بايزيد الثاني

الملكُ الوَلِيّ والسُلطان الغازي ضياءُ الدين وعون الغُزاة والمُجاهدين أبو النصر بايزيد خان الثاني بن مُحمَّد بن مُراد العُثماني (بالتُركيَّة العُثمانيَّة: الملكُ الوَلىّ غازى سُلطان بايزيد خان ثانى بن مُحمَّد بن مُراد عُثمانى؛ وبالتُركيَّة المُعاصرة: Sultan II. Bayezid Han ben Fatih Sultan Mehmed)، ويُعرف اختصارًا باسم بايزيد الثاني، وبِلقبه بايزيد الوليّ أو بايزيد الصُّوفيّ، هو ثامن سلاطين آل عُثمان وسادس من تلقَّب بِلقب سُلطانٍ بينهم بعد والده مُحمَّد الفاتح وأجداده من مُراد الثاني إلى مُرادٍ الأوَّل، وثالث من لُقِّب بِالـ«ثاني» من سلاطين آل عُثمان، وثاني من حمل لقب «قيصر الروم» من الحُكَّام المُسلمين عُمومًا والسلاطين العُثمانيين خُصوصًا بعد والده الفاتح. والدته هي أمينة گُلبهار خاتون،[tr 1] وقيل مُكرَّمة خاتون،[tr 2] وكان مولده سنة 851هـ المُوافقة لِسنة 1447م، وهو بِكر أولاد السُلطان مُحمَّد الفاتح، وخلفهُ على عرش آل عُثمان بعد وفاته سنة 886هـ المُوافقة لِسنة 1481م.[1]

نجمة المقالة المرشحة للاختيار
هذه المقالة مرشحة حالياً لتكون مقالة مختارة، شارك في تقييمها وفق الشروط المحددة في معايير المقالة المختارة وساهم برأيك في صفحة ترشيحها.
تاريخ الترشيح 20 أكتوبر 2020
بايزيد الثاني
(بالتركية العثمانية: بايزيد ثانى)‏ 

الحكم
مدة الحكم 886 - 918هـ\1481 - 1512م
عهد توسع الدولة العثمانية
اللقب الملكُ الوليّ، ضياء الدين، عون الغُزاة والمُجاهدين
التتويج 886هـ\1481م
العائلة الحاكمة آل عثمان
السلالة الملكية العثمانية
نوع الخلافة وراثية ظاهرة
ولي العهد عبدُ الله (1465 - 1483م؛ تُوفي)
أحمد (1483 - 1512م؛ أُزيح)
سليم (1512م؛ تولَّى)
معلومات شخصية
الاسم الكامل بايزيد بن مُحمَّد بن مُراد العُثماني
الميلاد 851هـ\1447م
ديموتيقة، الروملِّي، الدولة العُثمانيَّة
الوفاة 918هـ\1512م
سكودلودره، الروملِّي، الدولة العُثمانيَّة
مكان الدفن جامع بايزيد الثاني، إسطنبول،  تركيا
الديانة مُسلم سُني
الزوجة انظر
أبناء انظر
الأب مُحمَّد الفاتح
الأم أمينة گُلبهار خاتون
إخوة وأخوات
الحياة العملية
المهنة سُلطان العُثمانيين وقائد الجهاد في أوروپَّا
الطغراء
مؤلف:بايزيد الثاني  - ويكي مصدر

كان السُلطان بايزيد الثاني ميَّالًا لِلسِّلم أكثر منهُ إلى الحرب، مُحبًّا لِلعُلُوم والآداب مُشتغلًا بها، ولِذلك سمَّاهُ بعض المُؤرخين العُثمانيين «بايزيد الصُّوفيّ». لكن دعتهُ سياسة الدولة والمُستجدَّات الخارجيَّة الخطيرة التي ظهرت في أيَّامه إلى ترك أشغاله السلميَّة المحضة والاشتغال بِالحرب، وكانت أوَّل حُرُوبه داخليَّة، ذلك أنَّ أخاه جَمًّا أشهر العصيان في وجهه وحاول بدايةً ادعاء الأحقيَّة لِنفسه بِالعرش، ولمَّا فشل في ذلك عرض على أخيه اقتسام الدولة بينهما، فيختصُّ جَمّ بِالبلاد الآسيويَّة وبايزيد بِالبلاد الأوروپيَّة، فلم يقبل بايزيد، بل حارب أخاه وقهره حتَّى أجبره إلى الالتجاء لِلدولة المملوكيَّة، وقد عاد جَمّ فيما بعد إلى الأناضول وحاول مُجددًا التربُّع على العرش فهُزم مرَّة أُخرى، واضطرَّ إلى الهُرُوب مُجددًا وعاش بقيَّة حياته منفيًّا في أوروپَّا الغربيَّة.[1][2] ولم تحدث في عهد هذا السُلطان فُتُوحاتٌ ذات أهميَّة كبيرة في أوروپَّا، بل اقتصرت نشاطاته العسكريَّة على المناطق الحُدُوديَّة لِصدِّ الاعتداءات الخارجيَّة، فلم تتوسَّع الدولة بِشكلٍ كبير. وحدثت، في هذا العهد، أولى الاشتباكات العسكريَّة بين المماليك والعُثمانيين بِفعل مُتاخمة أراضي الدولتين عند أضنة وطرسوس، واشتداد التنافُس بينهما على زعامة المُسلمين، فسعى السُلطان المملوكي أبو النصر قايتباي إلى السيطرة على إمارة ذي القدريَّة الخاضعة لِلسيادة العُثمانيَّة، فاستقطب أميرها وحرَّضهُ على العُثمانيين، فوقعت عدَّة مُناوشاتٍ حُدوديَّةٍ بين الطرفين لم تهدأ إلَّا بِوساطة السُلطان الحفصي أبي يحيى زكريَّاء بن يحيى الذي نجح بِإقناع الطرفين على إعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل بداية الاحتكاك.[3] وعند وفاة السُلطان قايتباي واعتلاء السُلطان قانصوه الغوري مكانه استُأنفت علاقة الوداد والتقارب والتعاون بين المماليك والعُثمانيين، فأرسل السُلطان بايزيد عتادًا وموادًا أوليَّةً إلى مصر بِرفقة كبار الخُبراء العسكريين والفنيين لِصناعة سُفُن حربيَّة مُتطوِّرة في ميناء السويس بِهدف مُواجهة الخطر الپُرتُغالي المُتصاعد في بحر القلزم (الأحمر)،[4] وتواترت الرسائل الوديَّة بين الطرفين التي عكست رغبة العُثمانيين والمماليك بِتصفية الأجواء بين دولتيهما، بحيثُ كان السُلطان الغوري يُخاطبُ السُلطان بايزيد بِألقابٍ تدُلُّ على مدى الاحترام والاعتبار الذي يوليه له، منها على سبيل المِثال: «الأخ الأعدل الأشجع».[5]

شهد عهد بايزيد الثاني أيضًا سُقُوط الأندلُس وخُرُوجها من أيدي المُسلمين بِدُخُول الملكين الكاثوليكيين فرديناند وإيزابيلَّا مدينة غرناطة، آخر معاقل الإسلام في البلاد الأندلُسيَّة. وقد استنجد المُسلمون الأندلُسيُّون بِالسُلطان العُثماني ونظيره المملوكي لِتخليصهم ممَّا هُم فيه، فأرسل بايزيد أساطيله لِحمل المُسلمين واليهود الهاربين من الاضطهاد والقتل إلى البلاد الإسلاميَّة المُجاورة، بما فيها الأراضي العُثمانيَّة، كما قصف العُثمانيُّون بضعة مُدن خاضعة لِمملكة قشتالة انتقامًا لِلمُسلمين من جهة، ولِإلهاء النصارى وشغلهم عن الأندلُسيين الهاربين.[6] شكَّلت هذه العمليَّات العسكريَّة بدايات ما عُرف بِالجهاد البحري، فقد أخذ الكثير من البحَّارة المُسلمين يُغيرون من تلقاء أنُفسهم على السُفن القشتاليَّة والپُرتُغاليَّة والإيطاليَّة انتقامًا لِلأندلُسيين ورغبةً من بعضهم في استغلال النزاع لِجني بعض الأرباح من خلال الإغارة على سُفُن الأعداء، وكان الشاهزاده قورقود بن بايزيد أوَّل من احتضن هؤلاء البحَّارة وأمَّن لهم الحماية، ومدَّهم بِالمُؤن والعتاد والذخائر.[7] ومن الوقائع فائقة الأهميَّة في عهد بايزيد ظُهُور السُلالة الصفويَّة الشيعيَّة في أذربيجان وسيطرتها بزِعامة قائدها الشاه إسماعيل بن حيدر على أغلب البلاد الإيرانيَّة. وقد فرض الشاه إسماعيل التشيُّع على الناس ثُمَّ أخذ دُعاته يتغلغلون بين قبائل التُركمان في الأناضول الشرقيَّة وأرمينية ويُهدِّدون الهيمنة العُثمانيَّة في تلك البلاد، فتصدَّى لهم الشاهزاده سليم بن بايزيد وألحق بهم هزائم في عدَّة مُناسبات.

تكدَّر صفاء حياة بايزيد الثاني في سنيّ حُكمه الأخيرة بِعصيان أولاده عليه لِكثرة تدخُّل الساسة والوُزراء والقادة العسكريين بِأُمُور ولاية العهد، بعدما اشتدَّت الأمراض على السُلطان وأصبح غير قادر على مُعالجة أُمُور الحُكم بِكفاءته المعهودة. فدعم كُل فريقٍ أحد أولاد السُلطان، فحدثت فتنة في البلاد، لكنَّ الغلبة كانت في نهاية المطاف من نصيب سليم بن بايزيد، الذي التفَّ حوله قادة الجيش لِإصراره على مُواجهة الخطر الصفوي والتعامل معهُ بِجديَّةٍ فائقة، عكس أخويه اللذين لم يوليا هذا الأمر أهميَّته رُغم النوايا المُعادية لِلشاه إسماعيل الصفوي. أمام هذا الواقع، تنازل بايزيد عن المُلك لِولده سليم وسافر لِلاعتزال في بلدة ديموتيقة، فتُوفي في الطريق، ونُقل جُثمانه إلى إسلامبول حيثُ دُفن. عُرف السُلطان بايزيد لدى مُعاصريه بِالصلاح والتُقى، حتَّى رُفع إلى مرتبة الولاية، وبذل جُهُودًا على الصعيد الداخلي من أجل وضع الأُسس التي قامت عليها الدولة العُثمانيَّة لاحقًا، فدعا العُلماء والفنانين وشُيُوخ الطُرق الصوفيَّة إلى العاصمة الجديدة إسلامبول، وأسَّس الأوقاف وطوَّرها.[8] وصفهُ المُؤرِّخ أحمد بن يُوسُف القرماني بِقوله: «وَهُوَ مِنْ أَعْيَانِ السَّلَاطِين الْعُظَمَاء. تَفَرَّع مِنْ شَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ، وَتَزَيَّنْت بِاسْمِه رُؤُوس الْمَنَابِر، وَتَوَشَّحَت بِذِكْرِه صُدُورُ الْمَنَائِر».[9]

انتقال العرش إلى بايزيد وثورة الإنكشاريَّة

الحُدُود التقريبيَّة لِلدولة العُثمانيَّة عشيَّة وفاة السُلطان مُحمَّد الفاتح وتربُّع بايزيد الثاني، بِالإضافة لِلبلاد التابعة لها ذات الاستقلال الإداري.
مُنمنمة عُثمانيَّة تُصوِّرُ جُلُوس بايزيد الثاني على عرش آل عُثمان.
تُربة السُلطان مُحمَّد الفاتح الكائنة بِجهة قبلة المسجد الجامع المُسمَّى باسمه، والذي بناه في مدينة إسلامبول (إسطنبول المُعاصرة)، وكان أوَّل من دُفن من سلاطين بني عُثمان بِالمدينة المذكورة.

تُوفي السُلطان مُحمَّد يوم الخميس 4 ربيع الأوَّل 886هـ المُوافق فيه 3 أيَّار (مايو) 1481م في موضعٍ يُقال له «تكفور چايري» بِأُسكُدار، على الضفَّة الشرقيَّة لِلبوسفور، وكان قد خرج إلى الموضع المذكور ليبدأ الإعداد لِحملةٍ كبيرةٍ يغلب الظن أنَّها كانت مُوجَّهة إلى إيطاليا، لكن داهمه مرضٌ مُفاجئ، وأخذ يشتد ويقوى حتَّى وافاه الأجل. وتنُصُّ المصادر أنَّ السُلطان ترك وصيَّةً لِوليّ عهده بايزيد، وهو على فراش الموت، يُوصيه فيها بِالاستقامة وحُسن الحُكم والإدارة والانقياد لِأوامر ونواهي الشريعة الإسلاميَّة والإحسان لِلرعيَّة، فقال:[18]

ها أنذا أموت ولكنني غير آسف لِأنِّي تاركٌ خلفًا مثلُك. كُن عادلًا صالحًا رحيمًا، وابسط على الرعيَّة حمايتك بِدون تمييز، واعمل على نشر الدين الإسلامي، فإنَّ هذا هو واجب المُلُوك على الأرض. قدِّم الاهتمام بِأمر الدين على كُلِّ شيء، ولا تفتر بِالمُواظبة عليه، ولا تستخدم الأشخاص الذين لا يهتمُّون بِأمر الدين، ولا يجتنبون الكبائر وينغمسون في الفُحش، وجانب البدع المُفسدة، وباعد الذين يُحرِّضونك عليها. وسِّع رُقعة البلاد بِالجهاد، واحرُس أموال بيت المال من أن تتبدَّد. إيَّاك أن تمُدَّ يدك إلى مال أحدٍ من رعيَّتك إلَّا بِحق الإسلام، واضمن لِلمعوزين قوتهم، وابذل إكرامك لِلمُستحقين. وبِما أنَّ العُلماء هم بِمثابة القُوَّة المبثوثة في جسم الدولة، فعظِّم جانبهم وشجعِّهُم، وإذا سمعت بِأحدٍ منهم في بلدٍ آخر فاستقدمه إليك وأكرمه بِالمال. حذارِ حذارِ لا يغُرَّنَّك المال ولا الجُند، وإيَّاك أن تُبعد أهل الشريعة عن بابك، وإيَّاك أن تميل إلى أيِّ عملٍ يُخالف أحكام الشريعة، فإنَّ الدين غايتنا، والهداية منهجنا، وبِذلك انتصرنا. خُذ منِّي هذه العبرة: حضرتُ هذه البلاد كنملةٍ صغيرة، فأعطاني الله تعالىٰ هذه النعم الجليلة، فالزم مسلكي، واحذُ حُذوي، واعمل على تعزيز هذا الدين وتوقير أهله، ولا تصرف أموال الدولة في ترفٍ أو لهوٍ أو أكثر من قدر اللُّزوم، فإنَّ ذلك من أعظم أسباب الهلاك.

ولمَّا تُوفي السُلطان الفاتح، أخفى الصدر الأعظم مُحمَّد باشا القرماني خبر موته عن الجُند، لكنَّهُ أساء في التدبير، فلم يُرسل إلى بايزيد أن يحضر لِيتولَّى العرش، بل أرسل قاصدًا إلى أخيه الأصغر الشاهزاده جَمّ يستعجله بِالقُدُوم إلى العاصمة لِيستلم مقاليد الدولة قبل أن يصل الخبر لِأخيه.[19] وكان سبب فعله هذا هو شدَّة ارتباطه وميله ومودَّته بِالشاهزاده الأصغر.[1] وكان جَمّ آنذاك واليًا على بلاد القرمان ومُتمركزًا في قونية، إذ كان والده قد أقطعهُ إيَّاها بعد وفاة أخيه الشاهزاده مُصطفى. واتُفق أنَّ قاصد الصدر الأعظم صادف بعض رجال بكلربك الأناضول سنان باشا، فأمسكوه وحملوه إلى سيِّدهم المذكور، الذي كان صهرًا لِبايزيد، فاكتشف معهُ الرسالة المُوجَّهة لِلشاهزاده جَمّ، فأمر بِحبس القاصد وكتم الخبر. وكان الوُزراء قد أرسلوا إلى بايزيد يوم وفاة والده رجُلًا من الجاووشيَّة(1) يُقالُ له «ككلك مُصطفى»، فركب على وجه السُرعة إلى أماسية ووصلها يوم 8 ربيع الأوَّل 886هـ المُوافق فيه 7 أيَّار (مايو) 1481م، ودخل على وليّ العهد وعزَّاه بِموت والده وهنَّأه بِانتقال العرش إليه.[20] خِلال ذلك الوقت، كان الصدر الأعظم قد أظهر لِلجيش أنَّ السُلطان مُحمَّد قد قصد العودة إلى إسلامبول إلى أن يُعافى من المرض الذي ألمَّ به، فحمل الجُثمان في عربةٍ وسار بها إلى العاصمة، وترك الجُند والمُعسكر في الموضع الذي نزل به السُلطان وتُوفي. ولمَّا دخل موكب الصدر الأعظم إسلامبول أسرع بِإخراج الغلمان الأعجميين(2) أيضًا بِحُجَّةٍ واهية، ومنع السُفُن والزوارق من المسير إلى ساحل أُسكُدار لِئلَّا يعبر الجُنُود إلى إسلامبول.[20]

ولم يبقَ خبر موت السُلطان سرًا لِفترةٍ طويلة، إذ سُرعان ما شاع بِسبب التدابير السيِّئة لِلصدر الأعظم، وما أن وصل إلى علم الإنكشاريَّة وعلموا بِإجراءات مُحمَّد باشا حتَّى أعلنوا التمرُّد، فعبروا البوسفور بِواسطة بعض الزوارق التي وجدوها في القُرى الساحليَّة، ودخلوا العاصمة ثُمَّ وثبوا على سراي الصدر الأعظم فنهبوها وقتلوه، وعاثوا في المدينة سلبًا ونهبًا، فأغاروا على بُيُوت الأعيان والمُتموِّلين من اليهود فنهبوها نهبًا فاحشًا.[20][1] وسارع بعض العُقلاء من الساسة والقادة إلى إرسال كتابٍ إلى الغازي إسحٰق باشا، وهو السياسي والعسكري المُخضرم الذي تولَّى بكلربكيَّة الأناضول في عهد السُلطان مُحمَّد الفاتح وقاد عدَّة حملات عسكريَّة ناجحة، يطلبون منه المجيء فورًا إلى إسلامبول لِوأد الفتنة ريثما يحضر السُلطان العتيد. وكان إسحٰق باشا آنذاك مُتقاعدًا في سنجق سالونيك، لكنَّهُ استجاب لِلطلب وحضر على وجه السُرعة، فسكنت فتنة الجُند إذ كانت جميع الفرق والطوائف العسكريَّة تحترمه وتُوقِّره، كما وعدهم بِالترقيات والعطيَّات ما أن يتولَّى السُلطان الجديد. وأقام إسحٰق باشا الشاهزاده قورقود بن بايزيد نائبًا عن أبيه حتَّى وُصُوله.[20] خرج بايزيد من أماسية بعد ثلاثة أيَّامٍ من علمه بِوفاة والده في أربعة آلاف فارسٍ من أتباعه، فوصل إلى أُسكُدار بعد تسعة أيَّامٍ حيثُ استقبلهُ الأعيان والجُند، ثُمَّ ركب البحر لِلعُبُور إلى إسلامبول. وفي أثناء اجتيازه المضيق أحاطت به عدَّة قوارب ملأى بِالإنكشاريَّة وطلبوا منه عزل أحد الوُزراء المدعو مُصطفى باشا بن حمزة، الذي بلغهم أنَّ بايزيد ينوي تعيينه في منصب الصدارة العُظمى، واستبداله بِالغازي إسحٰق باشا، لِضمان حُصُولهم على العطايا والترقيات التي وُعدوا بها، فوعدهم بايزيد بِتحقيق طلبهم. وفي 23 ربيعٍ الأوَّل 886هـ المُوافق فيه 22 أيَّار (مايو) 1481م، وصل السُلطان الجديد إلى عاصمة مُلكه، ولمَّا قرُب من السراي اصطفَّت الإنكشاريَّة على طريقه وسألوه العفو عمَّا جرى منهم من قتل الصدر الأعظم مُحمَّد باشا القرماني ونهب بُيُوت الأعيان وأن يُنعم عليهم بِمبلغٍ من المال سُرُورًا بِتولِّيه عرش آبائه وأجداده، فأجابهم إلى جميع مطالبهم وشقَّ صُفُوفهم فدخل السراي وجلس على تخت السلطنة. وفي غد ذلك اليوم أُخرج نعش السُلطان مُحمَّد لِلصلاة عليه، وأمَّ الصلاة الشيخ مُصلح الدين مُصطفى بن أحمد الصدري القنوي، الشهير بِابن الوفاء، واكتنف السُلطان بايزيد بِنفسه نعش أبيه وحملهُ عدَّة خُطُواتٍ حتَّى وُري الثرى بِجهة قبلة المسجد الجامع الذي سُمي باسمه.[20][1][19] وجلس السُلطان بايزيد أيَّامًا يتقبَّل العزاء بِموت والده، ثُمَّ شرع في تدبير شُؤون المُلك، وكان أوَّل ما فعله أن خلع على الأعيان والأشراف، وفوَّض الصدارة العُظمى إلى إسحٰق باشا، وأنفذ جميع وُعُوده من الترقيَّات والعطيَّات، وجعل مُصطفى باشا بن حمزة سالِف الذِكر وزيرًا ثانيًا.[20]

الحملات على البُغدان

بعد تخلُّصه من مُشكلة أخيه، استعاد السُلطان بايزيد النظام في الدولة، فبعد تعيين قاسم بك أميرًا على ناحية «إيج إيلي»، زال التهديد القرماني تمامًا، وأصبحت البلاد القرمانيَّة مُرتبطة بِالدولة العُثمانيَّة ارتباطًا نهائيًّا.[30] وأعاد السُلطان لِلأشراف اعتبارهم الذي فقدوه في عهد أبيه الفاتح، وأعاد لِلأوقاف شرعيَّتها، كما أعاد الأملاك التي أُعطيت لِأصحاب التيمارات إلى مالكيها القُدماء. كذلك، عزل السُلطان الصدر الأعظم إسحٰق باشا وأمره بِأن يظل مُتقاعدًا في سالونيك، وأمر بِإعدام الوزير كدك أحمد باشا لِثلاثة أسبابٍ رئيسيَّة: أوَّلُها أنَّ الباشوان المذكوران كانا صاحبا السُلطة الفعليَّة على أرض الواقع مُنذُ أن أوصلا بايزيد إلى العرش وأعاناه على أخيه، ومن المعروف أنَّ إسحٰق باشا كان حمًا لِأحمد باشا، وكان كلاهما يتمتعان بِشعبيَّةٍ كبيرةٍ وسط الإنكشاريَّة ويقدران على تحريكها. وثانيها أنَّ كدك أحمد باشا كان راغبًا بِالاستمرار بِحملاته على العالم المسيحي الغربي، وآثر إعلان الحرب على الإسبتاريين في رودس لأنَّهم حموا الشاهزاده جَمّ، في حين أنَّ بايزيد كان يُؤثر عدم مُعاداتهم لِلاتفاق المُبرم بينهم وبين العُثمانيين بِخُصُوص التحفُّظ على جَمّ سُلطان، كما أنَّهُ رغب بِالابتعاد عن الحرب بعدما أرهقت فُتُوحات السُلطان مُحمَّد الدولة العُثمانيَّة على الصعيدين المالي والبشري، إلَّا أنَّ الوزير أصرَّ على الحرب وانتقد السُلطان الجديد لِاتباعه السياسة السلميَّة، فغضب عليه بايزيد.[31][32] وثالثها أنَّ كدك أحمد باشا كان يُظهر القسوة والغِلظة في مُعاملته الرعايا، فكثُر التذمُّر منه، واستغلَّ هذا الأمر الحُسَّاد والسُعاة فأوغروا صدر السُلطان عليه أكثر. فلمَّا تجمَّعت كُل هذه الأسباب أمر السُلطان بِإعدام الوزير المذكور،[23] وعيَّن في الصدارة العُظمى داود باشا الأرناؤوطي أمير سنجق البوسنة خلفًا لِإسحٰق باشا.[32] أمام هذه التغييرات التي طالت أقرب سياسيين إلى الإنكشاريَّة، أخذ قادتها يُظهرون امتعاضهم واستيائهم، فتخلَّص السُلطان من بعضهم بِأن أرسلهم إلى أماكن بعيدة بِحُجَّة أشغالٍ مُهمَّة،[32] لكنَّ صُفُوفهم لم تهدأ رُغم ذلك، فاضطرَّ السُلطان أن يُشغلهم بِالحرب كي لا يُقلقوا راحة الدولة، وحتَّى يُقوِّي سُلطته عليهم،[31] فاستغلَّ انهيار الصُلح مع المجر الذي تبع وفاة السُلطان الفاتح، والغارات المُتبادلة بين العُثمانيين والمجريين،[33] وتجهَّز لِلحرب والجهاد.

قلعة وميناء آق كرمان. أحد أبرز الموانئ الاستراتيجيَّة، وأحد هدفيّ السُلطان بايزيد الثاني في حملته على إمارة البُغدان.
أسطفان بن بُغدان، أو القدِّيس أسطفان الكبير، أمير البُغدان زمن السُلطانين مُحمَّد الفاتح وبايزيد الثاني.

توجَّه السُلطان في شهر ربيعٍ الأوَّل سنة 888هـ المُوافقة لِسنة 1483م إلى فيلپَّة بالروملِّي، ثُمَّ أرسل جيشًا فعبروا من نهر الموراوة، وعمَّروا القلاع التي كان السُلطان مُحمَّد الفاتح قد أمر بِهدمها، وأقام السُلطان في نواحي صوفيا إلى أن تمَّ التعمير.[34] والحقيقة أنَّ أي صدامٍ بين العُثمانيين والمجريين لم يحصل، فأمام استعراض القُوَّة العُثماني، وانشغال ملك المجر متياس كورڤن بِصراعه مع الإمبراطور الألماني، جنح إلى الصُلح الذي اقترحهُ السُلطان، فأُمضيت هُدنة بين الطرفين مُدَّتُها خمس سنوات.[33][en 12][en 13] ثُمَّ حوَّل السُلطان أنظاره ناحية إمارة البُغدان، إذ كان أميرُها السابق أسطفان بن بُغدان، الذي هزمه السُلطان الفاتح مرَّتين في معركتيّ واسلوي والوادي الأبيض، وفرَّ هاربًا إلى بولونيا، قد عاد إلى بلاده، واستغلَّ فترة انشغال بايزيد بِقتال أخيه جَمّ لِيتدخَّل في شُؤون إمارة الأفلاق الخاضعة لِلدولة العُثمانيَّة، فأزاح أميرها المُوالي لِلعُثمانيين «بساراب الأصغر» وقتلهُ في إحدى المعارك، واستبدلهُ بِالأخ غير الشقيق لِڤلاد دراكول المُخوزق، المدعو «ڤلاد الراهب». لكنَّ الأخير لم يلبث أن اعترف بِتبعيَّته لِلسُلطان،[en 14] ممَّا دفع بِأسطفان بن بُغدان إلى التحالف مع أمير المسكوب إيڤان الثالث خوفًا من أي هُجُومٍ عُثمانيٍّ لن يقوى على دفعه مُنفردًا.[en 15] ورأى السُلطان في تصرُّف الأمير البُغداني اعتداء وقرَّر الرد عليه، ووضع نصب عينيه افتتاح مدينتيّ كيلية وآق كرمان، التي لم يتمكَّن السُلطان مُحمَّد الفاتح من إخضاعها تمامًا مع سائر بلاد البُغدان.[31] وهدف السُلطان من وراء استهداف المدينتين المذكورتين إلى تحقيق مُكتسباتٍ استراتيجيَّةٍ واقتصاديَّة. فمن الناحية الاستراتيجيَّة ستؤدي السيطرة عليهما إلى فتح الطريق أمام العُثمانيين إلى بولونيا والمجر، وتمركز الحاميات العُثمانيَّة فيها من شأنه أن يُعرقل تدخُّلات البُغدانيين في الأفلاق. أمَّا على الصعيد الاقتصادي، فإنَّ المدينتين تُعدَّان مينائين تجاريين هامّين، وتقعان على منفذ الطريق الاقتصادي الذي يربط بولونيا وبلاد البلطيق بِالمشرق الإسلامي عن طريق بحر البنطس (الأسود). وبِالاستيلاء على هذين الموقعين تكسب الدولة ثروة كما تُضعف إمارة البُغدان، وسيُحقق العُثمانيُّون السيطرة على مُجمل البحر سالِف الذِكر، وهي النتيجة المأمولة لِلسياسة المُطبَّقة بِشكلٍ واعٍ في المُنطقة مُنذُ عهد السُلطان مُحمَّد الفاتح.[33]

خان القرم منكلي كراي (وسط الصورة) وبِجانبه ولده مُحمَّد، يُقابلان السُلطان بايزيد أثناء حملته على البُغدان.

ولمَّا لم تكن البُغدان مشمولةً بِالهُدنة المعقودة مع المجر، كان بِوسع السُلطان بايزيد التحرُّك دون خوف، فأرسل بدايةً إلى الأمير أسطفان يُطالبه بِالخِراج المُستحق على بلاده،[33] ولمَّا لم يلقَ استجابةً، نادى بِجمع الجُيُوش وخرج فيهم إلى صوب أدرنة يوم الجُمُعة 4 ربيع الآخر 889هـ المُوافق فيه 30 نيسان (أبريل) 1484م، وأرسل سُفُنًا مشحونة بِالذخائر والآلات والرجال من بحر البنطس (الأسود) إلى ثغر نهر الطونة (الدانوب) ثُمَّ صُعُودًا عبره إلى المقصد. ولمَّا وصل السُلطان إلى أدرنة أمر ببناء عمارةٍ عظيمة أطلق عليها «دارُ الشِّفاء»، وهي عبارة عن مُجمَّعٍ يضُمَّ بيمارستانًا لِعلاج مُختلف الأمراض وأبرزُها الأمراض العقليَّة، ومدرسة لِتعليم الطب، ومسجدًا جامعًا.[35][34] وحدث أثناء إقامة السُلطان بِالمدينة أن اندلع فيها حريقٌ كبيرٌ أتى على سوق الحرير، فأمر بِإعادة بناءه بِالحجر والجص، ثُمَّ توجَّه إلى البُغدان، فعبر نهر الطونة بِالسُفن عند قصبة «إيساقجي» في إقليم دبروجة، والتحق به أميرُ الأفلاق مع عسكره. وتجمَّعت الجُيُوش العُثمانيَّة على مدينة «كيلية»، فضربت الحصار عليها يوم 11 جُمادى الآخرة 889هـ المُوافق فيه 5 تمُّوز (يوليو) 1484م، فطلب أهلها الأمان بعد عدَّة أيَّام، فأجابهم السُلطان إلى طلبهم ودخل المدينة صُلحًا يوم 20 جُمادى الآخرة المُوافق فيه 14 تمُّوز (يوليو) من السنتين سالِفتا الذِكر.[34][33] ثُمَّ توجَّه السُلطان إلى آق كرمان، فقابلهُ في الطريق خان القرم منكلي كراي الجنكيزي يصحبه ولده مُحمَّد كراي، على رأس خمسين ألف مُقاتل من التتر، وهنَّأ السُلطان بِتربُّعه على عرش آل عُثمان وانضمَّ إليه في زحفه على المدينة سالِفة الذِكر.[34] وفي 28 جُمادى الآخرة المُوافق فيه 22 تمُّوز (يوليو) ضرب العُثمانيُّون الحصار على آق كرمان،[33] وجدَّ العساكر في القتال والتضييق على حاميتها حتَّى استأمنوا إلى السُلطان وسلّمُوه القلعة، فدخلها صُلحًا يوم 16 رجب 889هـ المُوافق فيه 8 آب (أغسطس) 1484م، واغتنم الجُنُودُ منها غنائم عظيمة، وصرف بايزيد حصَّته من الغنائم على أعمال الخير وبِالأخص بناء المصالح العامَّة في أدرنة، وأعطى منها أشياء كثيرة إلى خان القرم وقادته وحاشيته، وخلع عليه بِقلنسُوة بيضاء وأسكوفةً(5) مطليَّةً بِالذهب، وأذن لهُ بِالعودة إلى دار مُلكه، فكانت تلك أولى الحملات العسكريَّة التي شارك بها خوانين القرم إلى جانب العُثمانيين، بعد أن أصبحوا يتبعون الدولة العُثمانيَّة زمن السُلطان مُحمَّد الفاتح. وما أن تمَّ أمر هذه الفُتُوحات حتَّى قدِم الأمير أسطفان بِنفسه إلى ركاب السُلطان وأعلن خُضُوعه وتبعيَّته تفاديًا لِحُصُول ما لا تُحمد عُقباه،[en 16] فقبل منهُ السُلطان ذلك، ثُمَّ قفل وعاد إلى أدرنة، حيثُ استقبل وُفُودًا من رُسُل السلاطين والمُلُوك الذين أتوا لِتعزيته بِوفاة ولده الشاهزاده عبد الله، الذي تُوفي قبل بضعة شُهُور من هذه الوقائع، وتهنئته بانتصاراته، وفي مُقدِّمتهم سُلطان دلهي إسكندر بن بهلول اللودهي، والسُلطان المملوكي قايتباي، وملك المجر متياس كورڤن.[34]

خريطة تُظهرُ موقع إمارة البُغدان (بِالبُرتُقالي) إلى جانب إمارتيّ الأفلاق (بِالأخضر) والأردل (ترانسلڤانيا) (بِالأصفر)، وهي ما تُشكِّلُ اليوم مُجتمعةً جُمهُوريَّة رومانيا. يظهر على الخريطة أيضًا موقع مدينتيّ كيلية وآق كرمان، مُسببتا النزاع العُثماني البُغداني في عهد السُلطان بايزيد الثاني.

بعد تحقيق هذا النصر، أصبح العُثمانيُّون يتحكَّمُون بِجميع مرافئ بحر البنطس (الأسود)،[en 17] ممَّا أثار مخاوف الملك البولوني كازيمير الرابع الذي كان حتَّى ذلك الوقت مُحايدًا في صراع العُثمانيين والبُغدانيين، لكنَّهُ رأى أنَّ تحُّكم السلطنة بِثُغُور نهريّ الطونة والدنيپر من شأنه تهديد بلاده، فرأى أن يتدخَّل في إمارة البُغدان، فشكَّل حزبًا مُعاديًا لِلعُثمانيين،[en 18] وقيل بل انضمَّ إلى حزبٍ قائمٍ يُعارض التقدُّم الإسلامي في البلقان،[en 19] وحظي بِدعمٍ خجولٍ من الفُرسان التيوتونيين،[en 20] وتوجَّه هذا الحزب بِالنداء إلى الأمير أسطفان بن بُغدان أن يخلع طاعة السُلطان ويسترد ما أُخذ منه، فاستجاب الأخير وشنَّ هُجُومًا مُفاجئًا على آق كرمان في أواخر ربيع سنة 1485م، لكنَّهُ أخفق في استرداد المدينة،[36] إذ بيَّته من فيها الجُنُود العُثمانيين (أي هاجموه ليلًا)، وانتصروا عليه وأسروا كثيرًا من أصحابه، وقتلوا مثلهم، فعاد خائبًا مُنكسرًا.[34] ولمَّا بلغ السُلطان ما حدث، أرسل إلى بكلربك الروملِّي علي باشا الخادم بِأن يُغير على إمارة البُغدان لِمُعاقبة أسطفان، فسار علي باشا في شعبان سنة 890هـ المُوافقة لِسنة 1485م من طريق الأفلاق، وانضمَّ إليه أميرُها مع عسكره على حسب الأمر السُلطاني، فدخلوا بلاد البُغدان وهرب الأمير أسطفان من أمامهم إلى بولونيا، بينما خضع الكثير من قادته وأتباعه لِعلي باشا، الذي بثَّ السرايا إلى أطراف البلاد فسبوا وغنموا دون تعرُّض لِأتباع المُسالمين، ثُمَّ عادوا أدراجهم وأرسلوا خُمس الغنائم إلى العتبة السُلطانيَّة في إسلامبول.[34] أمَّا الأمير أسطفان فإنَّهُ ما أن دخل بولونيا حتَّى سارع إلى الاستنجاد بِملكها كازيمير وأقسم الولاء له يوم 3 رمضان 890هـ المُوافق فيه 12 أيلول (سپتمبر) 1485م،[en 21] فأمدَّهُ بِجيشٍ من البولونيين، وأخذ هو يستمدُ من أطراف البُغدان لِأخذ الثأر من العُثمانيين، فاجتمع عليه جمعٌ عظيم، وما لبث أن وصل الخبر إلى أمير سنجق البوسنة إسكندر باشا ميخائيل أوغلي، فأرسل أقدم أُمراء وأشجعهم، وهو علي بك بن مالقوج، لِيُرابط في سيلسترة على تُخُوم إمارة البُغدان ويحفظ تلك الحُدُود، وأطلق يده في الإغارة على بلاد البُغدان وإيصال الخسارة إليها. فجمع علي بك جمعًا عظيمًا من الآقنجيَّة وعساكر الثُغُور، ودخل فيهم بلاد الأعداء، فبثَّ الآقنجيَّة إلى الأطراف وعسكر هو في قليلٍ من خواصه على ضفاف نهر بروت. وعلِم أسطفان بِقلَّة من مع علي بك عن طريق الجواسيس، فانتهز الفُرصة وأحاط بِمُعسكره، ولم يلبث أن تقاتل الطرفان وامتدَّ القتالُ إلى الليل، وكان علي بك قد احتاط في أمره، فجعل عددًا من جُنُوده يكمنون بِالطُبُول والنقَّارات في موضعٍ قريب، حتَّى إذا حلَّ الظلام خرجوا وهم يضربون طُبُولهم ونقَّاراتهم، فاضَّطرب البُغدانيُّون اعتقادًا بِأنَّ جيشًا عُثمانيًّا قد وصل، فانسحبوا من الميدان وتتبَّعهم علي بك فقتل فريقًا وأسر آخر، وفي غُضُون ذلك عاد الآقنجيَّة غانمين، فأرسل علي بك خُمس الغنائم إلى السُلطان وقسَّم الباقي على الجُنُود.[34] حاول الأمير أسطفان أن يُجابه العُثمانيين مُجددًا بعد بضعة شُهُور، فانكسر في وقعةٍ أمام إسكندر بك ميخائيل أوغلي، وكاد أن يُقتل لولا أن أنجده أحد البطاركة المُرافقين لِجيشه.[en 22] أمام هذا الواقع، لم يجد الأمير البُغداني بدًّا من الاعتراف بِعجزه أمام القُوَّة العُثمانيَّة، فراسل السُلطان بايزيد طالبًا الصُلح، فأجابه إليه وأُبرمت بين الطرفين هُدنة مُدَّتُها ثلاث سنوات تعهَّد فيها أسطفان بِالاعتراف بِتبعيَّته لِلسُلطان وبِدفع خراجٍ سنويٍّ لِلدولة العُثمانيَّة لقاء الاحتفاظ بِاستقلاله الإداري.[en 23]

ابتداء العلاقات الدبلوماسيَّة مع الدُول الأوروپيَّة

عهدنامه من السُلطان بايزيد الثاني إلى ملك بولونيا يُوحنَّا ألبرت الأوَّل، صدرت في إسلامبول يوم 1 رجب 899هـ المُوافق فيه 6 نيسان (أبريل) 1494م، وهي مكتوبة بِالإيطاليَّة.

تُوفي البابا إنوسنت الثامن بُعيد سُقُوط الأندلُس بِبضعة شُهُور، وتحديدًا يوم 30 رمضان 897هـ المُوافق فيه 25 تمُّوز (يوليو) 1492م، وخلفهُ البابا إسكندر السادس، سليل آل بورجيا النُبلاء، وسارع إلى العرض على السُلطان بايزيد أن يُخلِّصهُ من أخيه جَمّ، الذي كان ما يزال مُقيمًا في روما، لِقاء مبلغ ثلاثُمائة ألف دوقيَّة.[63] ويبدو أنَّ السُلطان رأى في تحريك قضيَّة أخيه مُجدَّدًا الفُرصة الضروريَّة كي ينفتح العُثمانيُّون دبلوماسيًّا على الدُول الأوروپيَّة، فطالما بقي جَمّ سُلطان في أيدي الغربيين يكون من المُفيد التفاهم معهم، فأرسل سفاراتٍ إلى عدَّة بلاطاتٍ أوروپيَّة، بما فيها البلاط البابوي في روما مُؤكدًا استمراره بِدفع الإتاوة السنويَّة لِقاء الحفاظ على أخيه.[33] ويُروى أنَّ البابا إسكندر حاول، كما سلفه إنوسنت الثامن، أن يُقنع جَمّ سُلطان باعتناق المسيحيَّة، رُغم عرضه على السُلطان أن يقتُله كما أُسلف، فكان ردُّ جَمّ: «لَيْسَتِ السَّلْطَنَةُ الْعُثْمَانِيَّةُ وَحَدَّهَا، بَلْ لَوْ أَعْطَيْتُم الدُّنْيَا بِأَسْرِهَا مَا غَيَّرْتُ دِينِي».[64]

والحقيقة أنَّ السعي نحو إقامة العلاقات الدبلوماسيَّة كان مُتبادلًا بين العُثمانيين والأوروپيين في تلك الفترة، وسببُ ذلك هو ازدياد قُوَّة الدولة ونُمُوِّها وانفلاشها الواسع في أوروپَّا، ممَّا جعل الدُول الأوروپيَّة تنظر إليها من زاوية مصالحها على أنَّها الدولة القويَّة التي يُمكن استغلالها لِتحقيق مصالحها الحيويَّة على حساب دُولٍ أوروپيَّةٍ أُخرى. ونتيجةً لِهذه النظرة في العلاقات السياسيَّة، تنافست الدُول الإيطاليَّة: مملكة النبلطان (ناپولي) ودوقيَّة ميلانو وجُمهُوريَّة فلورنسة، بالإضافة إلى الدولة البابويَّة بِشخص البابا إسكندر السادس، على اكتساب ود الدولة العُثمانيَّة والاستعانة بِجُنُودها وأساطيلها ضدَّ أعدائهم.[65] وفي هذه الفترة كانت الإمارة المسكوبيَّة (موسكو) قد برزت على المسرح السياسي، بعد أن تمكَّن الأمير إيڤان الثالث من ضمَّ مُعظم الإمارات الروسيَّة تحت حُكمه وتوحيدها في دولةٍ كبيرةٍ، وأخذ يسعى في تأسيس علاقاتٍ اقتصاديَّةٍ ودبلوماسيَّةٍ مع الدُول المُجاورة، فأرسل إلى إسلامبول أوَّل سفيرٍ روسيٍّ سنة 1492م وحمَّلهُ جُملة هدايا لِلسُلطان. وبعد ذلك بِأربع سنوات أرسل سفيرًا آخر واستحصل من السُلطان على بعض الامتيازات لِلتُجَّار الروس. وكان بايزيد قد عقد أيضًا مُعاهدةً حُبيَّةً مع مملكة بولونيا سنة 1490م وجدَّدها سنة 1492م، على أنَّها بقيت مُعاهدةً هشَّة بِسبب ادعاء كلٌّ من الدولتين حق السيادة على بلاد البُغدان.[66]

شارل الثامن ملك فرنسا يدخل مدينة فلورنسة على رأس جيشه أثناء توجهه جنوبًا نحو النبلطان.
طبعة حجريَّة تُصوِّرُ يسارًا تسليم الشاهزاده جَمّ سُلطان إلى الملك الفرنسي، وتُصوِّره يمينًا وهو على فراش الموت، وقد أحاط به رجاله الذين رافقوه طيلة فترة نفيه.

خِلال تلك الفترة، اجتاح شارل الثامن ملك فرنسا شبه الجزيرة الإيطاليَّة وغايته الاستئثار بِتاج النبلطان. وسببُ ذلك أنَّ الملك فرديناند لمَّا تُوفي سنة 1494م، خلفهُ على العرش ابنه ألفونسو طبق نظام الوراثة الطبيعي، غير أنَّ الملك الفرنسي سُرعان ما طالب بِالعرش لِنفسه، مُتحجِّجًا بِأنَّ البابا الراحل إنوسنت الثامن، كان قد منحهُ الحق في مُلك تلك البلاد سنة 1489م. إذ كان البابا قد دخل في نزاعٍ مع فرديناند، فأصدر مرسومًا تضمَّن حرمان الملك الأخير حرمانًا كنسيًّا وخلعه عن العرش، وفوَّض المُلك إلى شارل الثامن بِحُجَّة أنَّ لهُ نسبًا نبلطانيًّا من جهة جدَّته مريم الأنجيرشيَّة ابنة لويس الثاني تاسع مُلُوك النبلطان.[en 33] لكنَّ البابا المذكور عاد وألغى مرسومه قبل وفاته، ورضي عن فرديناند، ممَّا سمح لِابنه بِتولِّي العرش بُعيد وفاة أبيه كما أُسلف.[en 34] وازدادت الأُمُور توتُرًا لمَّا ادَّعى ألفونسو الحق في دوقيَّة ميلانو، فارتاع دوقها لويس سفورزا (بالإيطالية: Ludovico Sforza) وخاف أن يخسر عرشه، فحثَّ الملك الفرنسي على التدخُّل عسكريًّا وأخذ البلاد النبلطانيَّة بِالقُوَّة.[en 35] عند هذا، سار الملك الفرنسي على رأس جيشه ودخل إيطاليا، فتساقطت أمامه المُدن الواحدة تلو الأُخرى حتَّى بلغ روما نفسها. ويظهر أنَّ لويس، وهو في نشوة انتصاره، رغب بشن حملةٍ صليبيَّةٍ على العُثمانيين لِإخراجهم من إسلامبول وإعادة المدينة إلى أحضان العالم المسيحي، فأجبر البابا إسكندر السادس على تسليمه الشاهزاده جَمّ سُلطان، واصطحبهُ معهُ جنوبًا نحو مملكة النبلطان، وأرسل من يُمهِّد لهُ الطريق نحو العاصمة العُثمانيَّة من دُعاة الفتنة والفساد، لِتهيئة النُفُوس وإثارة الأفكار ضدَّ العُثمانيين في كُلٍ من بلاد الأرناؤوط ومقدونيا واليونان. إلَّا أنَّ هذه الحملة المُخطَّط لها اصطدمت بِالمصالح الحيويَّة لِكُلٍّ من ألفونسو ملك النبلطان وأغسطس بارباريگو (بالإيطالية: Agostino Barbarigo) دوق البُندُقيَّة، فوضعا العراقيل أمام الفرنسيين، وأرسلا إلى السُلطان بايزيد يُخبرونه بِمشروع ملك فرنسا ودسائسه وطلبوا منه أن يُرسل جُيُوشه إلى بلاد إيطاليا وأن يأخذ حذره في داخليَّته.[66] وفي غُضُون ذلك كان شارل الثامن قد دخل أراضي مملكة النبلطان وتوجَّه لِيضرب الحصار على قصبتها، ومعهُ الشاهزاده جَمّ، فمرض الأخير مرضًا شديدًا ولم يلبث أن فارق الحياة في مدينة كاپوة يوم 30 جُمادى الأولى 900هـ المُوافق فيه 25 شُباط (فبراير) 1495م، ودُفن في بلدة غيطة، ويُقال أنَّ البابا دسَّ لهُ السُّمَّ قبل تسليمه لِلفرنسيين، فقضى نحبه عن 36 سنة، بعد أن أمضى في المنفى 12 سنة و4 أشهر و29 يومًا، ولمَّا وصلت أنباء وفاته إلى السُلطان بايزيد، أعلن الحداد في البلاد لِثلاثة أيَّام، وأُقيمت صلاة الغائب عن روح الشاهزاده الفقيد، ووُزِّعت الصدقات على الفُقراء راحةً لِنفسه.[66][52] ولم يتمكَّن السُلطان من استرداد رُفات أخيه إلَّا بعد أربع سنواتٍ من وفاته، إذ جرى التحفُّظ عليها بِحال اضطرَّت أوروپَّا أن تستغلَّها ضدَّ الدولة العُثمانيَّة، لكنَّها سُلِّمت في نهاية المطاف، فأمر بايزيد بِنقلها إلى مدينة بورصة حيثُ وُريت الثرى إلى جانب قُبُور آل عُثمان.[64]

الحملتان على بولونيا

رسمٌ يُصوِّرُ معركة قرابوة بين العُثمانيين والكرواتيين.

قبع السُلطان بايزيد في إسلامبول نحو ست سنواتٍ دون أن يخرج منها في أي حملةٍ عسكريَّة، وقد استثمر تلك الفترة في إبرام المُعاهدات الدبلوماسيَّة مع الدُول الأوروپيَّة كما أُسلف. والغزوات الوحيدة التي وقعت خِلال هذه الفترة كانت تلك التي قام بها أمير سنجق البوسنة يعقوب بك الخادم، بِإذنٍ من السُلطان، على الكروات والمجر. ذلك أنَّ أحد الأُمراء الكرواتيين، المُسمَّى بالتُركيَّة «كيرقالي»، خلع طاعة السُلطان وأغار على بعض البلاد العُثمانيَّة الحُدوديَّة، وأعانه في ذلك ملك المجر الجديد ڤلاديسلاڤ الثاني، الذي هو ابن كازيمير الرابع ملك بولونيا، فأرسل إليه أحد أبرز قادته من عشيرة «ديرينجين» النبيلة (بالمجرية: Derencsényi)‏، وهو الذي سُمِّي بِالتُركيَّة «درنجيل» واسمه الفعلي «أمريك الديرينجيني» (بالمجرية: Imre Derencsényi)‏، فأغار وعاث في المناطق الحُدُوديَّة مع حليفه المذكور.[67] فحمل يعقوب بك على الإمارات الكرواتيَّة التابعة لِمملكة المجر، ونازل أولًا حصن يايجة،[67] لكنَّهُ لم يقدر على افتتاحه، فتوجَّه ناحية الشمال الغربي وأغار على إقليميّ كارنيولة وجسار، وترك جُنُوده ينهبون ويغنمون من تلك البلاد الشيء الكثير.[en 36][67] ثُمَّ سار فدخل بلاد «قرقات» ونهبها وخربها نحو خمسة عشر يومًا، ثُمَّ توجَّه إلى إمارة بني ديرينجين ونهبها وأحرقها وجعل قُراها وقصباتها قاعًا صفصفًا، فثارت ثائرة القائد المجري، وتوجَّه مُسرعًا إلى قتال يعقوب بك، بعد أن جمع جيشًا قوامه 3,000 فارس و8,000 راجل، بما فيهم عساكر وفلَّاحين، من مُختلف الإمارات الكرواتيَّة،[en 37][67][en 38] والتقى الجمعان في موضعٍ سهليٍّ يُقال لهُ «قرابوة» أو «قرابو» (بالكرواتية: Krbava) يوم 28 ذي القعدة 898هـ المُوافق فيه 9 أيلول (سپتمبر) 1493م، حيثُ دارت رحى معركةٍ طاحنة انتصر فيها العُثمانيُّون انتصارًا ساحقًا، ووقع أمريك الديرينجيني في الأسر، فأُرسل إلى السُلطان الذي أمر بِحبسه في قلعة أفيون قره حصار، وبقي فيها حتَّى مات.[67] ويبدو أنَّ هذه الهزيمة لِلمجريين، المُرتبطة مملكتهم بِرابط الدم مع مملكة بولونيا، حيثُ أنَّ يُوحَّنا ألبرت الملك الجديد لِبولونيا وڤلاديسلاڤ الثاني هُما شقيقان، أثارت الملك الأوَّل وجعلتهُ يُضاعف من تحرُّشاته بِبلاد البُغدان التابعة لِلدولة العُثمانيَّة، دون أن يُخفف ذلك من غايته الأساسيَّة وهي السيطرة على مينائيّ كيلية وآق كرمان الذين أخذهما العُثمانيُّون قبل عدَّة سنوات.

لوحة تُصوِّرُ ملك بولونيا يُوحنَّا ألبرت وهو يفُرُّ ناجيًا بِحياته أثناء وقعة بوكوڤينة.

وفي شهر جُمادى الآخرة 899هـ المُوافق لِشهر نيسان (أبريل) 1494م، دعا ڤلاديسلاڤ الثاني أشقاؤه الأربعة، بما فيهم يُوحنَّا ألبرت وسيگيسموند، إلى الاجتماع في مدينة لوچة،[en 39][en 40] حيثُ قرَّروا القيام بِحملةٍ صليبيَّةٍ ضدَّ العُثمانيين.[en 40] ورأى يُوحنَّا ألبرت أنَّ الأنسب هو توطيد السيادة البولونيَّة على البُغدان أولًا، واستخلاص مينائيّ كيلية وآق كرمان، وإزاحة الأمير أسطفان بن بُغدان عن عرشه، كونه هادن العُثمانيين ولم يعد يُؤتمن له، وتنصيب سيگيسموند بدلًا منه، ثُمَّ الانطلاق نحو الأراضي العُثمانيَّة نفسها.[en 41][en 42] وفي سنة 903هـ المُوافقة لِسنة 1497م، أغار يُوحنَّا ألبرت على بعض البلاد الإسلاميَّة في البُغدان وأرسل إلى الأمير أسطفان بن بُغدان يحُثُّه على خلع طاعة السُلطان بايزيد والانضمام إليه. لكنَّ أسطفان، الذي كان خبر وجرَّب كُلٌ من العُثمانيين والبولونيين في الحرب والسياسة عدَّة مرَّات، عَلِمَ عاقبة عصيانه فيما لو أطاع الملك البولوني، كما استشعر منه الغدر والخيانة؛ فأظهر المُوافقة، وأبطن خِلافها، فأرسل إلى العتبة السُلطانيَّة يعرض الحال، وطلب أن يُرسل إليه أحدٌ من أُمراء السناجق في عسكره بِأسرع وقت، فأرسل إليه السُلطان أحد الأُمراء في نحو ستمائة فارس، فجعملهم يكمنون في إحدى المواضع، وألبس أربعة آلاف رجُل من جُنده لباس العُثمانيين وجعلهم يكمنون أيضًا في موضعٍ قريبٍ من المُسلمين.[68] وفي ذلك الوقت كان يُوحَّنا ألبرت قد نزل في حُدُود البُغدان، بِمنطقة بوكوڤينة، في نحو ثمانين ألف مُقاتل، فسار إليه الأمير أسطفان وأخبرهُ بِأنَّ طليعة الجيش العُثماني قد دخلوا بلاده وكمنوا في عدَّة مواضع، وفي عقبهم جُنُودٌ لا تُعد ولا تُحصى، ونصحهُ بِأن يُرسل معهُ عدَّة آلاف من نُخبة جيشه حتَّى يكبس طليعة العُثمانيين معهم، فأرسل معهُ ستَّة آلاف من شُجعان عسكره، فسار معهم الأمير البُغداني وجرَّهم إلى كمين المُسلمين، فخرج عليهم المُسلمون أولًا ثُمَّ البُغدانيُّون المُتنكرون، وأمعنوا فيهم تقتيلًا حتَّى قُضي على أغلبهم، وتفرَّق الباقون في الجبال. بعد ذلك سار الجيش العُثماني حتَّى وصل بوكوڤينة حيثُ مُعسكر الملك البولوني، ففرَّ من أمامهم وترك جميع أثقاله في مكانها، ولم يستقر إلَّا في وسط بلاده، فغنم المُسلمون منه عشرين ألف عربة مملوءة بِالأموال والأمتعة والآلات، وأرسل الأمير أسطفان أغلبها مع الأسرى إلى العتبة السُلطانيَّة، فسُرَّ السُلطان بِما رآه من موقف وفعل الأمير المذكور، فأرسل إليه خُلعًا فاخرة وأسكوفة مطليَّة.[68][58]

جداريَّة تُصوِّرُ البُغدانيُّون وهم يفتكون ببعض أهالي مدينة پرزميسل أثناء حملتهم على بولونيا ضمن الحملة العُثمانيَّة الشاملة.

وبعد ثلاثة أشهر من الحملة الأولى،[69] أمر السُلطان أمير سنجق سيلسترة «بالي بك بن مالقوج» بِأن يجمع من يُريد من عساكر الروملِّي ويسير فيهم إلى بلاد بولونيا لِلإغارة عليها وتخريبها، لِلحيلولة دون تعدِّي الملك يُوحنَّا مُجددًا، فجمع بالي بك نحو أربعين ألف مُقاتل من الآقنجيَّة وسار فيهم إلى البُغدان حيثُ استقبله الأمير أسطفان ودلَّهُ على أسهل الطُرق، فسار بالي بك حتَّى دخل بولونيا مع جُنُوده، وتابع زحفه حتَّى وسطها، فعاث وأحرق وسبى وغنم، ولم تسلم من يديه أهم المُدن البولونيَّة، بما فيها العاصمة قراقوه (كراكوڤ)، التي دمَّرها وخرَّبها، ثُمَّ تابع سيره شمالًا مُنزلًا العقاب نفسه بِكُلٍ من: لوبلين ورادوم وياروسلاڤ ولڤيڤ، ووصل في صُعُوده حتَّى مسافة 220 كيلومتر عن بحر البلطيق،[67] فغنم العُثمانيُّون ما لا يُعد ولا يُحصى، وأسروا خلقًا كثيرًا بحيثُ تعسَّر عليهم النقل والارتحال بِكثرة الغنائم والأثقال، فرأى بالي بك أن يعود بِجيشه قبل أن يستجمع الملك البولوني قُوَّته ويُعيد تنظيم جُيُوشه، فارتدَّ جنوبًا مُقاتلًا كُل من وقف في دربه حتَّى وصل ثغريّ آق كرمان وكيلية، فأرسل خُمس الغنائم إلى عتبة السُلطان، ووزَّع الباقي على الجُنُود وأذن لهم في الرُجُوع إلى بلادهم.[68] وفي تلك الأثناء كان أسطفان نفسه يُغيرُ مع جُنُوده على بلادٍ أُخرى تابعة لِمملكة بولونيا مثل ياڤوروڤ وپرزميسل، فأمعن فيها سلبًا وقتلًا حتَّى أُنهكت بولونيا وجُنُودها من كثافة الغارات وعُنفها، ولم يعد بإمكان ملكها المضي قُدمًا في مُخططه. وتنص بعض المصادر أنَّ أسطفان قام بِغاراته سالِفة الذِكر من تلقاء نفسه، مُستغلًّا انشغال البولونيين بِالعُثمانيين، لِينتقم من يُوحنَّا ألبرت لِما أضمره تجاهه من الشر.[en 43][en 44][en 45] وبحسب مصادر أُخرى فإنَّ حملة الأمير البُغداني كانت جُزءًا من الحملة العُثمانيَّة العامَّة، وبِتوجيهٍ من بالي بك بن مالقوج، الذي زوَّد أسطفان بِجُنُودٍ عُثمانيين، والتحق بهم أيضًا بعض التتر القرميين.[en 46]

حرب البُندُقيَّة

بعد هزيمة بولونيا وتخريب الكثير من بلادها، واضطرارها أن تبتعد عن التدخُّل في شؤون البُغدان، وبِالتالي شُؤون بحر البنطس (الأسود)، ولو حتَّى حين؛ خشيت كُلٌ من مملكة المجر وجُمهُوريَّة البُندُقيَّة الاندحار الكامل لِتلك الدولة في حال وجَّه إليها السُلطان حملةً جديدة، فأعلنتا الحرب على العُثمانيين،[69] لِينتهي بِذلك السلام الهش الذي كان قائمًا بين جُمهُوريَّة البُندُقيَّة والدولة العُثمانيَّة بُعيد هزيمة الأولى في الحرب الكُبرى زمن السُلطان مُحمَّد الفاتح. وممَّا شكَّل سببًا آخر لِلحرب هو الغارات المُتالية لِأُمراء الحُدود العُثمانيين على مُمتلكات البُندُقيَّة، وسوء مُعاملة البنادقة لِلرعايا العُثمانيين من التُجَّار والبحَّارة، حيثُ كانوا يتعرَّضون إلى كثيرٍ من الإساءات. وكانت البُندُقيَّة قد انتهزت فُرصة انشغال السُلطان بايزيد بِحربه مع المماليك، فأرسلت أساطيلها البحريَّة لِمُهاجمة السواحل العُثمانيَّة في شبه جزيرة المورة. لِذلك، ما أن فرغ السُلطان من مشاكله مع المماليك وما تبعها من أزماتٍ في أوروپَّا، حتَّى قرَّر التصدِّي لِلبنادقة. والحقيقة أنَّ بايزيد كان عازمًا على مُواصلة سياسة والده الفاتح بِالقضاء على الجُيُوب الإفرنجيَّة في بلاد اليونان،[65] لِذلك سارع بِإعداد العدَّة اللَّازمة، فأنشأ عدَّة سُفُن جسيمة منها سفينتان طول كُل واحدة منهُما سبعون ذراعًا وعرضها سبعون ذراعًا، وسلَّحهما بِالمدافع العظيمة وجعل في كُلٍّ منهما ألفيّ مُقاتل، وجمع نحو ثلاثُمائة سفينة أُخرى بين كبيرة وصغيرة وجعل على إمارة قسمٍ منها كمال ريِّس وعلى إمارة القسم الآخر بُراق ريِّس، وبلغ مقدار ما صُرف على تجهيز هذه السُفُن نحو عشرين ألف دينار سوى أُجرة العُمَّال. وبِذلك أصبح السُلطان على أتمَّ استعداد لِغزو ثُغُور البنادقة الباقية على أطراف بلاده.[70][71]

الحملة على التيرول والفريول

خريطة تُظهرُ موقع مدينة البُندُقيَّة المنيع، الذي حال دون فتحها على يد إسكندر باشا.

بعد تمام التحضيرات العسكريَّة، تجهَّز السُلطان لِلمسير إلى فتح بقايا أملاك البنادقة المُجاورة لِلأراضي العُثمانيَّة في البلقان، وفي مُقدِّمتها ثُغُور ليپانت ومودونة وكورونة، إلَّا أنَّهُ خشي من حُصُول هُجُومٍ مسيحيٍّ على الدولة عبر بلاد البُشناق لِمُتاخمتها حُدُود جُمهُوريَّة البُندُقيَّة ومملكة المجر، فالتمس منهُ أمير سنجق البوسنة إسكندر باشا ميخائيل أوغلي أن يُفوِّض إليه ثُغُور البُشناق ويجعلهُ مُتقاعدًا عن الوزارة بِتلك البلاد، فيحفظها من أيِّ هُجُوم. ووافق السُلطان على ذلك، إذ كان إسكندر باشا يعرفُ تلك الثُغُور وطريق مُحافظتها لِكونه تولَّى إمارتها مُدَّةً مديدة مُنذُ زمن السُلطان مُحمَّد الفاتح، فجمع إسكندر باشا شُجعان الجُنُود من تلك البلاد وسار فيهم، سنة 904هـ المُوافقة لِسنة 1499م، حتَّى دخل إقليم التيرول ووصل بلدة وارنة (ڤارنا) (بالألمانية: Vahrn)، فخربها وغنم وأسر منها، وأرسل الغنائم والأسرى إلى العتبة السُلطانيَّة.[71] وكان السُلطان لم يُغادر في حملته بعد، فلمَّا وصلته مراسيل إسكندر باشا فرح بها، وأرسل إليه خُلعًا وسيفًا وأمرهُ أن يُغير على بلاد البنادقة مُجددًا، فانتخب إسكندر باشا خمسُمائة فارس من أفضل وأشجع عسكره، وأغار فيهم أولًا على بلاد جسار (جنوب أرشدوقيَّة النمسا) نحو عشرين يومًا، ثُمَّ توجَّه إلى جُمهُوريَّة البُندُقيَّة ودخل إقليم الفريول ثُمَّ اجتاز نهر إيزونطو بِمشقَّةٍ لِكثرة تشعُّباته، وأغار على النواحي حتَّى وصل إلى أرباض مدينة البُندُقيَّة،[71][72] فتبيَّن لهُ أنَّ موقعها كالجزيرة، فلا يُمكن الوُصُول إليها لِإحاطة البحر بها، فاكتفى بِتخريب الحُصُون التي تتبعها، وأحرق قُراها وقصباتها، وغنم أموالًا عظيمة، وسبى من أهلها، ثُمَّ عاد مُحمَّلًا بِالغنائم والسبايا، لكنَّهُ ما أن وصل إلى بلدةٍ تُسمَّى «دولينة» (بالإيطالية: San Dorligo أو Dolina) حتَّى فُوجئ بِجيشٍ بُندُقيٍّ يُحيطُ به، فقاتلهم ودفعهم، وعبر مياه النهر العميقة وأغار مُجددًا على البلاد المُتاخمة لِلبُشناق طيلة ثمانية أيَّام، ثُمَّ دخل سنجق البوسنة غانمًا، فأرسل الخُمس إلى السُلطان، الذي سارع إلى عرض المكاسب على الجيش، فابتهج الجُنُود وقوي قلبهم لِلحملة القادمة.[71]

فتح ليپانت

رسمٌ لِفنَّانٌ بُندُقيٌّ مجهول يُصوِّرُ تلاصق واشتباك سُفُن العُثمانيين والبنادقة في حلق ميناء ليپانت.

لمَّا تمَّت الحملة العسكريَّة لِإسكندر باشا، واكتملت التجهيزات العُثمانيَّة، واطمئنَّ السُلطان بايزيد أنَّ أحدًا من جهة الشرق، سواء المماليك أو الآق قويونلويين، لا ينوي مُهاجمة دولته،[69] خرج من دار مُلكه إسلامبول في 20 شوَّال 904هـ المُوافق فيه 31 أيَّار (مايو) 1499م، وسار إلى أدرنة ثُمَّ إلى سيروز ثُمَّ إلى يكيجة وآردار، فأرسل بكلربك الروملِّي مُصطفى باشا في مُقدِّمته وأمرهُ بِحصار ليپانت إلى أن يصل السُلطان إليه،[71] وأرسل قسمًا من الأُسطُول الذي أعدَّه إلى قبرص، أهم مُستعمرة لِلبنادقة في المشرق الإسلامي، فاضطرَّت البُندُقيَّة إلى أن تُرسل قُوَّاتٌ كبيرة إلى الجزيرة المذكورة، خوفًا من عمليَّة إنزالٍ عُثمانيَّة.[69] أمَّا بقيَّة السُفُن الإسلاميَّة فتوجَّهت إلى ليپانت لِتكتشف أنَّ البنادقة قد سدُّوا حلق ميناء المدينة المذكورة في نحو مائةٍ وخمسين سفينة بِقيادة أمير البحار أنطونيو گريماني (أصبح دوق البُندُقيَّة فيما بعد)، على مسافةٍ من مياه جزيرة «ساپينتزة» الصغيرة في الناحية الغربيَّة من مياه رأس ميسينية، الواقع في رأس المورة الجنوبي الغربي.[71][69] وجعل البنادقة أيضًا مدافع كبيرة في طرفيّ الحلق المذكور ومُقاتلين كُثُر لِلحيولة دون دُخُول العُثمانيين إلى ميناء ليپانت، فأوقعت السُفُن الإسلاميَّة بِسُفُن البنادقة، وباشر رُكَّابُها القتال بِالمدافع والبنادق والنشَّاب. ودخل البنادقة إلى عُمق الجناح الأيمن لِلأُسطُول العُثماني الذي كان يتولَّى إمارته بُراق ريِّس، وحاولوا إنزال رايته، فالتصقت السُفُن ببعضها، وكان بعضُها قد رُبط بِالبعض الآخر وأخذ البحَّارة يقفزون إلى سُفن بعضهم ويتقاتلون يدًا بِيد، فأمر بُراق ريِّس بِإطلاق المدافع الكبار والسُّفن على هذه الحالة، فأُصيبت البارجة الرئيسيَّة لِلبنادقة وغرقت، ولمَّا رأى أنَّ لا مناص لِسُفُن الإسلام بِالخُرُوج من تلك المعمعة، فضَّل الاستشهاد، فألقى النفط والبارود على السُفُن المُجاورة ثُمَّ أشعل مخزن البارود في سفينته، فانفجرت مُدمِّرةً معها قسمٌ كبير من الأُسطُول البُندُقي، ومات في هذا الانفجار نحو 500 جُندي مُسلم والكثير من الجدَّافة، وقُبطانان عُثمانيَّان هُما كمال بك أمير يني شهر وقره حسن ريِّس، إضافةً إلى قُبطانين بُندُقيين، ونجا نحو سبعُمائة رجل أنقذتهم الزوارق العُثمانيَّة.[71][69] ولمَّا رأى كمال ريِّس فداحة الانفجار، أخذ يقصف السُفُن البُندُقيَّة الأُخرى من بعيد، إذ كان قد وضع في سُفُنه - لِأوَّل مرَّة في تاريخ البحريَّة - مدافع ذات مدى بعيد، بحيثُ تتمكَّن من إصابة سُفُن العدوّ من مسافةٍ مُعيَّنةٍ، بينما تسقط طلقات العدوّ خارج مرمى السُفُن العُثمانيَّة ولا تُصيبُها. أمام هذه الخسارة الجسيمة، أدار الأُسطُول البُندُقي دفَّته نحو الشمال وهو في حالةٍ يُرثى لها،[69] وانسحب من الميدان، فكان النصرُ لِلعُثمانيين، الذين سارعوا بِدُخُول ميناء ليپانت، فأرسل حاكمها مفتاح القلعة إلى مُصطفى باشا المُحاصر من البر مُستأمنًا إليه، فإنَّهُ كان قد وعدهُ بِتسليم المفتاح إذا دخلت السُفُن العُثمانيَّة الميناء، ظنًّا منهُ أنَّ ذلك محال، فلمَّا حصل النصر نفَّذ ما وعد به، وتسلَّم مُصطفى باشا القلعة بِالأمان يوم 24 مُحرَّم 905هـ المُوافق فيه 30 آب (أغسطس) 1499م، وأرسل مُبشِّرًا إلى عتبة السُلطان يُخبره بِذلك، فأظهر الفرح والسُرُور وعيَّن لِلمدينة أميرًا وقاضيًا، وأمر بِبناء قلعتين على طرفيّ ثغر الخليج لئلَّا تقدر السُفُن المسيحيَّة على الدُخُول إليه بعد ذلك. وأمر أيضًا بِأن تشتي السُفُن العُثمانيَّة في ميناء «غازي أمور بك» بِقُرب كرمه حصار بِالمورة، على أن تُعاود الحملة في الربيع لِإتمام طرد البنادقة.[71][69] جديرُ بِالذِكر أيضًا أنَّ العُثمانيُّون بدَّلوا اسم جزيرة «ساپينتزة» بعد تمام هذا الفتح، فجعلوها «جزيرة بُراق ريِّس»،[70] كما أصبحت ليپانت تُعرف بِـ«إينه بختي».

فتح ثُغُور مودونة وكورونة وناورين (ناڤارين)

لوحة تُصوِّرُ بعض ما بقي من سُفُن البنادقة بُعيد انتصار الأُسطُول العُثماني عليها في وقعة مودونة.
أطلال قلعة ناورين (ناڤارين) كما تبدو اليوم، وهي القلعة التي وجدها علي باشا مهجورة، فضمَّها إلى أملاك العُثمانيين بِيُسرٍ.

بعد فتح ليپانت، أضحى العُثمانيُّون سادة خليج كورنثة، فلم تركن البُندُقيَّة إلى الهُدُوء وهي ترى ضياع مُستعمراتها ومواقعها الحيويَّة، فهاجمت سُفُنها في شتاء سنة 905هـ المُوافقة لِسنة 1499م جزيرة كفالونية واستولت عليها، كما هاجمت ميناء پرويزة وأحرقت بعض السُفُن العُثمانيَّة التي كانت راسيةً فيه.[73] وكانت تلك السُفُن من إعداد مُصطفى باشا بِأمرٍ من السُلطان لِتعويض بعض ما خسره العُثمانيُّون في وقعة ليپانت، فلمَّا احترقت أرسل مُصطفى باشا يعرض الحال على العتبة السُلطانيَّة، فزاد ذلك من عزم بايزيد على القضاء على كُلِّ نُفُوذٍ لِلبنادقة على تُخُوم بلاده.[71] وما أن انقضى الشتاء حتَّى أرسل السُلطان رئيس المُجاهدين يعقوب باشا في عشرة آلاف راجل وعشرين ألف فارس لِيُحاصر قلعتيّ مودونة وكورونة من البر، وأرسل أيضًا القُبطان داود باشا النيشانجي لِيُقيم الحصار من البحر قبل وُصُول سُفُن البنادقة. وفي 9 رمضان 905هـ المُوافق فيه 7 نيسان (أبريل) 1500م، خرج السُلطان نفسه على رأس جيشٍ من أدرنة، التي أمضى الشتاء فيها، وسار في عقب يعقوب باشا. وحاصرت السُفُن الإسلاميَّة قلعة مودونة بحرًا، والسُلطان في بقيَّة العسكر برًّا، وقاتلوا المحصورين مُدَّة، ولمَّا شارفوا على النصر، ظهرت السُفُن البُندُقيَّة وهجمت على سُفُن العُثمانيين، فدارت بين الطرفين معركة عظيمة انتهت بِانتصار المُسلمين واغتنامهم عدَّة سُفُن من البنادقة وإحراقهم بعضها، وهربت البقيَّة. ثُمَّ تابع العُثمانيُّون قتال المحصورين حتَّى أكثروا من الثُقُوب والفُرُوج في الأسوار، فوثبوا عليها وتمكَّنوا من اقتحام المدينة، وقاتلوا حاميتها قاتلًا شديدًا امتدَّ إلى قريب الصُبح، وكادوا أن يُردُّوا على أعقابهم لولا أن اندلعت حرائق في عدَّة مواضع من القلعة، فاضطرب البنادقة من الضرب والنار، وعجزوا عن المُقاومة بعد ذلك، فوقعوا لُقمةً سائغةً بِيد العُثمانيين، فقُتل أغلبهم ووقع الباقون في الأسر، فكان فتح المدينة عُنوةً، ودخلها السُلطان يوم الخميس 14 مُحرَّم 906هـ المُوافق فيه 9 آب (أغسطس) 1500م، وأمر بِإعدام الحامية، فقُتلوا عن آخرهم، ثُمَّ أعطى الأمان لِلأهالي، وصلَّى الجُمُعة في أعظم كنائس المدينة مُحولًا إيَّاها إلى مسجدٍ جامعٍ لِلمُسلمين.[71] بعد ذلك شرع السُلطان في تدبير أُمُور المدينة، فعيَّن بكلربك الأناضول سنان باشا أميرًا عليها، وشحن قلعتها بِالجُند، وعمَّرها وحصَّنها، وأمر بِبناء بضعة مساجد فيها، ثُمَّ أرسل علي باشا الخادم إلى فتح كورونة من البر، وداود باشا القُبطان من البحر. فسار علي باشا ووجد وهو في طريقه أنَّ قلعة ناورين (ناڤارين) قد خلت من أهلها، الذين هربوا إلى بلاد البُندُقيَّة، فدخلها وجعل فيها حامية، ثُمَّ سار ونازل كورونة وتسلَّمها صُلحًا، وغادرها حاكمها مع أهله وعياله وأمواله إلى البُندُقيَّة. ولمَّا رتَّب علي باشا لوازم القلعة وحصَّنها، عاد إلى العتبة السُلطانيَّة حيثُ عيَّنهُ السُلطان أميرًا على سنجق المورة وسمح لهُ بِاتخاذ القرارات المُلائمة فيها دون انتظار الأوامر السُلطانيَّة، وذلك بِسبب بُعد المورة عن دار السلطنة وقُربها من بلاد الأعداء. ثُمَّ أذن لِلعسكر بِالعودة إلى أوطانهم، وعاد هو أيضًا إلى أدرنة ثُمَّ إسلامبول.[71]

عصيان التُركمان الورساقيين والطُرغُديين في الأناضول

خِلال الفترة التي كان فيها السُلطان بايزيد مشغولًا بِفتح مودونة وكورونة، ظهر فجأة في الأناضول أحد أحفاد الأُمراء القرمانيين، وهو مُصطفى بن حمزة بن ميرزا، وكان ميرزا هذا أخًا لِلأمير إبراهيم بك بن مُحمَّد الذي عاصر السُلطان مُراد الثاني وتعاون مع الصليبيين ضدَّه، وكان حفيد ميرزا، مُصطفى بك المذكور، قد هرب في صباه إلى أذربيجان واستوطن مدينة تبريز حيثُ شبّ، ولمَّا بلغهُ اشتغال السُلطان بايزيد بِفتح بقيَّة بلاد المورة، عاد إلى بلاد آبائه وأجداده طمعًا في مُلكها.[69][71] وما أن بلغ مُصطفى بك بلاد القرمان حتَّى اجتمع عليه أُمراء التُركمان الورساقيين والطُرغُديين ونصَّبوه ملكًا في «إيج إيلي»، وقصدوا مدينة لارندة وأغاروا على نواحيها وخرَّبوها، ثُمَّ حاصروها، فبلغ الخبر السُلطان وهو في مُحاصرة مودونة، فأرسل إلى ولده الشاهزاده أحمد - وهو والي أماسية يومذاك - يِأمره بِالاجتماع مع أخيه الشاهزاده شاهنشاه والي القرمان، وكذلك أمر حفيده مُحمَّدشاه بن أحمد، والي يني شهر، بِأن ينضم إلى أبيه وعمِّه ويدفعوا غائلة العُصاة من القرمانيين والورساقيين والطُرغُديين، فاجتمعوا على حسب الأمر السُلطاني وقصدوا الأشقياء المذكورين، فهربوا من أمامهم وتفرَّقوا في الجبال وتحصَّنوا فيها.ولمَّا كان الشتاء على الأبواب فقد عاد إبنا السُلطان وحفيده كُلٌ إلى إيالته على أن يُعاودوا الحملة في الربيع. ولمَّا عاد السُلطان سارع بِإرسال الصدر الأعظم مسيح باشا في جمعٍ من القپوقوليَّة لِقطع دابر الفتنة والعصيان، فخرج الصدر الأعظم من إسلامبول في شهر رمضان سنة 906هـ، ولقي الشاهزاده شاهنشاه بِقونية، وسار صحبته إلى لارندة ثُمَّ إلى ناحية «إيج إيلي» وابتنى قلعةً منيعةً في موضع «أوغاري»، وجعل فيها رُتبةً من الإنكشاريين والعزبيين، ثُمَّ قسَّم العسكر ثلاثة أقسام، وسلَّطهم على العُصاة من ثلاث جهات، فاستأمن إليه الأُمراء الورساقيُّون والطُرغُديُّون، وحلفوا على صدق الطاعة والانقياد، فأمَّنهم مسيح باشا على أنفُسهم وأموالهم وأولادهم. أمَّا مُصطفى بك فهرب مُتنكرًا إلى طرسوس، ثُمَّ منها إلى حلب، فقبض عليه نائب السلطنة وحبسه، ثُمَّ جاء الأمر من السُلطان المملوكي قانصوه الغوري بِقتله لئلَّا ينتقض بسببه الصُلح القائم بين المماليك والعُثمانيين.[71][69]

فتح ما تبقَّى من بلاد المورة

خلال تلك الفترة، كان علي باشا في المورة يتجهَّز لِفتح بقيَّة القلاع الساحليَّة، بلغهُ أنَّ البنادقة عادوا واستولوا على ناورين بِالخُدعة، ذلك أنَّ بعض الرعايا من أهل المدينة ذاتها أرسلوا إلى البنادقة سرًّا يدعونهم ويعدونهم بِالنصر على أخذ القلعة، ثُمَّ أرسلوا إلى دُزدار(7) القلعة يطلبون منه الحُضُور لِيقضي لهم مصلحة، فأذن لهم بِذلك، فدخلت جماعةٌ منهم وقد أخفت أسلحتها تحت الثياب، فقتلوا البوَّابين ثُمَّ الدُزدار وأتباعه، وكانت بعض سُفُن البنادقة في الكمين، فخرجت ودخل بحَّارتُها القلعة وضبطوها،[71] وذلك يوم 13 جمادى الأولى 906هـ المُوافق فيه 4 كانون الأوَّل (ديسمبر) 1500م.[en 47][en 48] سارع علي باشا إلى إرسال الخبر وعرضه على السُلطان، وطلب منهُ سُفُنًا لِحصار القلعة المفقودة من البحر، فأرسل بايزيد أربعين غُرابًا مع كمال ريِّس، فأبحر مُجدًّا وهجم على سُفُن البنادقة التي في ميناء القلعة، وأخذ ثمانيًا منها مع ما كان فيها من الرجال والعتاد، وفرَّق البقيَّة، وحاصر القلعة من البحر في الوقت الذي حاصرها فيه علي باشا من البر، فأخذها قهرًا وقتل فيها عددًا كبيرًا من البنادقة وأسر آخرين، وتحصَّن جمعٌ منهم في بُرجٍ واستأمنوا، فأمَّنهم علي باشا وأذن لهم في العودة إلى بلادهم،[71] وكان ذلك يوم 3 ذي القعدة 906هـ المُوافق فيه 20 أيَّار (مايو) 1501م.[en 47][en 48][tr 13] ثُمَّ شرع بِتعمير القلعة وتحصينها وترتيب لوازمها، وتوجَّه لِاستكمال فتح ما تبقَّى من المورة.

كانت قلعة «إينفة» أولى أهداف علي باشا، فحاصرها وقاتل أهلها قتالًا شديدًا حتَّى أخذها قهرًا، وتحصَّن في القلعة الداخليَّة منها جمعٌ وطلبوا الأمان، فأمَّنهم وأعادهم إلى بلاد البنادقة، ثُمَّ سار إلى «أصوسة» وتسلَّمها صُلحًا، فانقطعت بِفتح هاتين القلعتين أيدي البنادقة وسائر الإفرنج الكاثوليك من شبه جزيرة المورة كُليًّا لِأوَّل مرَّة مُنذُ الحملة الصليبيَّة الرابعة، وصفت تلك البلاد لِأهلها الأصليين من الأرثوذكس ولِلمُسلمين الفاتحين. فأرسل علي باشا خُمس الغنائم والسبايا مع المُبشِّر إلى العتبة السُلطانيَّة، فسُرَّ السُلطان بِهذا الإنجاز وأرسل إلى علي باشا خلعًا وسيفًا مُرصَّعًا وفرسًا من أفراسه الخاصَّة. وكان علي باشا حاكمًا عادلًا مُنصفًا، فعمرت بلاد المورة تحت يديه، واتفق آنذاك أن وفدت على الدولة العُثمانيَّة موجةٌ أُخرى من المُهجَّرين المُسلمين الأندلُسيين، فأرسلهم السُلطان إلى علي باشا، فأسكنهم المورة وطيَّب قُلُوبهم.[71]

إغارة البنادقة على جزيرة مدللي

جانبٌ من أسوار قلعة مدللي.

ارتاعت البُندُقيَّة من انتصارات العُثمانيين المُتتالية وافتتاحهم مُدُنها وقلاعها، ولمَّا كانت أساطيلها قد هُزمت مرَّتين أمام الأساطيل العُثمانيَّة، فإنَّها طلبت المعونة من مُلُوك وأُمراء أوروپَّا، فأنجدها البابا إسكندر السادس، وملك فرنسا لويس الثاني عشر، وفرديناند الثاني إمبراطور إسپانيا، وڤلاديسلاڤ الثاني ملك المجر، وأرسلوا إليها أُسطُولًا مُختلطًا لِدعمها في حربها ضدَّ العُثمانيين وتعزيزًا لِقُوَّتها.[74][75] تنُصُّ المصادر العُثمانيَّة على أنَّ عدد السُفُن المسيحيَّة وصل إلى نحو مائتيّ سفينة،[71] منها ثلاثين سفينة إسپانيَّة،[75] كما تنص مصادر مُعاصرة على أنَّ السُفُن الفرنسيَّة حملت على متنها نحو عشرة آلاف جُندي.[69] وفي ربيعٍ الأوَّل سنة 907هـ المُوافق فيه أيلول (سپتمبر) 1501م، هاجمت السُفُن المسيحيَّة جزيرة مدللي وحاصرتها من جميع جهاتها، ورموها بِالمدافع والأسهُم، وضربوها نحو عشرين يومًا ليلًا ونهارًا، فوصل خبر ذلك أوَّلًا إلى والي مغنيسية الشاهزاده قورقود بن بايزيد، فأرسل نحو ثمانمائة مُقاتل من عسكر إيالته مع سلحداره إلى قرية «أيازمند» القريبة من الجزيرة لِيعبروا إليها عندما تسنح الفُرصة. وفي ليلةٍ ظلماء عبر العُثمانيُّون بِالسُفُن التي وجدوها في ساحل أيازمند إلى مدللي، فتفطَّن المسيحيُّون وهجموا عليهم وقاتلوهم أشدَّ قتال، لكنَّهم لم يقدروا عليهم، فنزلت العساكر العُثمانيَّة على الجزيرة وتمكَّنت من السيطرة على قلعتها، غير أنَّ الفرنسيُّون قاموا بإنزالٍ آخر وحاصروهم. ولمَّا بلغ الخبر إلى العتبة السُلطانيَّة، جهَّز بايزيد ما وُجد من السُفُن وملأها بِالعساكر، وجعل على إمارتهم أحمد باشا بن هرسك، ثُمَّ أرسلهم إلى مدد المحصورين، فعلم المسيحيُّون بِقُدُوم الأُسطُول العُثماني عن طريق جواسيسهم، وجدُّوا في أخذ القلعة قبل وُصُول المدد، فهجموا عليها واقتحموها وقام بينهم وبين المُستحفظين قتالٌ عنيف قُتل فيه قائد الجُنُود الفرنسيُّون، والذي قيل بِأنَّهُ كان ابن أخ الملك، فقُطع رأسُه ونُصب على رُمحٍ في بُرج القلعة، وضُرب طبل البشارة ممَّا كسر عضُد المسيحيين، وأدَّى انتشار خبر اقتراب الأُسطُول العُثماني إلى تخوُّفهم من العاقبة الوخيمة، فركبوا سُفُنهم وأقلعوا إلى البحر،[71] حيثُ ضربتهم عاصفة، فغرق كُل الأُسطُول الفرنسي ولم يتمكَّن من النجاة سوى بضعة بحَّارةٍ فقط.[69][74]

استرداد قلعة لوفجة وفتح دراست

أطلال قلعة لوفجة.

خِلال فترة انشغال القوى المسيحيَّة بِحرب الدولة العُثمانيَّة بحرًا، رأى أمير سنجق البوسنة إسكندر باشا ميخائيل أوغلي أن يفتتح قلعة يايجة الحُدُوديَّة التي عجز سلفه، يعقوب بك الخادم، عن افتتاحها خلال حملته على الإمارات الكرواتيَّة التابعة لِمملكة المجر، كما أُسلف، ورأى أنَّ مُقدِّمة ذلك الفتح تستوجب تسخير قلعة لوفجة، التي سبق وأخذها السُلطان مُحمَّد الفاتح قبل عدَّة سنوات عندما فتح بلاد البُشناق، ثُمَّ عادت تحت جناح المجر. فأرسل ولده مُصطفى بك في ألفيّ راجل وألف فارس إلى فتح القلعة الأخيرة، فنفَّذ المُهمَّة خير تنفيذ، وفُتحت لوفجة عنوةً، وغنم العُثمانيُّون ما فيها من أموالٍ وأثقال، وقتلوا مُقاتلها، ثُمَّ حصَّنوها وعادوا أدراجهم. ثُمَّ بلغ الخبر في أوَّل سنة 908هـ المُوافقة لِسنة 1503م أنَّ ملك المجر أرسل الذخائر واللوازم إلى قلعة يايجة لِلحيلولة دون سُقُوطها بِيد المُسلمين، فسيَّر إسكندر باشا ولده مُصطفى بك في نحو أربعمائة مُقاتل لِلإغارة على القافلة المُرسلة، فبيَّت العُثمانيُّون أعدائهم وقتلوا منهم فريقًا، وغنموا ما كان معهم من الذخائر والمؤن واللوازم مع العربات، وعادوا بها إلى البوسنة.[76]

خريطة لِمدينة دراست سنة 1573م.

ولمَّا حلَّت سنة 909هـ، أرسل مُحمَّد بك بن عيسى، أمير سنجق إيلبصان، إلى السُلطان بايزيد يستأذنه بِالسير لِفتح مدينة دراست الواقعة على ساحل البحر الأدرياتيكي كي لا تقع في أيدي البنادقة، كونها من الثُغُور الساحليَّة المُهمَّة ومن أحصن قلاع تلك البلاد وأعظمها، فوافقه على ذلك، وأرسل مُحمَّد بك جمعًا لِاستخبار أحوال المدينة وأهلها، فعادت إليه الأخبار بِغفلة السُكَّان تمامًا، فما كان من مُحمَّد بك إلَّا أن أرسل إلى أُمراء الأطراف واتفق معهم على السير لِتسخيرها، فتوجَّه المُسلمون حسب الخطَّة الموضوعة، وجعل مُحمَّد بك عدَّة كمائن بِقُرب المدينة، وسار هو في جمعٍ قليل وحاصرها، فاغترَّ أهلها بِقلَّة العُثمانيين وخرجوا إلى قتالهم، فتظاهر مُحمَّد بك بِالانهزام بعد قتالٍ يسير، وانسحب جارًّا الأعداء على الكمين، ولمَّا تجاوزوه خرج العُثمانيُّون من ورائهم وانعطف مُحمَّد بك ومن معهُ من أمامهم، فأحاطوا بهم وحكَّموا فيهم السيف وتبعوا الهاربين ودخلوا معهم المدينة، ففتحوها بِيُسرٍ كبير، وأرسل مُحمَّد بك خُمس الغنائم مع مفاتيح القلعة إلى العتبة السُلطانيَّة، ففرح بايزيد بِذلك، وأرسل إلى مُحمَّد بك خُلعًا فاخرة، وفوَّض إليه حُكم المدينة المفتوحة أيضًا مُنضمَّةً إلى إيالته.[76] ومُنذُ افتتاح المدينة ودُخُولها تحت جناح الدولة العُثمانيَّة، عرفت جُمهرتها من اليهود ازديادًا ملحوظًا.[en 49]

صُلح العُثمانيين ومُحاربيهم الأوروپيين

المواقع التي احتفظت بها البُندُقيَّة (الدوائر الزرقاء)، وما تنازلت عنه لِلعُثمانيين (البنفسجيَّة).

بعد نجاح العُثمانيين في فتح دارست، أدركت البُندُقيَّة وحُلفائها الأوروپيين أنَّها غير قادرة على وقف التمدُّد العُثماني، وتبيَّن لها أنَّ خسارتها لا تُعوَّض، فطلبت الصُلح. وعُقدت بين الطرفين، العُثماني والبُندُقي، اتفاقيَّة في سنة 909هـ المُوافقة لِسنة 1503م، تكوَّنت من 31 مادَّة، كان من أهم بُنُودها:[69][75][77]

  • إعادة جزيرة كفالونية إلى الدولة العُثمانيَّة.
  • المُحافظة على استقلال جزيرة سانتوريني.
  • السماح لِسُفُن البُندُقيَّة الإبحار في بحر البنطس (الأسود).
  • يعود قُنصُل البُندُقيَّة إلى إسلامبول على أن يُستبدل كُل ثلاث سنوات.
  • يدفع البنادقة جزية سنويَّة لِلدولة العُثمانيَّة.

وبِهذه المُعاهدة، بدأت في أوروپَّا فترة صُلح دامت قُرابة عشرين سنة، إذ كانت الدولة العُثمانيَّة مُضطرَّةً لِلالتفات نحو الشرق حيثُ برزت المخاطر من ذلك الاتجاه مُجددًا،[69] مُتمثلةً بِقيام الدولة الصفويَّة وما استتبع ذلك من مُشكلاتٍ نتيجة سياسة التطرُّف المذهبي التي انتهجها الصفويُّون، وأطماعهم الاقتصاديَّة والاستراتيجيَّة في البلاد المُجاورة لِدولتهم.

استنجاد المورسكيين بِالسُلطان بايزيد

لوحة تُصوِّرُ تعميد المُسلمين الأندلُسيين إجباريًّا.

خلال الفترة المُمتدَّة بين سُقُوط الأندلُس وحُرُوب العُثمانيين ضدَّ البولونيين ثُمَّ البُندُقيَّة، بدأ الملكين الكاثوليكيين فرديناند وإيزابيلَّا حملة اضطهادٍ مُنظَّمةٍ بِهدف تنصير من بقي من المُسلمين واليهود الأندلُسيين أو ترحيلهم عن البلاد، بِهدف تحقيق الوحدة الدينيَّة لِلإمبراطوريَّة الإسپانيَّة الوليدة، بِوصفها مُلازمة لِلوحدة السياسيَّة. ومُنُذُ أن فُرض التنصير والطرد على هؤلاء، أطلق النصارى على المُسلمين منهم مُصطلحًا جديدًا استُبدل به مُصطلح المُدجَّنين القديم، وهو اسم «المورسكيين» (بالإسبانية: Moriscos)‏ أي المُسلمين الصغار، وهو تصغير لِلفظ «مورو» الذي كان يعني المُسلم بِوجهٍ عام، وقد قُصد به التحقير.[78] وعلى الرُّغم من تحولُّهم إلى المسيحيَّة، إلَّا أنهم حافظوا على عاداتهم بما في ذلك لُغتهم وأسماءهم المُتميزة والغذاء واللباس وحتى بعض الاحتفالات، ومارس البعض منهم الإسلام سرًا، والمسيحية الكاثوليكيَّة علنًا. ولمَّا فشلت السياسات الحُكُوميَّة الإسپانيَّة على إرغام جميع المورسكيين على التنصُّر، لجأت السُلطات الحاكمة والكنيسة الكاثوليكيَّة إلى استعمال القُوَّة لِإجبارهم على ذلك، فاضطُهد المُسلمون وصودرت مُمتلكاتهم، الأمر الذي أدَّى إلى اندلاع الثورة في ربض البيازين في غرناطة، ولكنَّ هذه الثورة لم تزد النصارى إلَّا تشدُّدًا، فأخمدوها بِالقُوَّة والقسوة البالغة. وأجبرت وسائل القمع الوحشيَّة، التي استُعملت، المورسكيين في باقي المناطق على حمل السلاح، ولجأت جماعاتٌ منهم إلى المعاقل الجبليَّة يعتصمون بها، وأخذوا يُشنُّون الغارات الخاطفة ضدَّ القُوَّات المسيحيَّة التي كانت تُلاحقهم بِاستمرار.[78] وفي شهر شعبان 907هـ المُوافق فيه شهر شُباط (فبراير) 1502م، أصدرت الملكة إيزابيلَّا مرسومًا يُخيِّرُ المورسكيين بين التنصير والرحيل، وأمهلتهم حتَّى أواخر شوَّال المُوافق فيه نهاية نيسان (أبريل)، فرحل من غرناطة خِلال هذه المُدَّة نحو ثلاثُمائة ألف شخص، وعُدَّ من بقي مُتنصرًا بِحُكم الأمر الواقع.[78] نتيجة التنكيل والإسراف في مُطاردة المورسكيين، استغاث بعضهم واستنجد بٍسلاطين وأُمراء المُسلمين، وفي مُقدمتهم السُلطان بايزيد الثاني، التي تنُصُّ إحدى الوثائق على أنَّ أندلُسيًّا مُتنصرًا كتبها إلى السُلطان المذكور يستغيثه ويصفُ لهُ في شعرٍ ركيكٍ ما يُصيب المورسكيين من عسف محاكم التفتيش، ويستصرخهُ لِنُصرة إخوانه المغلوب على أمرهم، وتبدأُ القصيدة، التي يبدو أنها أُرسلت حوالي سنة 1503م عقب قمع الثورة، بِديباجةٍ شعريَّةٍ طويلةٍ في تحيَّة السُلطان:[79]

سلامٌ كريمٌ دائمٌ مُتجدِّدأخُصُّ بهِ مولاي خير خليفة
سلامٌ على مولاي ذي المجدِ والعُلاومن ألبس الكُفَّار ثوب المذلَّة
سلامٌ على من وسَّع اللهُ مُلكهُوأيَّدهُ بِالنصرِ في كُلِّ وجهة
سلامٌ على مولاي من دارُ مُلكهُقُسطنطينيَّةٍ أكرم بها من مدينة
رسمٌ لِلأخوين عرُّوج وخير الدين بربروس، الذين شرعا بِإنجاد المورسكيين بِإيعازٍ من الشاهزاده قورقود بن بايزيد، وأطلقا الجهاد البحري المُنتظم.

وبعد الانتهاء من الديباجة، يصفُ المُرسل ما تنزلهُ إسپانيا بِرعاياها الجُدد من المُسلمين، ويصف أنواع الاضطهاد والعسف التي نزلت بِالمُسلمين المُتنصِّرين، وكيف أنَّ النصارى خانوا كُلَّ العُهُود التي أبرموها معهم، وأهانوا الإسلام ورُمُوزه:[80]

فلمَّا دخلنا تحت عقد ذمامهمبدا غدرهم فينا بِنقض العزيمة
وخان عُهُودًا كان قد غرَّنا بهاونصَّرنا كُرهًا بِعُنفٍ وسطوة
وأحرق ما كانت لنا من مصاحفوخلطها بِالزبل أو بِالنجاسة
وكُلُّ كتابٍ كان في أمر دينناففي النار ألقوه بِهُزءٍ وحقرة

ومن الجدير بِالذِكر أنَّ المورسكيين أرسلوا خطاب استغاثةٍ أيضًا إلى السُلطان المملوكي قانصوه الغوري ودعوه لِيتوسَّط لدى الملكين الكاثوليكيين لِكي يحترما مُعاهدات الاستسلام ويوقفا الأعمال الهمجيَّة ضدَّهم. ويبدو من الواضح أنَّ تلك الاستغاثة لم تُؤدِّ إلى نتيجة، فلا تذكر المصادر التاريخيَّة أنَّ بايزيد الثاني فعل شيئًا يُذكر لِإنقاذ المورسكيين،[81] إذ كان العُثمانيُّون قد انشغلوا بِمُراقبة تحرُّكات الصفويين المُتنامية على حُدُودهم الشرقيَّة. بِالمُقابل، يذكر المُؤرِّخ التُركي يلماز أوزتونا أنَّ الظُلم التعسُّفي لِلإسپان أغضب العُثمانيين،[58] وإن كان بايزيد نفسه لم يُرسل حملة لِإنقاذ أبناء دينه في هذه المرَّة، فإنَّ ابنه الشاهزاده قورقود لعب دورًا في إنجاد المزيد من المُسلمين واليهود والأندلُسيين وفي مُضايقة الإسپان، فقد كان الشاهزاده المذكور حاميًا كبيرًا لِلبحَّارة المُسلمين، وكان يفتدي 100 أسيرٍ مُسلمٍ من الذين يقعون في أيدي النصارى في كُل سنة، ومن جُملة الذين افتداهم عرُّوج بن أبي يُوسُف يعقوب، الشهير بِـ«عرُّوج بربروس»، الأخ الأكبر لِأمير البحار المُستقبلي خير الدين، فجاء عرُّوج إلى مغنيسية حيثُ اجتمع بِالشاهزاده العُثماني وتسلَّم منهُ سفينتين حربيتين كهديَّة، وأوصاه بِالذهاب إلى الحوض الغربي لِلبحر المُتوسِّط والسير في أثر كمال ريِّس، وأن يرى بِعينيه ما يحدث لِلمُسلمين في الأندلُس، ويعمل على إنقاذهم ممَّا هُم فيه، ودعا لهُ بِالتوفيق والنصر.[82] وبِهذا بدأت عمليَّات الجهاد البحري المُنتظم ضدَّ السُفُن المسيحيَّة.

القيامة الصُغرى (زلزال إسلامبول 915هـ \ 1509م)

طبعة خشبيَّة تعود لِسنة 1529 تُصوِّرُ الضرر الذي لحق بِمسجد السُلطان مُحمَّد الفاتح (في أقصى الصورة، جهة الوسط تقريبًا) نتيجة زلزال سنة 915هـ \ 1509م المشهور بِـ«القيامة الصُغرى» لِشدَّة هوله.
رسمٌ يُصوِّرُ لحظة ضرب الزلزال مدينة إسلامبول وانهيار المباني حول الناس.

أثناء انشغال السُلطان بايزيد بِمُراقبة تحرُّكات الشاه إسماعيل، حلَّت كارثةً كُبرى بِالعاصمة العُثمانيَّة، ففي ليلة 26 جُمادى الأولى 915هـ المُوافق فيه 10 أيلول (سپتمبر) 1509م،[95] وقعت زلزلة عظيمة في بحر مرمرة، تُقدِّرُ الأبحاث المُعاصرة قُوَّتها بِحوالي 7.2 ± 0.3 درجات على مقياس عزم الموجة السطحيَّة،[en 53] فأحدثت دمارًا هائلًا امتدَّ أثره من چورلي غربًا إلى إزميد شرقًا، ويُقال أنَّها تسبَّبت بِموجةٍ عاتيةٍ وصل ارتفاعها إلى ستَّة أمتار،[tr 14] فهلك خلقٌ كثير، وانهدمت أبنية عظيمة في إسلامبول وغلطة وبيوك جكمجة. ووصل عدد المساجد التي تضرَّرت إلى 109، بقي مُعظمها قائمًا على إنَّ مآذنها انهارت. وبلغ عدد المنازل المُدمَّرة 1070 منزلًا، كما انهار 49 بُرجًا من أبراج أسوار القُسطنطينيَّة العتيقة. وتضرَّرت قلاع روملِّي حصار وأناضولي حصار ويوروس، إضافةً إلى بُرج الفتاة في جُزُر الأُمراء ومسجديّ الفاتح وآيا صوفيا.[en 54] يُقدَّر أنَّ عدد من هلك في هذا الزلزال تراوح بين 1,000 و13,000 شخص،[en 53] وخرج البقيَّة إلى البراري بِالخيام والخركاهات(8)، ولم يقدروا على الرُجُوع لِبُيُوتهم طيلة شهرين، إذ أنَّ الهزَّات الارتداديَّة دامت نحو 45 يومًا.[en 54] وأمر السُلطان بأن تُقام في سراي طوپ قاپي بُيُوتًا من الأخشاب المُتداخلة لِتسكنها حاشيته، وأقام هو في خيمةٍ نُصبت له في الحديقة طيلة عشرة أيَّام، ثُمَّ ارتحل إلى سراي ديموتيقة بِقُرب أدرنة وسكنها إلى أن تُعمر بُيُوت إسلامبول وسورها.[en 54][76]

وكان السُلطان قد دعا إلى انعقاد الديوان الهمايوني بِشكلٍ طارئٍ بُعيد وُقُوع الزلزلة لِإقرار خطَّة إعادة إعمار العاصمة والمُدن والبلدات المُحيطة بها، فتقرَّر فرض 22 آقچة إضافيَّة على كُلِّ أُسرةٍ في جميع أنحاء الدولة العُثمانيَّة لِتجميع المبالغ اللَّازمة لِبناء ما تهدَّم وترميم ما تضرَّر، واستقدم السُلطان عشرات الآلاف من البنَّائين والنقَّاشين والنجَّارين إلى إسلامبول من الروملِّي والأناضول، وابتدأت عمليَّة إعادة البناء الفعليَّة يوم 19 ذي الحجَّة 915هـ المُوافق فيه 29 آذار (مارس) 1510م، واكتملت تمامًا يوم 24 صفر 916هـ المُوافق فيه 1 حُزيران (يونيو) 1510م، فتمكَّن أهل إسلامبول من الرُجُوع إلى ديارهم. وأطلق الناس على هذا الحدث المُخيف تسمية «القيامة الصُغرى»، من شدَّة هول الزلزلة، اعتقادًا ممَّن شهدها أنَّ يوم القيامة قد حل.[en 54] جديرٌ بِالذِكر أيضًا أنَّ السُلطان بايزيد اعتقد بِأنَّ هذا الزلزال هو عقابٌ من الله على فساد وسوء تدبير الوُزراء وظُلمهم لِلرعيَّة، إذ كان هو قد سلَّم مُعظم أُمُور المُلك وتدبيرها إلى وزرائه قبل نحو خمس سنوات بعد أن ظهرت عليه علائم المرض والضعف، فاختلَّ النظام بِأغراض الفاسدين منهم، واضطربت أحوال المُلك وتشوَّشت أُمُور الناس بِالظُلم وكثرة التكاليف الشَّاقَّة، وظهرت الرشوة وصارت المناصب تُباع وتُشترى، وظهر القراصنة في البحر. ولمَّا تنبَّه بايزيد إلى ذلك سعى إلى مُعالجة الأُمُور لكن لم يُمهله القدر حتَّى وقعت الزلزلة، فلمَّا بدأ العمل على علاج آثارها، جمع الوُزراء وعاتبهم ووبَّخهم وعاقب قسمًا منهم على فسادهم، ثُمَّ أرسل إلى أمير المورة علي باشا الخادم، المشهور بِحُسن التدبير والصُدق والأمانة، فقلَّده الصدارة العُظمى وفوَّض إليه أُمُور المُلك وأطلق يده فيها، فسارع علي باشا إلى القبض على الوُزراء المُتجاوزين وقتلهم، وأرسل عدَّة سُفُن في البحر لِمُلاحقة القراصنة، فظفر بهم وأرسلهم إلى السُلطان مُعتقلين، فأمر السُلطان بإعدامهم جميعًا، فطُهِّر البحر من تعدِّياتهم. وأحسن علي باشا السياسة والتدبير، فقطع دابر الفساد ودفع الظُلم والتعدِّي عن الناس، فأحبَّته الرعيَّة، وازداد سُرُور السُلطان منه.[76]

وفاة السُلطان بايزيد

تشييع السُلطان بايزيد إلى مثواه الأخير.
تُربة السُلطان بايزيد الكائنة بِجوار المسجد الجامع المُسمَّى باسمه، في مدينة إسلامبول (إسطنبول)، كما بدت سنة 2008م.

بعد أن سلَّم بايزيد السلطنة إلى ولده سليم، قرَّر أن يعتزل الناس وأُمُور الدُنيا وأشغالها، وأن يعود إلى مسقط رأسه ديموتيقة لِيمكث فيها ويتفرَّغ لِلعبادة والتأمُّل، وكان قد عمَّر سرايها لِأجل ذلك، فدعا ابنه سليم وأخبره بِنيَّته، فرفض بدايةً السماح لوالده بِالسفر، وطلب منه البقاء في إسلامبول والإقامة جانبه، لكنَّ بايزيد لم يقبل رُغم مُحاولة سليم إقناعه، وقال له: «السَّيْفَانِ لَا يَجْتَمِعَانِ فِي قِرَابٍ وَاحِدٍ».[103][102] فلمَّا رأى سليم إصرار والده أظهر الرضاء بِرضائه ووافقه على فعل ما يُريحه، فطلب بايزيد أن يُرافقه إلى دار تقاعده بكلربك الروملِّي يُونُس باشا لِكونه من قُدماء خواصه، والدفتردار قاسم باشا، فعيَّنهما سليم لِخدمته ولِلمسير معه إلى مقصده، وكذلك أرسل معه العديد من السپاهيَّة والإنكشاريَّة. ولم يستطع بايزيد رُكُوب حصانه لِشدَّة مرضه، فنقلوه في تختروان، وشيَّعهُ سليم في جميع الأعيان والأركان حتَّى أسوار القُسطنطينيَّة حيثُ أبرم عليه بِالرُجُوع، فودَّع والده وقبَّل يده مرارًا ثُمَّ تفرَّقا، فرجع سليم إلى دار السلطنة وسار بايزيد إلى صوب أدرنة، وكان موكبه يسيرُ بطيئًا بِسبب مرضه، وكان يستريح في كُلِّ موقف عدَّة أيَّام. وفي يوم 11 ربيع الأوَّل 918هـ المُوافق فيه 26 أيَّار (مايو) 1512م، وصل الموكب إلى موضعٍ معروفٍ بِـ«سكودلودره» من أعمال أدرنة، وهُناك اشتدَّ الألم على السُلطان وحصلت لهُ غشية، ولم يلبث أن فارق الحياة، فكفَّنوه وعادوا بِنعشه إلى إسلامبول حيثُ وُري الثرى في قبَّةٍ أعدَّها لِنفسه بِقُرب المسجد الجامع الذي بناه وسُمي بِاسمه، وبلغت سلطنته 30 سنة و11 شهرًا و22 يومًا.[102][96]

وكان لِوفاة بايزيد وقعٌ أليمٌ في الدولة العُثمانيَّة وفي سائر ديار الإسلام، فلمَّا وصلت أخبار وفاته إلى القاهرة يوم الجُمُعة 2 جُمادى الأولى 918هـ المُوافق فيه 15 تمُّوز (يوليو) 1512م، حزن السُلطان الغوري حُزنًا شديدًا وتأسَّف على فُقدان نظيره، وبكاه بُكاءًا مُرًّا، ثُمَّ صلَّى عليه صلاة الغائب بِقلعة الجبل، وما أن انتشر الخبر بين الناس في ذلك اليوم حتَّى دعا أئمَّة المساجد إلى إقامة صلاة الغائب عن روح السُلطان الفقيد بعد صلاة الجُمعُة، فصلَّى عليه الناس في الجامع الأزهر ومسجد الحاكم بأمر الله ومسجد ابن طولون وجامع السُلطان الغوري وغير ذلك، ويقول ابن إيَّاس الذي عاصر هذا الحدث: «وَقَد حَزِنُوا عَلَيْهِ النَّاسُ فَإِنَّهُ كَانَ قَامِعًا لِلِفرَنْجِ لَا يَفْتُرُ عَنْ الْجِهَادِ فِيهِم لِيْلَّا نَهَارًا، وَكَانَ بِهِ نَفَعٌ لِلْمُسْلِمِين».[104]

شخصيَّته وصفاته

وصف المُؤرِّخ مُصطفى علي بن أحمد بن عبد المولى الگليپوللي السُلطان بايزيد الثاني بِأنَّهُ طويل القامة، وفاتح الوجه، وعاقد الحاجبين الأسودين، وأشهل العينين، وحنطي البشرة، وأسديُّ الأنف، كما عريض الصدر. وبحسب السفير البُندُقي أندراوس گريتي، الذي أصبح دوقًا لِبلاده فيما بعد، وكان قد تعرَّف على بايزيد شخصيًّا، فإنَّ الأخير كانت قامته أطول من المُتوسِّط، وزيتوني البشرة، «تُظْهِرُ مَلَاَمِحُهُ أَنَّهُ يُفَكِّرُ بِأُمُورٍ جِدِّيَّةٍ وَكَبِيْرَةٍ، وَهُوَ مُكْتَئِبٌ وَحَزِينٌ». أمَّا الشيخ أحمد كبير الفلكيين فقد وصف بايزيد بِأنَّهُ طويل القامة، وأبيض البشرة، وأسود الشعر، وعاقد الحاجبين، وعريض المنكبين، وقال بأنَّهُ كان حسن الطباع صالحًا عابدًا مُتعمِّقًا بِالشريعة.[105]

من آثار الشيخ حمد الله الأماسي: كتابٌ مُخطَّط ومُجلَّد ومُذهَّب، من النمط الذي شاع زمن السُلطان بايزيد الثاني.

أحبَّ بايزيد الثاني فنَّ الخط والتخطيط مُنذ أن كان وليًّا لِلعهد، وتلقَّى دُرُوسًا بِالخط مُنذُ صغره خلال ولايته في أماسية على يد رائد الخطَّاطين العُثمانيين الشيخ حمد الله الأماسي، كما أُسلف، وحصل منه على إجازةٍ في هذا الفن. ومن شدَّة حُب بايزيد لِلتخطيط لم يترك أُستاذه في أماسية بعد أن أصبح سُلطانًا، بل دعاه إلى إسلامبول وعيَّنهُ مُعلِّمًا وكاتبًا في السراي، وكان يعرجُ على جناح الشيخ حمد الله أحيانًا ويسأله عن أحواله، وحتَّى إنَّهُ كان يُمسك لهُ المحبرة وهو يُخطِّط تعبيرًا عن احترامه له، ويقول علنًا أنَّهُ أسعد حُكَّام الدُنيا لِأنَّ لديه خطَّاطًا كهذا.[105] وبِفضل تشجيع بايزيد لِفن الخط، دخل هذا الفن في مسارٍ جديدٍ خاص على يد العُثمانيين، كما شجَّع أُستاذه أيضًا بِمنحه إمكانيات لكي يجد أُسلُوبًا جديدًا بِالخط، ومن المعروف أنَّهُ خصَّص لِلشيخ حمد الله إيراد قريتين في ناحية «صارِغازي» من أعمال أُسكُدار غير اليوميَّة التي أمر بِدفعها له. وبِالإضافة إلى إتقانه التخطيط، ثَمَّة دليلٍ في سجلِّ مكتبةٍ قديمةٍ يُسمَّى «مجموعة ألواح النقَّاشين» على أنَّ بايزيد اشتغل بِالتذهيب. ومن الجدير بِالذكر أنَّ صناعة الكُتُب المُتضمِّنة فُنُون التخطيط والتذهيب والتجليد المُكمِّلة لِبعضها بعضًا، ازدهرت في عهد بايزيد الثاني من شدَّة حُبه لِلعلم ورغبته بِإرساء قواعد الحضارة في دولته.[105] ففي عهد هذا السُلطان توطَّدت واستقرَّت بِشكلٍ كاملٍ فُتُوحات أبيه الكُبرى، وحافظ على سياسة والده العسكريَّة والبحريَّة، وعزَّز الجيش والبحريَّة وجعلها ضعف ما كانت عليه في السابق، وزوَّد بعض سرايا الإنكشاريَّة بِالبنادق الحديثة، وفي هذا كتب أندراوس گريتي إلى مجلس الأعيان البُندُقي في سنة 1503م يقول واصفًا بايزيد وخصاله وأعماله: «قَامَتُهُ أَطْوَلُ مِنَ الْمُتَوَسِّطَةِ... لَا يَتَعَاطَى الشَّرَابَ أَبَدًا، كَانَ يُشْرِبُ فِي شَبَابِهِ ثُمَّ تَابَ بِضَغْطٍ مِنْ أَبِيهِ، يَأْكَلُ قَلِيلًا، يُسَرُّ جِدًّا لِرُكوبِ الْخَيْلِ... أَحُبُّ شَيْءٍ إِلَيْهِ الصَّيْدَ وَرِيَاضَةَ الْفُرُوسِيَّةِ. يُعْظِمُ الشَّعَائِرَ الدِّينِيَّةِ وَيَتَصَدَّقُ كَثِيرًا، يَهْتِمُ بِالْفَلْسَفَةِ وَعُلُومِ الْفَلَكِ... وَعَدَا الْوَقْتِ الَّذِي يَقْضِيهِ فِي الْاِطِّلَاعِ، فَإِنَّهُ يُخَصِّصُ وَقْتًا طَوِيلًا لِلْاِهْتِمَامِ بِأُمُورِ إِصْلَاحِ جَيْشِهِ وَتَنْسِيقِهِ وَتَنْمِيَتِهِ... زَادَ عَدَدُ الإِنْكِشَارِيَّةِ، جَهَّزَ جَيْشَهُ بِالْأسْلِحَةِ الْحَديثَةِ وَالنَّارِيَّةِ، أَجَرَى إِصْلَاحًا جِذْرِيَّا خَاصَّةً بِالنِّسْبَةِ لِلْمِدْفَعِيَّيْنِ وَنَقْلَةِ الْمُدَافِعِ. يُتَابِعُ هَذِهِ الْأَعْمَالَ بِدِقَّةٍ. خَيَّالَتُهُ وَأُسْطولُهُ هُمَا الْلَذَانِ حَقَّقَا الْأَحْدَاثَ الْخَارِقَةُ الَّتِي شَهِدْنَاهَا، فَقَدْ نَظَّمَهَا بِشَكْلٍ تَسْتَطِيعَ بِهِ التَّجَمُّعَ وَالْاِحْتِشَادَ بِسُرْعَةٍ».[106] ولمَّا كان عهد بايزيد لم يشهد فُتُوحاتٍ كبيرةٍ كما كان الحال على عهد أبيه وكما حصل في عهد ابنه من بعده، فقد توسَّعت الدولة العُثمانيَّة خلال سلطنته بِمقدار 160,000 كلم2 فقط، ووصلت مساحتها عند وفاته إلى نحو 2,273,000 كلم2 وتضمَّنت الدُويلات والإمارات التالية المُستقلَّة إداريًّا: خانيَّة القرم، والخانيَّة القاسميَّة الواقعة بِالقُرب من إمارة المسكوب، وإمارات الأفلاق والبُغدان وذي القدريَّة، وجُمهُوريَّة راگوزة الصغيرة.[106]

لوحة زيتيَّة لِلسُلطان بايزيد الثاني مرسومة وفق النظام الإيطالي.

وإلى جانب التخطيط والتذهيب، كان التلحين من أبرز مواهب بايزيد الثاني، فهو أوَّل من ذُكر اسمه في المصادر بين السلاطين العُثمانيين على أنَّهُ دوَّن لحنًا. إلَّا أنَّ الألحان التي وصلت الباحثين من نتاج ابنه قورقود وليست من نتاجه، ممَّا يجعل البعض يعتبر أنَّ الموهبة والذائقة الموسيقيَّة كانتا وراثيَّتان في العائلة العُثمانيَّة. ينصُّ المخطوط المُعنون «أُمَّهات الأوراد» على بضعة آثارٍ موسيقيَّةٍ من إنتاج بايزيد هي عبارة عن أربعة ألحانٍ على الطنبور وهي: «بَشْرَف أرازبار»، و«سما الطنبور من الدور الكبير»، و«بَشْرَف راحة الرواح من الدور الكبير»، و«بَشْرَف الأوج». وعمل بايزيد على استقطاب المُؤلِّفين والمُلحنين إلى بلاده ببذل العطاء لهم، فقصده المُعلِّم زين العابدين رئيس الفرقة الموسيقيَّة للأمير حسين بايقرا التيموري، ودخل في خدمته، وبِهذا أصبح أحد الأعمدة المُؤسِّسة لِلمُوسيقى الشرقيَّة.[105] وبحسب المُستشرق النمساوي جوزيف ڤون هامر-پرگشتال (بالألمانية: Joseph von Hammer-Purgstall) فإنَّ بايزيد كان يتذوَّق الفن الإيطالي، وساعد الكثير من الفنَّانين والحُكَّام الإيطاليين بِالنُقُود، لِدرجة أنَّهُ حينما توسَّط في إطلاق سراح دوق مَنْتُوَة الذي أسره البنادقة، نفَّذ مجلس الأعيان البُندُقي رغبة السُلطان في جلسةٍ واحدةٍ استحياءً منه.[106] وفي هذه المعلومة دحضٌ لِلافتراء الذي وقع على هذا السُلطان ومفاده أنَّهُ خرَّب بعض اللوحات التي أمر والده الفاتح بِرسمها على النظام الإيطالي، وباعها خارج الدولة العُثمانيَّة، علمًا بِأنَّ تلك اللوحات عُثر عليها بعد وفاة بايزيد بِزمنٍ طويل داخل إحدى أجنحة سراي طوپ قاپي.[105]

تضرِبُني سلاسلُ شعر صدغيكِ
فكأنني أُصابُ بِالجُنُون
كلَّت الرُّوح من الهجر
فالشنق يحتاجُ حبلًا
أَمِبتُ بِدواءٍ لِقلبي العليل
من مشفى شفتيكِ
وجدتُ الطبيب المأمول منهُ الدواء عليلًا
—غزليَّة لِلسُلطان بايزيد الثاني[105]

نَظَم بايزيد الشعر بِالتُركيَّة والفارسيَّة واتَّخذ لِنفسه اسمًا فنيًّا هو «عدني» أو «عدلي»، ولهُ ديوانٌ صغيرٌ صُوفيُّ الطابع مطبوع، ويُعتبر هذا الديوان الصغير أوَّل ديوانٍ نسَّقهُ سُلطانٌ عُثمانيّ، لأنَّ «دُويون» مُحمَّد الفاتح فيه من النواقص ما يُخرجه من نطاق الدواوين الحقيقيَّة. وبِحسب يحيى بُستان زاده فقد تفوَّق بايزيد على والده بِالغزل، وقد عمد المُؤرِّخ التُركي مُحمَّد فُؤاد الكوبريللي إلى تجميع قصائده ونشرها. وبِحسب ما ورد في مُذكَّرات وحوليَّات المُؤرِّخين والساسة العُثمانيين فإنَّ موهبة بايزيد بِجمال الحديث والنُّظم لم يكن بها نقص. أحبَّ بايزيد الأدب الفارسي كثيرًا، وشمل الشُعراء والأدباء الإيرانيين بِعطفه وعطائه،[105] فعلى سبيل المثال كان كُلٌّ من الشاعر الفارسي الكبير المُلَّا عبد الرحمٰن الجامي المُقيم في هراة وشيخ النقشبنديَّة المُقيم في بُخارى، يتسلَّمان سنويًّا من السُلطان بايزيد مبلغ 500 آقچة.[106] شأنه شأن والده قبله، احترم هذا السُلطان العُلماء والشُعراء واستمتع بِحُضُور مجالس الفكر والعلم، وكان من أحب الأُمُور إلى قلبه حُضُور دُرُوس علم التفسير التي كانت تُلقى في جامع آيا صوفيا، وكان يُوظِّفُ من يكتب الشعر الجميل في سرايه، ويُروى أنَّ قصيدة غزل لِلشاعر «صائي» وقعت بِيد بايزيد، فأُعجب بها، وأمر بِإيجاد كاتبها، وعندما وجده وظَّفه في السراي كاتبًا. يرى المُؤرِّخ التُركي إسماعيل حقَّي أوزون چارشلي (بالتركية: İsmail Hakkı Uzunçarşılı)‏ أنَّ بايزيد الثاني، بِمُبادراته ونشاطاته هذه، جعل العاصمة العُثمانيَّة مركز العالم الإسلامي في زمنه.[105]

يُمكن اعتبار بايزيد الثاني مُؤسِّس علم التأريخ عند العُثمانيين، فكُل ما يُعرف اليوم تقريبًا عن الفترة المُمتدَّة لِقرنٍ ونصفٍ من التاريخ العُثماني يعتمد على ما دُوِّن في كُتُب التاريخ في عهده، بعد أن احترقت المُدوَّنات الأولى على يد المغول بِقيادة تيمورلنك خلال اجتياحه الأناضول. ومن أبرز مزايا السُلطان بايزيد أنَّهُ كان قارئًا دقيقًا، يقرأ بِتركيزٍ كُلٍّ مُؤلَّفٍ جديدٍ يُهدى إليه، ويُعطي لِلكاتب مُكافأة تتفق وقيمة الكتاب أجرًا له على مجهوده، وكان يستدعي المُؤلِّفين أصحاب الكُتُب القيِّمة ويُقابلهم، على أنَّهُ لم يكن يُشجِّع المُؤلِّفين الذين وضعوا كُتُبهم تملُّقًا ومُداهنةً.[106] وأولى بايزيد أهميَّةً كُبرى في تربية أولاده بحيثُ كان كُلٌ منهم واسع الاطلاع على عُلُوم العصر، فكان قورقود من كبار عُلماء عصره، وكان أحمد يُجيدُ العربيَّة وعلم السياسة إلى درجةٍ أنَّهُ وضع كتابًا في السياسة بِاللُغة العربيَّة. وهُناك شبه إجماع على أنَّ بايزيد الثاني أكثر سلاطين بني عُثمان تديُّنًا، وكثيرًا ما تذكر المصادر أنَّهُ لم يُهمل العبادات، وأنَّهُ أكثر من دفع الصدقات، وعندما اكتمل بناء المسجد الجامع الذي سُمِّي باسمه وأرادوا افتتاحه، أعلن أنَّ من سيفتتحه يجب ألَّا يكون قطع الصلاة مع سُننها في حياته، فإن وُجد لِيكن إمامًا في أوَّل صلاة جُمُعة، وعندما لم يظهر أحد، تقدَّم بايزيد بِنفسه قائلًا أنَّهُ لم يقطع صلاة الفرض ولا السُنَّة مُنذُ صِغره، فافتتح المسجد وأمَّ الصلاة بِالمُسلمين. ويُعتقد أنَّ تشجيعه على نقل مراكز الطُرُق الصوفيَّة والتكيَّات المركزيَّة إلى إسلامبول لعب دورًا بِإطلاق لقب «الصوفي» عليه.[105] وعن تٌقى وصلاح بايزيد يقول المُؤرِّخ شمسُ الدين مُحمَّد بن أبي السُرُور البكري: «وَكَانَ يُصْرِفُ جَمِيعَ أَوْقَاتِهِ فِي تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَالْعِبَادَةِ وَالدَّرْس، وَيُصَلِّي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ بِالْجَمَاعَة. وَكَان كَرِيمَ النَّفْسِ، طَيَّبَ الْأَخْلَاق، مُخْتَشِعًا مُتَوَاضِعًا، يُبَجِّلُ الصَّغِيرَ كَمَا يُوَقِّرَ الْكَبِيرَ. وَكَان لِسَانُه طَاهِرًا لَا يُذْكَرُ أَحَدًا بِسُوء. وَكَانَت أَنْوَارُ الْعِبَادَةِ تَتَلأْلأُ فِي صَفَحَاتِ وَجْهَهِ الْمُبَارَك». وكان بايزيد كثير التصدُّق والإحسان على أهل الحرمين الشريفين، فكان يُرتِّبُ لهم الصَّر في كُلِّ سنةٍ على ما جرت به العادة مُنذُ عهد السُلطان مُحمَّد الأوَّل، وكان يُجهِّز إلى فُقراء الحرمين في كُلِّ سنةٍ أربعة عشر ألف دينار ذهبًا يُصرف نصفها على فُقراء مكَّة ونصفها الآخر على فُقراء المدينة المُنوَّرة، فكانوا يتَّسعون بها ويُنفقونها ويدعون له، وورد عليه شُعراء الديار الحجازيَّة يمتدحونه ويشكرونه، ومن أبرز هؤلاء شهاب الدين أحمد بن الحُسين المكِّي، الشهير بِـ«ابن العُلَيْفِ»، الذي صنَّف باسم بايزيد كتابًا سمَّاه «الدُّر المنظوم في مناقب السُلطان بايزيد ملك الروم»، ونظم فيه قصيدةً رائقةً، من بعض ما ورد فيها:[107]

فيا راكبًا يسري على بطن ضامرٍإلى الروم يهدي نحوها طيِّب النشر
لَكَ الخيرُ إن وافيت رومًا فسر بهارُويدًا لِإستنبول سامية الذكر
لدى مليكٍ لا يبلغ الوصف كنههُشريف المساعي نافذ النهي والأمر
إلى بايزيد الخير والمَلِكِ الذيحمى بيضة الإسلام بِالبِيْضِ والسُمْرِ
وجرَّد لِلدين الحنيفي صارمًاأباد به جَمْعَ الطواغيت والكُفر
وجاهدهم في الله حقَّ جهادهرجاءٌ لما ينبغي من الفوز بِالأجر
لهُ هيبةٌ تملأُ الصُّدور وصولةٌمُقسَّمةٌ بين المخافةِ والذُعر
أقواس ونبال السُلطان بايزيد.
مُنمنمة تُصوِّرُ حُلم بايزيد الذي دفعهُ لِلتخلِّي عن مُمارسة الصيد وفق الرواية العُثمانيَّة، ويظهر السُلطان مُحمَّد الفاتح وهو يمتطي الأيل مُخاطبًا ابنه بايزيد ناهيًا إيَّاه عن الصيد.

يُضاف إلى ما سلف ما ذكره المُؤرِّخ أحمد بن يُوسُف القرماني من أنَّ بايزيد كان يجمع في كُلِّ مكانٍ حلَّ به من غزواته ما على ثيابه من الغُبار والتُراب ويحفظه، فلمَّا دنا أجله أمر بأن يُصنع من ذلك الغُبار والتُراب لبنة صغيرة وأن توضع معهُ في القبر تحت خدِّه الأيمن، ويُعتقد أنَّهُ أراد بِذلك فحوى الحديث النبوي: «مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ في سَبيلِ اللَّهِ حَرَّمَهُ اللَّهُ علَى النَّارِ».[103] من المعروف أيضًا أنَّ بايزيد الثاني اهتمَّ بِالرياضة، ويُنقل عن الشيخ حمد الله قوله بأنَّ بايزيد كان راميًا ماهرًا، وصانع نِبال، وصل شغفه بِالرماية إلى حدِّ اعتُبر نقطة ضعفه، وقد جمع مُعلِّمي صناعة الأقواس والنِبال في إسلامبول، وأقام لهم سوقًا خاصَّةً. وقد وصل شغفه بِالرماية إلى درجة أنَّهُ رجا الشيخ حمد الله أن ينصب حجرًا حيثُ سقط سهم «إسكندر طوزقوبران الرامي» صاحب الرقم القياسي في عصره، وهو ما يُقابل تكريم رئيس إحدى الدُول المُعاصرة رياضيًّا موهوبًا. واللافت أيضًا أنَّ بايزيد أمر بِكتابة العبارة التالية على شاهدة قبر الشيخ حمد الله: «رئيس الخطَّاطين وشيخ الرُماة». وكان بايزيد يستمعُ أيضًا بِامتطاء الخيل، كما ذكر أندراوس گريتي أعلاه، ويُقال أنَّهُ لولا أن أُصيب بِمرض النقرس الذي كان يُسبِّبُ له آلامًا مُبرحةً في قدميه، لاستمرَّ في حفلات الصيد وترويض الخُيُول طيلة حياته. على أنَّ الرواية العُثمانيَّة، نقلًا عن بايزيد نفسه، تنص على أنَّهُ رأى في منامه أنَّهُ خرج لِلصيد كالعادة، فظهر والده السُلطان مُحمَّد الفاتح يمتطي أيلًا ويُحذِّره من الاستمرار بِهذه الهواية، فاستفاق بايزيد واعتبر أنَّ هذه رسالة تنُمُّ عن عدم رضى والده، فتوقَّف عن مُمارسة الصيد ولم يخرج إليه مُنذُ ذلك الحين. أخيرًا، يُعرف أنَّ بايزيد كان شغوفًا بِالأعمال الحرفيَّة، ويُحبُّ العقيق الأحمر جيِّد التشكيل والفضَّة المُصاغة بِمهارة وأشغال الخراطة، وكانت ألبسته شبيهة بِألبسة والده الفاتح، ولكنَّهُ كان يميلُ إلى لبس ثياب الصوفيَّة البسيطة حينما يكون بِمُفرده محبَّةً بِالأولياء والمُتصوفين والفُقراء، وقد انتقلت هذه الخاصيَّة إلى ابنه سليم فيما بعد.[105]

تلقبه بِلقب «خليفة»

يقول المُستشرق البريطاني طوماس آرنولد أنَّ السلاطين العُثمانيين تسمُّوا بِلقب «خليفة» قبل فتح الشَّام ومصر بِزمنٍ طويل، وسبب تلقبهم بِهذا يرجع إلى أنَّ الكثير من الأُمراء المُسلمين قليلي الأهميَّة في العالم الإسلامي كانوا ينتحلون هذا اللقب الفخم مُنذُ أن سقطت بغداد بِيد المغول وقُتل آخر خُلفاء بني العبَّاس أبو عبد المجيد عبدُ الله المُستعصم بِالله سنة 656هـ المُوافقة لِسنة 1258م، فلا يُستغرب عندها - برأيه - ألَّا يرفض سلاطين آل عُثمان الأقوياء هذا المديح. ويُقال أنَّ أوَّل سُلطانٍ عُثمانيٍّ لقَّب نفسه بِخليفة المُسلمين كان مُراد الأوَّل، وأنَّ ابنه بايزيد استعمل هذا اللقب أيضًا، ثُمَّ انتحله ابنه مُحمَّد، ثُمَّ مُراد الثاني، ثُمَّ مُحمَّد الفاتح، واستمرَّ بعده ابنه بايزيد على سياسة أسلافه في ادعاء الخِلافة، فقد كتب إليه يعقوب بن أوزون حسن فسمَّاه: «صاحب الجلالة الذي بلغ منزلة الخِلافة الرفيع الشأن وفخر سلاطين العالم الجالس بِحقٍ على عرش الخلافة».[108]

زوجاته وأولاده

تزوَّج بايزيد الثاني عدَّة نساء خِلال حياته وأنجب منهُنَّ جميع أبنائه وبناته، وكانت بعض زيجاته لِأغراضٍ محض سياسيَّةٍ، بينما كان بعضها الآخر تقليديًّا. أمَّا زوجاته وأولاده فهم:

زوجاته
تُربة شيرين خاتون، أولى زوجات بايزيد الثاني، الكائنة ضمن الكُليَّة المُراديَّة في مدينة بورصة.
  • شيرين خاتون: تزوَّجها بايزيد حينما كان ما يزال وليًّا لِلعهد وواليًا على سنجق أماسية حوالي سنة 1462م، أنجب منها إبنًا وإبنه.[tr 16]
  • حُسنيشاه خاتون: ابنة نصوح بك، حفيد الأمير إبراهيم بن مُحمَّد القرماني. تزوَّجها بايزيد حينما كان ما يزال وليًّا لِلعهد وواليًا على سنجق أماسية، وأنجب منها إبنًا وابنة.[tr 16]
  • بُلبُل خاتون: تزوَّجها بايزيد حينما كان ما يزال وليًّا لِلعهد وواليًا على سنجق أماسية، أنجبا إبنان وبنت.[tr 16]
  • نگار خاتون: تزوَّجها بايزيد حينما كان ما يزال وليًّا لِلعهد وواليًا على سنجق أماسية، أنجبا إبنًا وبنت. تُوفيت في حياة زوجها سنة 1503م.[tr 16]
  • گُلرُخ خاتون: تزوَّجها بايزيد خِلال ولاية عهده وأنجبا إبنًا وبنت. عمَّرت طويلًا حتَّى تُوفيت في أوائل سلطنة سُليمان القانوني.[tr 16]
  • عائشة گُلبهار خاتون: تذكر إحدى الوقفيَّات أنها ابنة رجُلٍ يُدعى «عبد الصمد»،[tr 17] ممَّا يعني أنَّها قد تكون مجهولة النسب وأُصُولها مسيحيَّة بلقانيَّة، وأُطلق عليها «بنت عبد الصمد» تماشيًا مع العادة الإسلاميَّة بتسمية فُلان مجهول النسب بِـ«ابن عبد الله» أو «عبد الصمد» وغيره من الأسماء المُعبَّدة، على اعتبار أنَّ كائنًا من كان والد الشخص فهو عبدٌ من عباد الله. تنصُّ مصادر أُخرى أنَّها ابنة الأمير القدري علاء الدولة بوزقورد بك.[tr 17] تزوَّجها بايزيد سنة 1469م وأنجبا إبنًا واحدًا. تُوفيت في حياة زوجها حوالي سنة 1505م.[tr 16]
  • فَرَخشاد مُحترمة خاتون: تزوَّجها بايزيد حوالي سنة 1486م وأنجبا إبنًا وحيدًا.[tr 16]
أبناؤه
تُربة الشاهزاده أحمد بن بايزيد الكائنة ضمن الكُليَّة المُراديَّة.
قبر الشاهزاده قورقود بن بايزيد الكائن بِجوار قبر السُلطان أورخان غازي.
  • عبد الله: ابن شيرين خاتون، وهو أسنُّ أولاد السُلطان بايزيد. تولَّى مغنيسية والقرمان وتُوفي لِأسبابٍ طبيعيَّةٍ في شهر رمضان سنة 888هـ المُوافقة لِسنة 1483م، ولم يعقب ولدًا.[109]
  • شاهنشاه: ابن حُسنيشاه خاتون، وُلد سنة 865هـ المُوافقة لِسنة 1461م، وتولَّى بلاد القرمان مُدَّة حتَّى تُوفي بِقونية سنة 917هـ المُوافقة لِسنة 1511م، ونُقل نعشه إلى بورصة ودُفن في جوار مرقد جدُّ أبيه السُلطان مُراد الثاني. خلف والدًا اسمه «مُحمَّدشاه»، قتله عمُّه السُلطان سليم خلال أوائل سلطنته ضمن حملته لِتطهير البلاد من المُنافسة والمخاطر المُحتملة.[109]
  • أحمد: ابن بُلبُل خاتون. وُلد سنة 870هـ المُوافقة لِسنة 1465م، ولَّاه والده أماسية، وكان المُرشَّح لِخلافته قبل بُرُوز اسم أخيه الأصغر سليم. قُتل سنة 918هـ المُوافقة لِسنة 1513م على يد أخيه السُلطان سالف الذِكر بِسبب سعيه لِلسُلطة وميله لِلاستعانة بِالصفويين، ودُفن في بورصة بِجوار جدِّ أبيه مُراد الثاني، وكان لهُ من الأولاد الذُكُور: مُراد وعلاء الدين وسُليمان وعُثمان وقاسم، فقتل عمُّهم سليم من وجد منهم على قيد الحياة.[109]
  • علمشاه: ابن گُلرُخ خاتون، وُلد سنة 1466م، وتولَّى مغنيسية فترةً من الزمن. تُوفي سنة 908هـ المُوافقة لِسنة 1503م، ودُفن في جوار السُلطان مُراد الثاني بِبورصة، وخلَّف ولدًا اسمه عُثمان، قُتل على يد عمِّه سليم.[109]
  • قورقود: ابن نگار خاتون، وُلد حوالي سنة 1467م أو 1469م، وتولَّة مغنيسية ثُمَّ تكَّة كما أُسلف. قُتل على يد أخيه سليم بعدما أظهر نيَّتةً مُبطَّنةً بِالسعي إلى السُلطة والميل إلى المماليك، فدُفن في جوار السُلطان أورخان في بورصة.[109]
  • سليم: ابن عائشة گُلبهار خاتون، وُلد سنة 875هـ المُوافقة لِسنة 1470م، تولَّى المُلك بعدما تنازل له أبيه عن العرش حينما ثبُت أنَّه الوحيد القادر على الإمساك بِدفَّة الأُمُور وتقويمها. قُدَّر لهُ أن يُعيد توحيد مُعظم ديار الإسلام في دولةٍ واحدةٍ بعد قُرُونٍ من التشتُّت، وأن يُصبح أوَّل الخُلفاء المُسلمين من بني عُثمان بِحُكم الأمر الواقع.
  • محمود: ابن بُلبُل خاتون، وُلد سنة 880هـ المُوفقة لِسنة 1475م، تولَّى قسطموني ثُمَّ مغنيسية وتُوفي فيها سنة 913هـ، وكان ماهرًا بِنظم الشعر والنثر ومجلسهُ دومًا مشحون بِأصحاب المعارف والشُعراء والعُلماء، وخلف ثلاثة أولاد: أورخان وموسى وأمير، قُتلوا جميعًا على يد عمِّهم سليم.[109]
  • مُحمَّد: ابن فَرَخشاد مُحترمة خاتون، وُلد سنة 892هـ المُوافقة لِسنة 1487م. تولَّى كفَّة حتَّى تُوفي بها سنة 910هـ المُوافقة لِسنة 1504م، ونُقل نعشه إلى بورصة فدُفن في جوار السُلطان مُراد الأوَّل.[109]
بناته
  • خديجة عينشاه خاتون: ابنة شيرين خاتون، تزوَّجت الأمير أحمد كوده بن مُحمَّد البايندري، من الأُمراء الآق قويونلويين، وأنجبت منه ابنتان وابنٌ وحيد. دُفنت في المدرسة التي أقامتها في إسلامبول.[tr 18]
  • عائشة خاتون: لا تذكر المصادر هويَّة والدتها، تزوَّجت من بكلربك الأناضول سنان باشا، وأنجبت منه إبنًا وحيدًا وثلاث بنات. أنشأت مسجدًا وأوقفت عدَّة أراضي لِصالح المُسلمين. حظيت بِرعاية والدها بعد أن تُوفي زوجها سنة 1504م، ثُمَّ أخوها السُلطان سليم. دُفنت في ناحية وفاء بإسلامبول.[tr 18]
  • خوندي خاتون: ابنة بُلبُل خاتون، تزوَّجت الوزير (ثُمَّ الصدر الأعظم) أحمد باشا بن هرسك سنة 1484م.[tr 18]

أمَّا بنات بايزيد الأُخريات فهُنَّ: فاطمة خاتون، وخديجة خاتون، وإلعالدة خاتون، وقمرشاه خاتون، وسُلجُوق خاتون، وشاه خاتون، وسُلطانزاده خاتون، وهُماشاه خاتون.[tr 18]

في الثقافة الشعبيَّة

ظهرت شخصيَّة بايزيد في بضعة أعمالٍ مرئيَّة ومكتوبة، منها على سبيل المِثال كتاب «قائد دفَّة السُلطان» (بِالإنگليزيَّة: The Sultan's Helmsman)، وهي تتناول الفترة الوُسطى من عهد بايزيد، وتُصوِّرهُ على أنَّهُ حاكمٌ مُتنوِّرٌ عادل يُديرُ دفَّة الأُمُور في دولته بِحزمٍ ودراية. وفي لُعبة الڤيديو المُسمَّاة «عقيدة الحشَّاشين: الوحي» (بِالإنگليزيَّة: Assassin's Creed: Revelations) يُذكر اسم بايزيد دون أن يظهر، وفي أحداث قصَّة اللُعبة أنَّ السُلطان غادر إسلامبول، فاستغلَّ البيزنطيُّون غيابه وحاولوا بعث إمبراطوريَّتهم بِالتعاون مع بعض فُرسان الهيكل. وفي آخر فصلٍ من اللُعبة يُذكر أنَّ بايزيد تنازل عن العرش لِابنه سليم.[en 56] ظهرت شخصيَّة بايزيد أيضًا في المُسلسل البريطاني الأمريكي حامل عنوان «شياطين داڤينشي» (بِالإنگليزيَّة: Da Vinci's Demons)، وأدَّى المُمثل «آكين غازي» (بالتركية: Akın Gazi)‏ دور بايزيد، الذي صُوِّر بِأنه يسعى إلى مُفاوضة البابا سيكتوس الرابع على أمل إحلال السلام بين روما والقُسطنطينيَّة، فأذلَّهُ البابا وسخر منه، فما كان منه إلَّا أن أمر بِمُهاجمة أطرانط.

وصلات خارجية

بايزيد الثاني
ولد: 3 كانون الأوَّل (ديسمبر) 1447 توفي: 26 أيَّار (مايو) 1512
ألقاب ملكية
سبقه
مُحمَّد الفاتح
سُلطان الدولة العُثمانيَّة

3 أيَّار (مايو) 1481 – 24 نيسان (أبريل) 1512

تبعه
سليم الأوَّل
ألقاب ادعائيَّة بِالأحقيَّة
سبقه
مُحمَّد الفاتح
قيصر الرُّوم

3 أيَّار (مايو) 1481 – 24 نيسان (أبريل) 1512

سليم الأوَّل
  • بوابة الدولة العثمانية
  • بوابة الإسلام
  • بوابة التاريخ الإسلامي
  • بوابة أعلام
  • بوابة ملكية
  • بوابة السياسة
This article is issued from Wikipedia. The text is licensed under Creative Commons - Attribution - Sharealike. Additional terms may apply for the media files.