تاريخ أرمينيا

الأرمينيون التورانيون : تذكر هذه البلاد لأول مرة في سفر التكوين (8 : 4) فعلي أحد جبالها " أراراط " استقر فلك نوح، وثم ذكرها سرجون الأول ملك " أكد " حوالي 3800 ق.م. بين البلاد التي فتحها. وفي الأساطير البابلية القديمة تبدو أرمينية كبلاد بعيدة مجهولة في الشمال، تغطيها الجبال العالية والغابات الكثيفة، وفيها المدخل إلى العالم السفلي (كانت تسمى البلاد التي لا عودة منها)، وعلى حدودها يرتفع جبل " نيزير " الذي تقطنه الآلهة والذي عليــه استقرت سفينة " ست - نابستيم "، " وجبل العالم " هذا هو جبل " جودي " جنوبي بحيرة " فان ". ثم جاء العصر الفرعوني، وبعد أن انتصر تحتمس الثالث في السنة الثالثة والعشرين من ملكه (حوالي 1458 ق. م) على بلاد النهرين وليديا، قدم له رؤساء أرمينيون وغيرهم فروض الطاعة.

ومما يستلفت النظر أن يذكر منذ هذا التاريخ المبكر، اسمها الذي ما زالت تعرف به. ويذكر تحتمس الثالث أن شعب " أرمنين " دفع له الجزية عندما كان يقيم في نينوى، ويقول إنه في بلادهم " تستقر السماء على أعمدتها الأربعة ". وفي بهو سيتي الأول في معبد الكرنك، نرى رجالاً أرمينيين يقطعون الأشجار ليفتحوا طريقاً وسط غاباتهم أمام جيوش ذلك الملك. والأرجح أن رمسيس الثاني في حربه ضد " خيتاشيرى " ملك الحثيين، قد غزا أرمينية. ويذكر رمسيس الثالث عدداً كبيراً من البلاد التي فتحها والمنقوشة أسماؤها على جدران مدينة هابو، والمعتقد أنها كانت في أرمينية. كما غزا الملك الأشورى " يورسبال - أشور " (حوالي 1190 - 1170 ق. م) أرمينية ويضف المنطقة الوسطى (أورارطو الأصلية بالقرب من بحيرة فان) بأنها بلاد " ألمانا " (مني المذكورة في إرميا 51 : 27) " ونهري " (أي الأنهار) وأشكوزا (أشكناز) الخ. ثم غزاها أيضاً " تغلث فلاسر الأول " (حوالي 1110 - 1090 ق. م). وفي 883 ق. م. زحف " أشور ناصر بال " إلى أورارطو، ثم يذكر أن الأرمينيين كانوا يقدمون له في الجزية المركبات والخيل والبغال والفضة والذهب والأطباق النحاسية والثيران والغنم والخمر والثياب المبرقشة والأنسجة الكتانية. وكم من مرة ذهب إليها بالنار والسيف، ولكنها كانت تعود كل مرة إلى العصيان. واستمرت الحرب سجالاً في أيام شلمناصر الثاني (860 - 825 ق.م) وعلى امتداد قرون بعده، فقد اتحد الأرمينيون وأسسوا مملكة قوية (بزعامة " البيناش " حول بحيرة فان) فاستطاعوا المقاومة. وفي سنة 606 ق. م. كان لهم دور في تدمير نينوى، ثم في تدمير بابل فيما بعد. ويصف شلمناصر الثاني القوارب المجدولة من الأغصان الطرية والتي تمخر عباب بحيرة فان. والصفائح البرونزية التي اكتشفت في " بالاوات " تصور الأرمينيين في ثياب شبيهة بثيـاب الحثيين (الذين خضعوا لهم في بعض الأحيان) في أردية قصيرة مشدودة عند الخصر، وأحذية للجليد محددة ومرفوعة في مقدمتها، كما يلبسون خوذات وسيوفا وحراباً وتروساً مستديرة صغيرة. ويقول سايك إن وجوههم شبيهة بالوجوه الزنجية، ومن المحتمل أنهم كانوا منغوليين.

مؤسس مملكة البيناش هو " ساردوريش الأول " حوالي 840 ق. م. وشيد عاصمته توشباش (وهي فان حالياً)، وقد حكم معظم أرمينية ودافع عنها ضد الأشوريين، ويبدو أنه سدد ضربة قوية لشلمناصر الثاني في سنة 833 ق. م وأدخل الحروف المسمارية، واستخدم اللغة الأشورية في كتاباته الأثرية. وقد أدخل ابنه " ايشبوينش " الأبجدية المقطعية الأشورية، وهي تشبه الجورجانية من بعض الوجوه. وجاء بعده الملك منواش وترك كتابات أثريه في كل نواحي أرمينية تقريباً، ذكر فيها انتصاراته على الحثيين وغيرهم.

وقد بلغت مملكة البيناش أوج مجدها في عهد الملك " ارجشتيش الأول " الذي نجح في صد هجمات شلمناصر الثالث (783 - 772 ق.م) على بلاده، ولكن في عهد ابنه سحق تغلث فلاسر الرابع (748 - 727 ق. م) الأرمينيين في معركة فاصلة بالقــرب من " كوما جين " في 743 ق. م. وقد فشل " فول " في الاستيلاء على فان في 737 ق. م، ولكنه خرب البلاد طولاً وعرضاً. وبدأ " روساشن الأول " على رأس الاتحاد الأرميني صراعاً عنيفاً في 716 ق.م مع سرجون (722 - 705 ق. م) الذي استطاع في 716 ق. م أن يستولي على فان ويأسر عائلة روساشن الذي ظل هارباً شريداً خمسة أشهر، انتحر في نهايتها، ولكن أخاه ارجشتيش الثاني استطاع - إلى حد ما - أن يستعيد استقلال بلاده. وقد آوى خليفته أريميناش أدرملك وشرآصر ابني سنحاريب عندما هربا إليه بعد أن قتلا أباهما سنحـاريب (680 ق. م - 2 مل 19 : 37، إش 37 : 38)، وعندما حاولا غزو أشور في نفس السنة، هزمهم آسرحدون الأول هزيمة نكراء. وقد خرب الكيمرانيون (679 - 677 ق. م) أرمينية من نهر كورش إلى جنوبي بحيرة فان، وقد خضع روساشن الثاني (حوالي 660 - 645 ق. م) وابنه اندوريش الثالث (حوالي 640 ق. م). أو بعدها بقليل) لأشـور بانيبال (668 - 626 ق. م). وافتخر نبوخذ نصر (604 - 561 ق. م) بأنه قد وصل إلى فان في فتوحاته، مع أنه يبدو أن الأرمينيين كان لهم يد في تخريب نينوى في 606 ق. م. ويذكر النبي إرميا (51 : 27) ممالك أراراط ومني وأشكناز (حوالي 595 ق. م) وأنها ستعاون في القضاء على بابل (في 528 ق. م) إذ يبدو أن كورش كان قد أخضعهم أو ضمهم إلى جانبه بعد استيلائه على إكبتانا (أحمثا، في 549 ق. م). ثم حل الأرمينيون الآريون شيئاً فشيئاً محل التورانيين.

كان الإله الأعلى للأرمينيين التورانيين هو " هالدش " الذي كان أباً لسائر الآلهة، وكانوا يطلقون على أنفسهم : " أبناء هالدش العظيم " فقد كان هو " وتشباش " إله الجـو، " وأردينيش " إله الشمس، يكونون " مجمع الآلهة العظام " كما تذكر أسماء " أيوش " إله الماء و" أياش " إله الأرض، و" شلاردش " إله القمر، " ساردش " إله السنة، واثنين وأربعين إلهاً آخرين. وكانت " سارى " هي الآلهة الانثي (بالمقابلة مع إشتار) كما كانت العبادة تقدم لأرواح الموتى.

This article is issued from Wikipedia. The text is licensed under Creative Commons - Attribution - Sharealike. Additional terms may apply for the media files.