ليبرالية دينية

الليبرالية الدينية هي تصور للدين بشكل عام (أو لدين ما بشكل خاص) يركز على الحرية[1] والعقلانية.[2] وهي موقف يتخذه الشخص تجاه دينه الخاص (على عكس النقد الديني الذي يوجهه شخص علماني، وعلى عكس انتقاد الأديان الأخرى التي لا يؤمن بها الشخص) بشكل يتعارض مع الموقف التقليدي أو الموروث، ويلاقي هذا الموقف معارضة مباشرة من موجات الأصولية الدينية. ترتبط الليبرالية الدينية بمفهوم الحرية الدينية، وهي تقبل العقائد والممارسات الدينية المختلفة، لكن ذلك لا يعني أن جميع أنصار الحرية الدينية يؤيدون الليبرالية الدينية، والعكس صحيح.[3]

لمحة عامة

تعطي «الليبرالية» في سياق الليبرالية الدينية معنى الليبرالية الكلاسيكية، إذ تشكلت في مرحلة عصر التنوير، والتي مثلت نقطة البداية لكل من الليبرالية الدينية والسياسية، لكن الليبرالية الدينية، لا تلتقي بالضرورة مع جميع معاني «الليبرالية» في الفلسفة السياسية. على سبيل المثال، فشلت دراسة تجريبية أجريت في إلينوي عام 1973 لإيجاد رابط بين الليبرالية الدينية والليبرالية السياسية في الوصول إلى نتيجة حاسمة.[4]

ظهر استخدام مصطلح «ليبرالي» في سياق الفلسفة الدينية منذ أواسط القرن التاسع عشر وأصبح المصطلح معروفًا في النصف الأول من القرن العشرين. على سبيل المثال، في عام 1936 كتب أستاذ الفلسفة والكاهن في كنيسة تلاميذ المسيح إدوارد سكريبنر في مقالته المدعوة «الليبرالية في الدين»:

«يبدو أن مصطلح «الليبرالية» بدأ يطور معنى دينيًا، ما يعطيه أهمية إضافية. إنه متناقض بشكل أكثر حدة مع الأصولية الدينية، ويشير إلى معنى أشد عمقًا من العصرية. تصف الأصولية موقفًا غير متقبل للانتقاد نسبيًا، وفيها تكون العادات والتقاليد والسلطوية أمورًا طاغية. لا شك أن خسارة الإيمان التقليدي تركت الكثيرين مرتبكين بغير هدف، ليجد هؤلاء أن لا راحة في التشويق للتجديد أو الهرب من المبادئ. إنهم يتوقون إلى الشعور بوجود معنى أعمق وتوجه لحياتهم. تتوجه الليبرالية الدينية -لا بصفتها طائفة دينية بل موقفًا وأسلوبًا- إلى الواقع الملموس في مهمات بناء حياة بشرية فردية وجماعية أكثر أهمية».

ينتقد مناصرو التقليدية الدينية مبدأ الليبرالية الدينية؛ لأنهم يرفضون فكرة تدخل عناصر الحداثة في التقاليد الدينية، ويعترض عليه مناصرو العلمانية أيضًا؛ لأنهم يفترضون أن إدخال التفكير العقلاني أو الناقد لا يترك أي مجال للدين بمجمله.

في الديانة المسيحية

«المسيحية الليبرالية»: هي مصطلح واسع يشمل بعض التطورات في اللاهوت وثقافة المسيحيين منذ بداية التنوير في أواخر القرن الثامن عشر. انتشر هذا المصطلح بشكل أساسي بين الطوائف المسيحية الكبرى في العالم الغربي، لكنه يتلقى معارضة من قبل حركة الأصولية المسيحية التي تشكلت في رد على هذه الموجات، ومن قبل الطوائف المسيحية الإنجيلية بشكل عام. تتعارض المسيحية الليبرالية أيضًا مع الأشكال المحافظة للمسيحية خارج العالم الغربي وخارج نطاق تأثير فلسفة التنوير والعصرية، خصوصًا ضمن المسيحية الشرقية.

تملك الكنيسة الرومانية الكاثوليكية بالتحديد تاريخًا مليئًا بالجدل حول مسائل الليبرالية الدينية. على سبيل المثال، نظرت المعايير الدينية في القرن التاسع عشر إلى الكاردينال جون هنري نيومان (1801 – 1890) على أنه ليبرالي إلى حد ما لأنه انتقد مبدأ العصمة البابوية، لكن الكاردينال اتخذ موقفًا معارضًا بشكل صريح لما دعاه بـ «الليبرالية في الدين»؛ لأنها يمكن أن تقود إلى النسبوية المطلقة بحسب تعبيره.[5]

انتقد الكاتب المشيخي البروتستانتي الإنجيلي المحافظ جون بريشام ماكن ما دعاه بـ «الليبرالية الطبيعية» في كتابه المسيحية والليبرالية الذي نشره عام 1923، والذي حاول من خلاله إظهار أنه «بالرغم من استخدام الليبراليين للتعابير التقليدية لكن الليبرالية المعاصرة ليست دينًا مختلفًا عن المسيحية فحسب، بل إنها تنتمي إلى نوع مختلف تمامًا من الأديان». أبدى المدافع عن المسيحية الإنجيلية سي. إس. لويس وجهة نظر مشابهة لماكن في أواسط القرن العشرين، مشيرًا إلى أن «اللاهوت من النمط الليبرالي» أدى إلى إعادة تصور كلية للديانة المسيحية ورفض المسيحية التي يفهمها أتباعها المسيحيون بحد ذاتهم.[6]

في الديانة اليهودية

بدأت الإصلاحات الدينية اليهودية الألمانية في ضم الفكر النقدي والأفكار الإنسانية إلى اليهودية منذ بدايات القرن التاسع عشر. أدى هذا إلى إنشاء العديد من الطوائف غير التقليدية، من اليهودية المحافظة الليبرالية بشكل معتدل، وصولًا إلى اليهودية الإصلاحية الليبرالية المتطرفة. يتبنى الجناح المعتدل من اليهودية الأرثوذكسية المعاصرة -خصوصًا الأرثوذكسية المنفتحة- منهجًا مشابهًا.

في الديانة الإسلامية

تتضمن الليبرالية والتقدمية في الإسلام أشخاصًا معلنين لإسلامهم أنشؤوا قاعدة هامة من الفكر الليبرالي حول مفاهيم الإسلام وطقوسه.[7] يوصف عملهم أحيانًا باسم «الإسلام التقدمي»، ويعتبر بعض المفكرين مثل أستاذ الدراسات الإسلامية أميد صافي أن كلًا من الإسلام التقدمي والإسلام الليبرالي حركة مستقلة.[8]

ترتكز منهجيات كل من الإسلام الليبرالي أو التقدمي على تفسير النصوص الإسلامية التقليدية (مثل القرآن والحديث)، وهي عملية تدعى بالاجتهاد.[9] يمكن أن يتراوح هذا الاجتهاد من مفهومه الضيق حتى الشكل الواسع، إذ يعتبر معنى القرآن فقط وحيًا، أما التعابير اللغوية من كلمات وجمل ضمنه فينظر إليها على أنها عمل الرسول محمد في زمنه الخاص وسياق محدد.

يرى المسلمون الليبراليون أنهم يعودون إلى المبادئ الأولى للأمة من جانب التفسير الأخلاقي التعددي للقرآن.[10] وهم ينأون بأنفسهم عن بعض التفسيرات التقليدية غير الليبرالية للشريعة الإسلامية والتي يعتبرونها ذات أساس ثقافي وغير قابلة للتطبيق بشكل معمم. تستخدم الحركة الإصلاحية مفهوم التوحيد كمبدأ منظم للمجتمع البشري وأساس للمعرفة الدينية والتاريخ والميتافيزيقيا والجماليات والأخلاق، بالإضافة إلى النظام الاجتماعي والاقتصادي والعالمي.[11]

العصرية الدينية حركة وصفت بأنها «الاستجابة الأيديولوجية الإسلامية الأولى» التي تحاول التوفيق بين الدين الإسلامي من جهة،[12] والمبادئ المعاصرة مثل الوطنية والديمقراطية والحقوق المدنية والعقلانية والمساواة والتطوير من جهة أخرى. تتضمن هذه الحركة إعادة النظر في المفاهيم التقليدية للفقه الإسلامي ومنهجيته، ومقاربة جديدة للديانة الإسلامية وتفسير القرآن.[13]

كانت هي الأولى من بين عدة حركات إسلامية -مثل العلمانية والإسلاموية والسلفية- التي ظهرت في أواسط القرن التاسع عشر كردة فعل على التغيرات المتسارعة في ذلك الوقت، خصوصًا الغزو الملحوظ للحضارات الغربية والاستعمار للعالم الإسلامي. يتضمن مؤسسو هذه الحركة عالم الدين محمد عبده الذي عمل شيخًا للأزهر مدة قصيرة قبل وفاته عام 1905، بالإضافة إلى جمال الدين الأفغاني ومحمد رشيد رضا.

استخدم المجددون الإسلاميون الأوائل (مثل الأفغاني ومحمد رضا) مصطلح «السلفية»[14] للإشارة إلى محاولاتهم لتجديد الفكر الإسلامي، ويشار إلى هذه «الحركة السلفية» في الغرب باسم «العصرية الإسلامية» في كثير من الأحيان،[15] على الرغم من الاختلاف الكبير لهذه الحركة عما يعرف اليوم باسم الحركة السلفية، التي تشير عمومًا إلى حركات متطرفة مثل الوهابية. تبعًا للكاتب والأستاذ ماليس روثفن، عانت العصرية الإسلامية منذ نشأتها من مشاركة كل من الحكام العلمانيين، ومن «العلماء الإسلاميين الرسميين» الذين كانت مهمتهم الأساسية هي تشريع أعمال الحاكم وصياغتها بصورة دينية.[16]

من الأمثلة على الحركات الليبرالية ضمن العالم الإسلامي حركة المسلمين البريطانيين التقدميين (التي تشكلت بعد هجمات لندن الإرهابية عام 2005، وانحلت في عام 2012) وحركة المسلمين البريطانيين للديمقراطية العلمانية (التي تشكلت عام 2006)، وحركة المسلمين من أجل القيم التقدمية (التي تشكلت عام 2007).

في ديانات شرق آسيا

لم تتأثر أديان شرق آسيا مباشرة بالليبرالية وفلسفة التنوير، وخضعت جزئيًا لحركات الإصلاح بعد التواصل مع الحضارات الغربية في القرنين التاسع عشر والعشرين. ظهرت حركات الإصلاح الهندوسية هذه في الهند البريطانية في القرن التاسع عشر. ظهرت أيضًا العصرية البوذية (أو البوذية الجديدة) بشكلها الياباني كردة فعل على إصلاح مييجي، وتحولت مرة أخرى خارج اليابان في القرن العشرين، متيحةً الفرصة أمام ظهور طائفة الزن البوذية المعاصرة.[17][18]

انظر أيضا

مصادر

  1. Newman 1991, p. 144: "[...] when people talk about 'religious liberalism,' they are normally referring to a commitment to a certain kind of conception of what religion is and, accordingly, of how religious attitudes, institutions, and communities should be developed or reshaped so as to accommodate and promote particular forms of personal and group freedom."
  2. Newman 1991, p. 159: "[...] religious liberalism came to be so concerned with respect for reason, reasonableness, and rationality [...]"
  3. Newman 1991, p. 143–144: "However, given the way in which terminology has evolved, we must be careful not to assume too close an association between 'religious liberty' and 'religious liberalism.' Many people who think that religious liberty is basically a good thing that ought to be promoted do not wish to be regarded as advocates of religious liberalism; some of them even feel that many of those who call themselves 'religious liberals' are enemies of religious liberty, or at least end up undermining religious liberty in the process of promoting their own special brand of 'liberal religion.' [...] One notable problem here is that, when liberalism is considered in relation to religion, one may be thinking primarily of a certain 'liberal' conception of religion itself (in contrast with, say, orthodox, conservative, traditionalist, or fundamentalist conceptions) or one may be thinking more of a 'liberal' political view of the value of religious liberty. But, when people talk about 'religious liberalism,' they are usually thinking of the former more than the latter, although they may uncritically assume that the two necessarily accompany one another."
  4. Stellway، Richard J. (Summer 1973). "The correspondence between religious orientation and socio‐political liberalism and conservatism". The Sociological Quarterly. 14 (3): 430–439. JSTOR 4105689. doi:10.1111/j.1533-8525.1973.tb00871.x.
  5. "Liberalism in religion is the doctrine that there is no positive truth in religion, but that one creed is as good as another…", J. H. Newman 'Biglietto Speech' http://www.newmanreader.org/works/addresses/file2.html
  6. Lewis، C. S. (1988). The essential C.S. Lewis. New York: Collier Books. صفحة 353. ISBN 0020195508. OCLC 17840856. All theology of the liberal type involves at some point—and often involves throughout—the claim that the real behavior and purpose and teaching of Christ came very rapidly to be misunderstood and misrepresented by his followers, and has been recovered or exhumed only by modern scholars. (From an essay titled "Modern theology and biblical criticism" written in 1959.)
  7. Safi، Omid، المحرر (2003). Progressive Muslims: on justice, gender and pluralism. Oxford: Oneworld Publications. ISBN 9781851683161. OCLC 52380025.
  8. Safi، Omid. "What is Progressive Islam?". averroes-foundation.org. Averroes Foundation. مؤرشف من الأصل في July 9, 2006.
  9. Aslan، Reza (2011) [2005]. No god but God: the origins, evolution, and future of Islam (الطبعة Updated). New York: راندوم هاوس. ISBN 9780812982442. OCLC 720168240.
  10. Sajid، Abdul Jalil (December 10, 2001). "'Islam against Religious Extremism and Fanaticism': speech delivered by Imam Abdul Jalil Sajid at a meeting on International NGO Rights and Humanity". mcb.org.uk. Muslim Council of Britain. مؤرشف من الأصل في June 7, 2008.
  11. "Tawhid". oxfordislamicstudies.com. Oxford Islamic Studies Online. مؤرشف من الأصل في 24 ديسمبر 2019. اطلع عليه بتاريخ 22 مارس 2015.
  12. Moaddel، Mansoor (2005). Islamic modernism, nationalism, and fundamentalism: episode and discourse. Chicago: University of Chicago Press. صفحة 2. ISBN 9780226533339. OCLC 55870974. Islamic modernism was the first Muslim ideological response to the Western cultural challenge. Started in India and Egypt in the second part of the 19th century ... reflected in the work of a group of like-minded Muslim scholars, featuring a critical reexamination of the classical conceptions and methods of jurisprudence and a formulation of a new approach to Islamic theology and Quranic exegesis. This new approach, which was nothing short of an outright rebellion against Islamic orthodoxy, displayed astonishing compatibility with the ideas of the Enlightenment.
  13. Martin، Richard C.، المحرر (2016) [2004]. Encyclopedia of Islam and the Muslim world (الطبعة 2nd). Farmington Hills, MI: Macmillan Reference, a part of Gale, Cengage Learning. ISBN 9780028662695. OCLC 907621923.
  14. Brown، Jonathan A. C. "Salafism: Modernist Salafism from the 20th century to the present". oxfordbibliographies.com. Oxford Bibliographies. doi:10.1093/obo/9780195390155-0070. مؤرشف من الأصل في 10 يوليو 2019.
  15. Atzori، Daniel (August 31, 2012). "The rise of global Salafism". abo.net. مؤرشف من الأصل في April 24, 2014. اطلع عليه بتاريخ 06 يناير 2015. Salafism is, therefore, a modern phenomenon, being the desire of contemporary Muslims to rediscover what they see as the pure, original and authentic Islam, ... However, there is a difference between two profoundly different trends which sought inspiration from the concept of salafiyya. Indeed, between the end of the 19th century and the beginning of 20th century, intellectuals such as Jamal Edin al-Afghani and Muhammad Abdu used salafiyya to mean a renovation of Islamic thought, with features that would today be described as rationalist, modernist and even progressive. This salafiyya movement is often known in the West as "Islamic modernism." However, the term salafism is today generally employed to signify ideologies such as سلفية وهابية, the تطهيريةical ideology of the Kingdom of السعودية.
  16. Ruthven، Malise (2006) [1984]. Islam in the world (الطبعة 3rd). Oxford, New York: Oxford University Press. صفحة 318. ISBN 9780195305036. OCLC 64685006. اطلع عليه بتاريخ 23 أبريل 2015.
  17. McMahan، David L. (2008). The making of Buddhist modernism. Oxford; New York: دار نشر جامعة أكسفورد. ISBN 9780195183276. OCLC 216938497. doi:10.1093/acprof:oso/9780195183276.001.0001.
  18. Havnevik، Hanna؛ Hüsken، Ute؛ Teeuwen، Mark؛ Tikhonov، Vladimir؛ Wellens، Koen، المحررون (2017). Buddhist modernities: re-inventing tradition in the globalizing modern world. Routledge studies in religion. 54. New York: روتليدج. ISBN 9781138687844. OCLC 970042282.
    • بوابة ليبرالية
    • بوابة السياسة
    • بوابة الأديان
    This article is issued from Wikipedia. The text is licensed under Creative Commons - Attribution - Sharealike. Additional terms may apply for the media files.