت هذه العلاقة الطيبة في عهد دولة المماليك البحرية، إذ حرص مانفرد بن فريدريك الثاني على صداقة السلطان بيبرس، كما حرص هذا الأخير على الاحتفاظ بعلاقة الود التي ربطت مصر بمملكة صقلية، وقد جمعت الطرفين مصلحة مشتركة وهي العداء للصليبيين في بلاد الشام ومغول فارس، وتشير المراجع إلى تبادل الهدايا بين مانفرد وبيبرس، فأرسل هذا الأخير في عام 660 هـ الموافق 1261م، وفدًا برئاسة المؤرخ جمال الدين بن واصل إلى ملك صقلية، وحمله هدية جليلة منها بعض الزرافات، وبعض أسرى عين جالوت من المغول، وقد رد مانفرد بسفارة مشابهة تحمل الهدايا للسلطان.[276]

وصلات خارجيَّة

  • بوابة الإسلام
  • بوابة الدولة المملوكية
  • بوابة التاريخ الإسلامي
  • بوابة مصر
  • بوابة الشام
  • بوابة الدولة العباسية
This article is issued from Wikipedia. The text is licensed under Creative Commons - Attribution - Sharealike. Additional terms may apply for the media files.