تاريخ بلاد الرافدين

يمتد تاريخ بلاد ما بين النهرين منذ أولى فترات الاستيطان البشري لجنوب بلاد الرافدين وصولًا إلى أواخر التاريخ القديم. جُمع هذا التاريخ من خلال الأدلة المستمدة من أعمال التنقيب الأثرية، وعن طريق المصادر التاريخية المتزايدة بعد اختراع الكتابة في أواخر الألفية الرابعة قبل الميلاد.

لم تستعمر إلا أجزاء من بلاد الرافدين العليا في العصر الحجري القديم وبدايات العصر الحجري الحديث، واستُعمر الحوض الجنوبي للنهرين خلال العصر الحجري الحديث المتأخر. كانت بلاد الرافدين وطنًا لكثير من أقدم الحضارات المهمة في التاريخ، إذ دخلت التاريخ من العصر البرونزي الباكر، لهذا السبب تدعى هذه المنطقة باسم مهد الحضارة.

يعود ظهور أولى مدن جنوب بلاد الرافدين إلى فترة أوروك منذ 4000 سنة قبل الميلاد. فيما بعد، انتهت فترة استقلالها باحتلالها من قبل الدولة الأخمينية الفارسية عام 539 قبل الميلاد، بالرغم من ذلك، ظهر عدد من الممالك الأصلية الآشورية الجديدة خلال أوقات مختلفة.

لمحة مختصرة عن بلاد الرافدين

يعود استخدام مصطلح بلاد الرافدين أو بلاد ما بين النهرين إلى القرن الرابع قبل الميلاد باللغة اليونانية القديمة، عندما كان هذا الاسم يستخدم للإشارة إلى الأرض الواقعة شرق الفرات في شمال سوريا. فيما بعد توسع استخدام المصطلح ليشمل بشكل عام جميع الأراضي بين نهري دجلة والفرات، وبالتالي لم يعد يشمل أجزاء من سوريا فحسب بل كامل العراق تقريبًا وأجزاء من جنوب شرق تركيا. كثيرًا ما تضاف الأراضي الواقعة غرب الفرات والأجزاء الغربية من جبال زاغروس تحت المسمى الواسع لبلاد الرافدين.[1][2][3][4][5][6]

تتمثل المنطقة العليا من بلاد الرافدين (والمعروفة أيضًا باسم الجزيرة) بالمنطقة بين دلجة والفرات من منبعيهما وصولًا إلى بغداد. أما بلاد الرافدين الدنيا فهي المنطقة الممتدة من بغداد حتى الخليج العربي. في الاستخدام العلمي الحديث، اكتسب مصطلح بلاد الرافدين مفهومًا زمنيًا جديدًا. إذ يستخدم هذا المصطلح عمومًا للإشارة إلى هذه المنطقة في الفترة السابقة للفتح الإسلامي في القرن السابع الميلادي، واستخدمت أسماء عربية أو معربة لوصف المنطقة مثل سوريا والعراق والجزيرة بعد ذلك التاريخ.[7]

الترتيب الزمني التاريخي

يمكن تمييز نوعين من الترتيب الزمني للمنطقة: الترتيب الزمني النسبي والترتيب الزمني المطلق. يعتمد الترتيب الزمني النسبي ترتيب المراحل والفترات الزمنية والثقافات وحكم الممالك المتعاقبة، بينما يعتمد المطلق تحديد عمر واضح مطلق يعبر عنه باستخدام السنوات. في علم الآثار، تتحدد التواريخ النسبية باستخدام الحفر الدقيق في المواقع الأثرية وإعادة بناء تراصفها الزمني (أي ترتيب الطبقات الأرضية الحاوية على الآثار). بشكل عام تكون الآثار الجديدة متوضعة فوق تلك الأقدم منها. تتحدد التواريخ المطلقة من خلال تحديد عمر الآثار -أو الطبقات الأرضية التي وجدت الآثار ضمنها- بشكل دقيق من خلال وسائل تأريخ زمني مطلقة. تعتمد هذه الوسائل على التأريخ بالكربون المشع والتاريخ المكتوب الذي يمكن أن يقدم أسماء السنوات أو تواريخ محددة بتقويم زمني.

من خلال الجمع بين وسائل التأريخ المطلقة والنسبية، بني إطار زمني لبلاد الرافدين يحمل الكثير من التفاصيل غير المؤكدة، لكنه بالرغم من ذلك يبقى قيد التنقيح والتصحيح. في هذا الإطار، تحددت الكثير من الفترات في مراحل ما قبل التاريخ وبدايات التاريخ اعتمادًا على الثقافة المادية التي يعتقد أنها كانت تمثل كل فترة. كثيرًا ما تدعى هذه الفترات نسبة للموقع الذي اكتشفت في هذه المواد في المرة الأولى، من الأمثلة على ذلك نذكر حضارة حلف وفترة العبيد وعصور جمدة نصر. عندما أصبحت الوثائق التاريخية متوفرة للعوام، تصبح تسمية الفترات التاريخية عمومًا معتمدة على الدولة أو السلالة الحاكمة المسيطرة، من الأمثلة على ذلك نذكر سلالة أور الثالثة والسلالة البابلية الأولى. في حين يعتبر تحديد فترات حكم الملوك منذ الألفية الأولى قبل الميلاد، يوجد هامش كبير ومتزايد للخطأ رجوعًا نحو الألفيتين الثانية والثالثة قبل الميلاد.

اعتمادًا على تخمينات مختلفة لطول الفترات الزمنية التي لا تتوفر عنها وثائق تاريخية كافية حتى الآن، طُرحت تسلسلات زمنية طويلة ومتوسطة وقصيرة وقصيرة جدًا من قبل الباحثين، مختلفة عن بعضها بنحو 150 سنة في تأريخها لفترات تاريخية محددة. بالرغم من وجود مشاكل في التسلسل الزمني المتوسط، يبقى هذا الإطار الزمني مستخدمًا في الكثير من الكتب الحديثة حول علم الآثار والتاريخ القديم للشرق الأدنى. نشرت دراسة أجريت عام 2001 تواريخ عالية الدقة محددة بالكربون المشع من تركيا تدعم تواريخ الألفية الثانية قبل الميلاد بشكل قريب جدًا من التواريخ التي وجدتها طريقة التسلسل الزمني المتوسط.

عصور ما قبل التاريخ

ما قبل صناعة الفخار والعصر الحجري الحديث

يعتبر الاستعمار البشري لبلاد الرافدين في العصر الحجري الحديث -كما هو الحال بالنسبة إلى العصر فوق الحجري السابق- محدودًا بمناطق سفوح الجبال في جبال طوروس وزاغروس والحدود العليا لواديي نهري دجلة والفرات. شهدت فترة العصر الحجري ما قبل الصناعات الفخارية A (PPNA) بين 10 آلاف إلى 8 آلاف قبل الميلاد ظهور الزراعة، بينما يعود الدليل الأول لاستئناس الحيوانات إلى الانتقال من فترة العصر الحجري قبل الصناعات الفخارية A إلى فترة العصر الحجري قبل الصناعات الفخارية B (PPNB) بين عامي 8700 و 6800 قبل الميلاد في نهاية الألفية التاسعة قبل الميلاد.

دُوّن هذا التحول في مواقع مثل تل أبو هريرة وتل المريبط، الذين استمر احتلالهما من قبل الثقافة النطوفية وصولًا إلى فترة PPNB. تعود أقدم الهياكل الكبيرة والمباني الحجرية الدائرية المكتشفة حتى الآن من غوبيكلي تيبي في جنوب شرق تركيا إلى الفترة ما بين PPNA وصولًا إلى بدايات عصر PPNB، وتمثل -تبعًا للمنقب المكتشف لها- الجهود المشتركة لمجتمع كبير من البشر في مرحلة الصيد والالتقاط.[8][9][10][11]

العصر النحاسي

كانت منطقة الهلال الخصيب مأهولة من قبل عدة ثقافات متميزة ومزدهرة في الفترة ما بين نهاية العصر الجليدي (منذ 10 آلاف سنة قبل الميلاد) وبداية التاريخ. أحد أقدم المواقع الأثرية من العصر الحجري الحديث في منطقة بلاد الرافدين هي جرمو، التي استُعمرت نحو عام 7000 قبل الميلاد وتعتبر مزامنة نوعًا ما لأريحا (في الشرق الأدنى) وجاتال هويوك (في الأناضول). كانت هذه المواقع بالإضافة إلى مواقع العصر الحجري الحديث مثل سامراء وتل حلف ضمن شمال بلاد الرافدين، واحتاجت المستعمرات البشرية اللاحقة في جنوب بلاد الرافدين إلى وسائل ري أكثر تعقيدًا. أولى هذه المستعمرات هي الإريدو الذين استقروا خلال فترة العبيد كفلاحين جلبوا معهم ثقافة سامراء من الشمال.

ثقافة حلف (شمال غرب بلاد الرافدين)

كانت الصناعات الفخارية مزينة بأنماط وزخرفات تجريدية هندسية، خصوصًا في ثقافة حضارة حلف، المعروفة أيضًا بتماثيل الخصوبة الصلصالية المدهونة بخطوط. كان الصلصال في كل مكان وكان المادة الأساسية للعمل، كثيرًا ما كانت التماثيل الصغيرة مدهونة بزخرفة سوداء. جرت التجارة بالآنية المصنوعة والمصبوغة بعناية. استُخدمت المواد الصلصالية الحاوية على أكسيد الحديد ممددة بدرجات مختلفة أو مُزجت المعادة المختلفة من أجل إنتاج ألوان متنوعة.

حضارة تل حسونة

حضارة حسونة هي حضارة أثرية من فترة العصر الحجري الحديث في شمال بلاد الرافدين تعود إلى أوائل الألفية السادسة قبل الميلاد. تعود تسمية هذه الحضارة إلى الموقع الأثري النموذجي في تل حسونة العراقي. تتضمن المواقع الأثرية الأخرى التي اكتشفت فيها مواد من نمط تل حسونة منطقة تل شمشارة.

المراجع


    • بوابة آسيا
    • بوابة الشرق الأوسط القديم
    • بوابة العراق
    • بوابة بلاد الرافدين
    • بوابة تاريخ الشرق الأوسط
    This article is issued from Wikipedia. The text is licensed under Creative Commons - Attribution - Sharealike. Additional terms may apply for the media files.