مبتدأ

في النحو العربي وقواعد اللغة العربية المبتدأ اسم صريح أو مؤول بالصريح مرفوع أو في محلِّ رفع، يأتي غالباً في بداية الجملة الاسمية، ويليه ما يُعرف اصطلاحاً بالخبر، وبإسناد الخبر إليه يكتمل معنى الجملة وتصبح ذات فائدة معنوية، مثل: «الحَقُّ بَيِّنٌ».[1] والمبتدأ هو الاسم المجرَّد من العوامل اللفظية غير الزائدة في الإسناد، والعامل في رفعه هو معنى الابتداء نفسه.[2][3] والجملة التي تتكون من المبتدأ والخبر تسمَّى جملة اسمية، ويُفَرَّقُ بين الاثنين كون المبتدأ هو المُحَدَّث عنه والخبر هو المُحَدَّث به.[4][5] والمبتدأ إمَّا مخبراً عنه أو وصفاً عاملاً في اسم مرفوع سدَّ مسدَّ الخبر.[6] والمبتدأ يأتي اسماً ظاهراً مُعرباً، أو اسماً مبنيّاً كأسماء الإشارة أو الأسماء الموصولة أو أسماء الشرط، ويأتي كذلك ضميراً منفصلاً، ويكون مصدراً مؤولاً من أنْ والفعل المضارع أو من همزة التسوية وما بعدها،[7][8] والأصل في المبتدأ أن يكون معرفة، إلا أنَّه قد يكون نكرة إذا أفادت النكرة معنى محدداً ليكون في الإخبار عنها فائدة.[9][10]

العامل في المبتدأ

ليس للمبتدأ أي عامل لفظي، والعامل في رفعه هو معنى الابتداء نفسه، فالعامل في المبتدأ هو عامل معنوي غير ظاهر ولكنّه مفهوم في الذهن. وهذا هو أشهر الآراء، وقال به جمهور البصريين، وهناك أقوال أخرى غير هذه، أشهرها أنَّ المبتدأ والخبر يترافعان، أي أنَّ كل منهما هو العامل في رفع الآخر، وأخذ بهذا الرأي جمهور الكوفيين ومنهم ابن جني وأبو حيان.[11] ولا يوجد موقع إعرابي آخر غير المبتدأ يُجرَّد من العوامل اللفظية وفقاً لأغلبية النحاة. ولكن ليس كل اسم مجرد من العوامل اللفظية هو بالضرورة مبتدأ، فقد تأتي بعض الأسماء مجردة من العوامل اللفظية ولكن لم يسند إليها أي لفظ، فإذا قلنا مثلاً: «الحَقُّ» لم يكن «الحَقُّ» مبتدأ، على اعتبار المثال السابق جملة صحيحة، لأنَّه لم يُسند إليه أي لفظ بعد، وإذا أُسند إليه لفظ يُخبِر عنه فسيكون عندها مبتدأ.[12]

بإمكان عوامل لفظية زائدة أن تعمل في المبتدأ، وهذه العوامل الزائدة لا تؤخذ كعوامل حقيقية، لأن الزائد في عُرف النحاة حكمه حكم الساقط.[13][14] مثل حروف الجر الزائدة التي تتصل بالمبتدأ فتعمل على جرّه لفظاً، ولكنَّه محلّا يبقى مرفوعاً بالابتداء، وهذه العوامل وما شابهها التي تدخل زيادة على المبتدأ عوامل ثانوية لا يُعتد بها، وذلك لأنَّ وجودها من عدمها لا يغير شيئاً من المفهوم العام للجملة.[15] وقد تسبقه أيضاً عدد من الأدوات غير العاملة فلا تؤثر فيه كذلك، ولا يُعتد بها كعوامل أيضاً، غير أنَّ هذه العوامل الثانوية تزيل أثر العامل المعنوي الأول، فعملها في المبتدأ عمل لفظي وليس وظيفي.[16]

دائماً ما تدخل الإشارة إلى تَجَرُّد المبتدأ من العوامل اللفظية في تعريفه، وذلك للتمييز بينه وبين الفاعل ونائب الفاعل، وأيضاً للتمييز بين المبتدأ ومعمول «كان وأخواتها» المرفوع، الذي هو في الأصل والمدلول مبتدأ، ونفس الشيء ينطبق على معمول «أفعال المقاربة والرجاء والشروع» المرفوع وكذلك معمول «أخوات إنَّ» المنصوب.[17][18]

أنواع المبتدأ

يأتي المُبَتَدأَ فِي ثَلَاثَةُ صُوَرٌ. فيكون المبتدأ اسماً صريحاً، مفرداً أو مثنى أو جمعاً، مذكَّراً أو مؤنَّثاً، مثل: «سَعدٌ حَضَرَ الاِجتِمَاعَ». ويشمل هذا المصادر الصريحة والأسماء المشتقة[ملاحظة:2]، مثل: «الاِطمِئنَانُ مَكَانُهُ القَلبُ» أو «مَا صَادِقٌ أَنتَ». ويأتي المبتدأ كذلك ضميراً منفصلاً، وذلك على اختلاف أنواعه من ناحية التذكير والتأنيث ومن ناحية الإفراد والتثنية والجمع، مثل: «أَنتَ حَدِيثُكَ مُشَوِّقٌ». ويكون المبتدأ مصدراً مؤولاً، أي أنَّ المبتدأ في لفظه المقدَّر والمفهوم يُستخرج من حرف مصدري وما بعده، مثل: «وَأَنْ تَصُومُوا خَيرٌ لَكُمْ» حيث المصدر المؤول من «أَنْ» الناصبة والفعل المضارع في أول الجملة في محلِّ رفع مبتدأ، وتقدير الكلام: «صِيَامُكُم خَيرٌ لَكُمْ». ويأتي المصدر المؤول كذلك من همزة التسوية وما بعدها، كما في الآية: «» حيث المصدر المؤول من همزة التسوية «أَ» والفعل «أَنذَرَ» بعدها في محلِّ رفع مبتدأ تقديره «إِنذَارُكَ».[19][20][21][22][23] ويُلاحظ كثرة مجيء المبتدأ مصدراً مؤولاً في الحديث النبوي والكلام العربي القديم.[24]

لا يأتي المبتدأ ضميراً متصلاً إلَّا في حالتين فقط، وذلك إذا تحوّل المبتدأ من كونه ضميراً منفصلاً إلى متصل بحرف جر زائد، مثل: «كَيفَ بِكَ». حيث كاف المخاطب ضمير متصل مبني في محل رفع مبتدأ، وأصل الجملة القول: «كَيفَ أَنتَ» حيث تحوَّل الضمير المنفصل إلى متصل باتصاله بحرف الجر الزائد، وكلا الضميرين مبتدأ، ومن هذا أيضاً: «كَيفَ بِهِ» أو «كَيفَ بِنَا». ويأتي المبتدأ ضميراً متصلاً إذا جاءَ بعد «لَولَا»، مثل: «لَولَاهُ» أو «لَولَايَ» أو «لَولَاكَ» أو «لَولَانَا»، في جملةٍ مثل: «لَولَاكَ لخَسَرنَا اللُّعبَةَ».[25]

ويصلح ما يكون في قوة الاسم الصريح أن يكون مبتدأ، مثل "الجملة المحكية بالقول": «حَسبِيَ اللَّه وَنِعمَ الوَّكِيلِ مَا يَقُولُهُ المُؤمِنُ عِندَ المُصِيبَةِ».[26] حيث المبتدأ في الجملة السابقة هو الجملة المحكية «حَسبِيَ اللَّه وَنِعمَ الوَّكِيلِ»، ولا يجب النظر إلى الجملة المحكية باعتبارها جملة حقيقية تتركب من مفردات منفصلة، ولكن باعتبارها بنية لغوية واحدة تشكل ككل ما يعادل اسماً مفرداً.

المبتدأ الوصف

المبتدأ من ناحية المسند إليه نوعان، النوع الأول والأكثر شيوعاً هو المبتدأ الذي يسند إليه الخبر، والنوع الآخر هو المبتدأ الذي يُسند إليه اسم مرفوع سدَّ مسدَّ الخبر، وذلك عندما يكون المبتدأ اسم وصف. ويشترك النوعان نحوياً في تجرُّدهما من العوامل اللفظية غير الزائدة ويشتركان كذلك في العامل في رفع كل منهما، وهو عامل «الابتداء». وفي المقابل فإنَّ النوعين يختلفان في أمور أخرى، فالمبتدأ الذي يُسند إليه الخبر يكون اسماً صريحاً أو مؤولاً بالصريح كما سبق، أمَّا المبتدأ الذي أُسند إليه فاعل أو نائب فاعل فلا يكون إلا اسماً ظاهراً، وبالتحديد اسم وصف. والمبتدأ الوصف، على عكس المبتدأ من النوع الأول، يحتاج إلى لفظ يسبقه لكي يعتمد عليه وفقاً لأغلبية النحاة، وهذا اللفظ هو إمَّا أداة استفهام أو نفي.[98][ملاحظة:5]

قالوا أنَّ خبره محذوف [أي المبتدأ الوصف] لسد فاعله مسدَّ الخبر، وليس بشيء، بل لم يكن لهذا المبتدأ أصلاً من خبر حتى يحذف ويسدُّ غيره مسدَّه، ولو تكلَّفت له تقدير لم يتأتَّ، إذ هو في المعنى كالفعل. والفعل لا خبر له، فمن ثم تم بفاعله كلاماً من بين جميع اسم الفاعل والمفعول والصفة المشبهة، ولهذا أيضاً لا يُصَغَّر ولا يُوصَف ولا يُعَرَّف ولا يُثَنَّى ولا يُجمَع
—رضي الدين الاستراباذي
شرح الرضي على كافية ابن الحاجب (92/1)

الوصف في تعريف النحويين هو ما دلَّ على معنى محدد ودلَّ على صاحبه، والاسم الوصف يتضمَّن الأسماء المشتقة العاملة كاسم الفاعل، مثل: «» والاسم المفعول، مثل: «» والصفة المشبهة باسم الفاعل، مثل: «» وأمثلة المبالغة، مثل: «» واسم التفضيل، مثل: «»، والاسم الجامد المؤول بالمشتق، مثل: «»، والاسم المنسوب، مثل: «».[21] ويجب التفريق بين مصطلح الوصف ومصطلح الصفة، فالأخير هو مرادف للنعت. وليست الأسماء المشتقة هي الوحيدة التي ترفع فاعلاً أو نائب فاعل، فهناك المصدر العامل واسم المصدر وأسماء الأفعال، ولكن هذه الأسماء تحتاج إلى خبر ولا يسدُّ معمولها مسدَّه.

ويُقصد باسم الوصف الأسماء المشتقة العاملة عمل الفعل كاسم الفاعل والاسم المفعول، وهذه الأسماء لا يُسند إليها خبر وإنَّما فاعل ونائب فاعل.[14] وهذا الأسلوب هو في الأصل أسلوب فِعلي، أي أنَّ أصل الجملة «هَل ذَاهِبٌ مُحَمَّدٌ» هو الجملة الفعلية «هَل سَيَذهَبُ مُحَمَّدٌ»، ثُمَّ قُلِب الفعل اسماً للدلالة على الثبوت، وهذا يُفسِّر رفع الأسماء المشتقة فاعلاً أو نائباً له وعدم احتياجها إلى خبر.[99] وتظلُّ جملة اسمية الجملة المركبة من المبتدأ الوصف إضافة إلى الفاعل أو نائب الفاعل، حتى وإن كانت دلالتها على الفعلية.[100] ومتى ما أصبح المبتدأ وصفاً ورفع فاعلاً أو نائباً للفاعل يلزم الإفراد ولا يُجمع أو يُثنى على غرار الفعل في عمله، وهو في مشابهته الفعل لا يُوصَف ولا يُصَغَّر ولا يُعَرَّف كذلك.[101] ويُشترط في الاسم الوصف أن يكون متقدِّماً على معموله الذي سدَّ مسدَّ الخبر، أمَّا إذا تقدَّم معموله عليه فلا يكون الوصفُ مبتدأً.[102]

والاسم المرفوع بالمبتدأ الوصف لا يكون إلا منفصلاً، سواء أكان اسماً ظاهراً أو ضميراً منفصلاً، ولا يأتي على أية صورة أخرى غير هاتين الصورتين فقط.[103] ويرى جمهور الكوفيين أنَّ الاسم المرفوع بالمبتدأ الوصف لا يكون إلَّا اسماً ظاهراً فقط، ويمنعون مجيئه بصورة ضمير منفصل، بحجة أنَّ الاسم الوصف يُعامل معاملة الفعل، والفعل لا ينفصل الضمير عنه، فلا يقال: «مَا ذَاهِبٌ أَنتَ» لأنَّه لا يجوز القول: «مَا ذَهَبَ أَنتَ».[104] ويُشترط في الاسم المرفوع بالمبتدأ الوصف أن يكون قادراً على أن يسدَّ مسدَّ الخبر بمفرده، أي أن يصحَّ الوقوف عنده مع اكتمال معنى الجملة وصحتها، أمَّا إذا لم يقدر على ذلك وظلَّ مفهوم الجملة ضبابي غير واضح إلى حدٍّ ما في حين اضطر موقف ما إلى تبيين الجهة المسؤولة عن الفعل بوضوح، يُلحق اسم مرفوع بعد الاسم المعمول لتوضيح أعمق وأكثر اختصاصاً لمعنى الجملة، ويتغير الإعراب ويكون الاسم المرفوع هو المبتدأ ويُسند إليه الاسم الوصف الذي يصير خبراً مقدماً، مثل: «أَمُجتَهِدٌ صَدِيقَاهُ مُحَمَّدٌ».[105]

شرط الاعتماد

ويَشترِط أغلبية النحاة لكي يكون المبتدأ وصفاً أن تُسبق الجملة بأداة نفي أو استفهام، وهذه هو مذهب نحاة البصرة ما عدا الأخفش، مثل: «مَا كَاتِبٌ أَنتَ مَا أَقُولُ» أو «هَل مَكتُوبٌ مَا أَقُولُ؟» حيث اسم الفاعل «كَاتِبٌ» المسبوق بأداة نفي في المثال الأول هو مبتدأ، والضمير المنفصل «أَنتَ» في محلِّ رفع فاعل سدَّ مسدَّ الخبر وأغنى عنه من ناحية اللفظ والمعنى. واسم المفعول «مَكتُوبٌ» المسبوق بأداة استفهام في المثال الثاني هو مبتدأ أيضاً، والاسم الموصول «مَا» في محلِّ رفع نائب فاعل سدَّ مسدَّ الخبر بعد أنْ كان مفعولاً به قبل حذف الفاعل.[106] ولا يجب أن يكون الاستفهام بالحرف كما هو في الأمثلة السابقة، فقد يكون بدون ذلك من أسماء الاستفهام أو غيرها، مثل: «مَتَى ذَاهِبٌ أَنتَ إِلى العَمَلِ؟»، ولا يُشترط كذلك أن يكون النفي بالحرف فقد يأتي المبتدأ الوصف منفياً بغير ذلك، كأن يكون منفياً بالاسم، مثل: «غَيرُ مَوجُودٍ مَا ذَكَرتَهُ» وحينها سيكون معمول اسم الوصف سادّاً مسدَّ خبر الاسم الأول والوصف في المثال السابق مضاف إليه، وقد يكون النفي بالفعل، مثل: «لَيسَ كَاذِبٌ الرَّجُلُ»، وقد يأتي النفي كذلك من تأويل سياق الكلام وليس بالضرورة بأداة ظاهرة، مثل: «».[101][107] لا يوافق نحاة الكوفة على هذا الشرط، فهم يجيزون أن يسدَّ معمول اسم الوصف مسدَّ الخبر بغير شروط، ويستدلون فيما ذهبوا إليه بشواهد شعرية فصيحة، وضع لها البصريون استثناء من قاعدتهم ورأوا فيها خروج من المألوف لدواعٍ شعرية.[108][ملاحظة:6]

حالات الوصف مع مرفوعه

إذا طابق الوصف ما بعده - ما يقترن معه في الإسناد - من ناحية التثنية والجمع، وُجِبَ اعتبار الوصف خبر مُقدَّم والاسم المرفوع بعده مبتدأ مؤخَّر، مثل: «مَا ذَاهِبَانِ أَنتُمَا» أو «مَا ذَاهِبُونَ أَنتُم»، وأصل الجملتين: «مَا أَنتُمَا ذَاهِبَانِ» و«مَا أَنتُم ذَاهِبُونَ». ويجوز على لغة «أكلوني البراغيث» أن يكون الوصف مبتدأ والاسم المرفوع سدَّ مسدَّ الخبر، ولكن في الأغلب لا يؤخذ بهذه اللغة وتعد انحرافاً عن قواعد العربية. أمَّا إذا لَزَمَ الوصف الدلالة على الإفراد، ولم يطابق الاسم بعده من ناحية التثنية والجمع، كان الاسم الوصف مبتدأ، والاسم المرفوع بعده إمَّا يكون فاعل أو نائب فاعل وفقاً لنوع الوصف، فيكون فاعل بعد الاسم الفاعل والصفة المشبهة بالاسم الفاعل وصيغ المبالغة بينما يكون نائب فاعل بعد الاسم المفعول، مثل: «مَا ذَاهِبٌ أَنتُمَا» أو «مَا ذَاهِبٌ أَنتُم». ولا يجوز على الإطلاق اعتبار الوصف خبر مقدم، لأنَّ المبتدأ عندما يكون مثنى أو جمع، لا يأتي الخبر مفرداً. أمَّا إذا كان كلا من الوصف والاسم المرفوع بعده اسم مفرد، مثل: «مَا ذَاهِبٌ أَنتَ» يصحُّ الأخذ بالوجهين كلاهما، فيجوز اعتبار الاسم الوصف مبتدأ والاسم المرفوع فاعل أو نائب فاعل، ويجوز كذلك اعتبار الوصف خبر مقدم والاسم المرفوع مبتدأ مؤخر.[109][110][111]

إذا كان الاسم الوصف من الأسماء التي لا تثنى أو تجمع صرفياً أو لفظياً، ولكن تتغير دلالتها من الدلالة على الإفراد إلى التثنية أو الجمع مع بقاء صياغتها ملازمة صورة الاسم المفرد، يُعتبر الاسم الوصف في هذه الحالة مطابقاً الاسم المرفوع بعده في جميع الأحوال، سواء كان الاسم المرفوع مفرد أو مثنى أو جمع، وتنطبق عليهما القواعد السارية على الوصف والاسم المرفوع المتطابقَين.[105]

مطابقة الخبر للمبتدأ

عندما يكون المبتدأ مُذَكَّراً فيؤتى بالخبر مُذَكَّراً مطابقةً له، مثل: «أَحمَدٌ طَالِبٌ مُهَذَّبٌ». وكذا عندما يكون المبتدأ مؤنث فإنَّ الخبر يكون مؤنثاً أيضاً، فيقال: «فَاطِمَةٌ طَالِبَةٌ مُهَذَّبَةٌ». وعندما تدخل علامات التثنية أو الجمع على المبتدأ، فإنَّ الخبر يُثنَّى أو يُجمَعُ مطابقةً له بدخول علامات تثنية أو جمع عليه، فيقال: «العَامِلَانِ مُجتَهِدَانِ» أو «العَامِلُونَ مُجتَهِدُون» أو «الطَّالِبَاتُ مُجتَهِدَاتُ»، وأيضاً عندما يكون المبتدأ جمع تكسير فإنَّ الخبر يكون جمعاً كذلك، مثل: «العُمَّالُ مُجتَهِدُون».[112][113] ويُستَثنَى من هذه القاعدة إذا كان الخبر اسم تفضيل نكرة أو اسماً سببياً أو مصدراً أو اسماً يتشابه فيه صيغة الجمع والإفراد.[112] وإذا سدَّ فاعل أو نائب فاعل مسدَّ الخبر، فلا يطابق الفاعل ونائب الفاعل المبتدأ من ناحية التذكير والتأنيث أو من ناحية العدد.[113][114]

إذا كان كلاً من المبتدأ والخبر اسماً مفرداً وكان المبتدأ اسم نكرة، فيوجب الإتيان بالخبر منكَّراً أيضاً مطابقة للمبتدأ، مثل: «صَدِيقٌ مُخلِصٌ أَفضَلُ مِن قَرِيبٍ لَئِيم». أمَّا إذا كان المبتدأ مُعرَّفاً فقد يكون المبتدأ نكرة أو معرفة.[115]

غالباً ما يطابق الخبر المبتدأ من ناحية الإعراب، فيكون كلاهما مرفوعاً، وذلك عدا عدد من الحالات لا يعرب فيها المبتدأ أو الخبر بالرفع. ويحدث هذا عندما يسبق المبتدأ حرف جر زائد أو شبه زائد، فيكون عندها المبتدأ مجرور اللفظ مرفوع المحل، كما سيجيء من الأمثلة. وتدخل حروف الجر الزائدة على الخبر أيضاً، فتجرُّه لفظاً، مثل: «مَا أَنَا بِمُصَدِّقٍ مَا تَقُولُ». وينصب الخبر على الظرفية عندما يكون ظرف زمان أو مكان، مثل: «غَداً المُبَارَاةُ» أو «الطَّيرُ فَوقَ الشَّجَرَةِ». ويُنصَب المبتدأ إذا دخل على الجملة الاسمية حرفٌ ناسخٌ من أخوات إنَّ، ويكون المبتدأ منصوب لفظاً ومحلاً، مثل: «كَأَنَّ السَّرَابَ مَاءٌ». وبالمثل فالخبر ينصب لفظاً ومحلاً إذا دخل على الجملة الاسمية فعل ناسخ من أخوات كان، مثل: «صَارَ الحُلمُ حَقِيقَةً».[116]

وقوع المبتدأ منزلة اسم شرط

إذا كان الخبر مبهم وغير واضح المعنى ولكنَّه سبباً شرطياً في حدوث الخبر، يمكن اعتباره بمنزلة اسم شرط والخبر بمنزلة جواب الشرط، وإذا تأخّر الخبر فيجب حينها اتصاله بالفاء الداخلة على جواب الشرط.[117][118]

ملاحظات

  • ملاحظة أولى : الاسم المشتق ويسمى أيضاً الاسم الوصف، للاسم المشتق أحكام خاصة به عندما يكون مبتدأ، انظر: المبتدأ الوصف.

  • ملاحظة ثانية : هناك عدد آخر من الحالات التي يذكر النحاة صحة الابتداء بالنكرة فيها، ومن هذه:
  1. يصحُّ الابتداء بالنكرة في أول الجملة الحالية، مثل: «دَخَلنَا الحَقلَ وجَنَّةٌ رَأَينَا».[76][78]
  2. إذا جاءت النكرة دالة على التنويع أو التقسيم، مثل قول امرئ القيس: «فَأَقبَلتُ زَحفاً عَلَى الرُكبَتَينِ فَثَوبٌ لَبِستُ وَثَوبٌ أَجر».[76][124]
  3. إذا كانت النكرة معطوف عليها اسم معرف أو نكرة مخصوصة، مثل: «دَفتَرٌ وَكِتَابٌ ضَخمٌ مَوضُوعَانِ عَلَى الرَّفِ».[76][124] ويمكن أيضاً الابتداء بالاسم النكرة المعطوف على اسم معرف أو نكرة مخصوصة، مثل: «كِتَابٌ ضَخمٌ وَدَفتَرٌ مَوضُوعَانِ عَلَى الرَّفِ»، ويجوز في المثال السابق الاكتفاء بإعراب «دَفتَرٌ» باعتباره اسم معطوف ويجوز كذلك اعتباره مبتدأ نكرة.[79]
  4. أذا تعلَّق بالنكرة شيء من تمام معناها، مثل: «أَسمَاكٌ فِي المُحِيطِ كَثِيرَةٌ».[81]
  5. إذا كان المقصود من النكرة الجنس بأكمله وليس فرد واحد بعينه، ويشابه هذا دلالة النكرة على العموم، غير أنَّ العموم هنا هو العموم على جنس النكرة المذكورة، وليس العموم الذي يشمل أي مبتدأ يمكن أن يستقيم به المعنى.[74]
  6. يصحُّ الابتداء بالاسم النكرة إذا جاء جواباً لجملة استفهامية، مثل: «غَرِيبٌ» جواباً لمن يسأل: «مَن عِندَكَ»، والتقدير قبل حذف الخبر: «عِندِي غَرِيبٌ».[68]
  7. إذا كان الاسم النكرة محصور أو في معنى اسم محصور، مثل: «مَا ذَاهِبٌ إِلَّا زَيدٌ».[125]

  • ملاحظة ثالثة : هذه هي الحالة الوحيدة التي يوجب فيها تأخُّر الخبر على المبتدأ، مما يعني بالضرورة لزوم تقديم المبتدأ عليه، جميع الحالات المتبقية يوجب فيها تقدُّم المبتدأ على الخبر، بمعنى أنَّها الحالة الوحيدة المتعلقة بالخبر التي أثَّرت على موقع المبتدأ في الجملة بتقديمه[48]

  • ملاحظة رابعة : إذا جاء المبتدأ والخبر معرفة فيفصل بينهما ما يُعرف بضمير الشأن، وهدف هذا الضمير هو تمييز الخبر عن التابع، مثل: «أَبِي هو الصَّادِقُ». أمَّا إذا حُذف ضمير الفصل فقد يُفهم أنَّ «الصَّادِقُ» وصف للمبتدأ، فتكون الجملة عندها ناقصة حيث المبتدأ لم يُخبر عنه بعد، فيظلُّ المستمع منتظراً لتكملة الجملة.

  • ملاحظة خامسة : يُقسِّم كثير من النحاة المبتدأ إلى هذين القسمين، غير أنَّ بعض من النحاة، ومنهم محمد بن علي الصبان، لا يرون هذا التقسيم دقيقاً لأنَّه لا يشمل كلَّ الحالات التي يأتي فيها المبتدأ، فأحياناً لا يسند إلى المبتدأ خبر ولا يسدُّ مرفوع مسدَّ خبره، وذلك عندما يكون المبتدأ وصفاً ولا يرفع الوصف فاعلاً أو نائباً عنه، مثل: «أَقَلُّ رَجل يَقُولُ ذَلِكَ»، حيث اسم التفضيل «أَقَلُّ» مبتدأ غير مخبر عنه وفي الوقت ذاته ليس هناك مرفوع عمل فيه اسم التفضيل ليسدَّ مسدَّ الخبر.[6][126] والجملة الفعلية «يَقُولُ ذَلِكَ» صفة للاسم النكرة «رَجل»، ولا يصحُّ أن تكون خبر لأنَّ حاجة الاسم النكرة إلى صفة أكبر من حاجة المبتدأ إلى خبر. والبعض يرى أنَّ اسم التفضيل هو مبتدأ ظاهرياً فقط، بينما مدلوله ومعناه يشير إلى أنَّه فعل، وهو ما يُفسِّر عدم احتياجه إلى خبر.[بحاجة لمصدر] ومن المواضع المماثلة «غَير» الدالة على النفي في جملة مثل: «غَيرُ كَاتِبٌ الطَّالِبَانِ»، والملاحظ أنَّ «غَيرُ» مبتدأ، ولم يُسند إليه خبر وهو ليس وصفاً حتى يرفع ما يسدُّ مسدَّه ويُغني عنه.[6]

  • ملاحظة سادسة : من الشواهد الشعرية التي يستدلُّ بها الكوفيون على إغناء معمول اسم الوصف عن الخبر بغير شروط، بيت شعري ورد للشاعر الجاهلي زهير بن مسعود الضبي، يقول فيه:

فَخَيرٌ نَحْنُ عِندَ النَّاسِ مِنكُمإذَا الدَّاعِي الُمثَوِّبُ قَالَ يَالاَ

انظر أيضاً

الخبر

  • بوابة لسانيات
  • بوابة علوم اللغة العربية
This article is issued from Wikipedia. The text is licensed under Creative Commons - Attribution - Sharealike. Additional terms may apply for the media files.