تاريخ اللاسلطوية

يلف تاريخ اللاسلطوية الغموض المرافق للمصطلح ذاته. يواجه الباحثون صعوبة في تعريف ماهية الأناركية والاتفاق بشأنها، وهو ما يجعل تبيين تاريخها مهمة شائكة. ثمة آراء متعددة تتعلق بالأناركية وتاريخها. يعتقد البعض أن الأناركية حركة متميزة وواضحة المعالم من القرنين التاسع عشر والعشرين، في حين ينوّه البعض الآخر بوجود اتجاهات أناركية ظهرت قبل وقت طويل من ظهور الحضارات نفسها.

وُجدت المجتمعات ما قبل التاريخية دون طبقيات رسمية، ما حدا ببعض الأنثروبولوجيين إلى إطلاق صفة الأناركية عليها. يمكن تتبع أولى آثار الفِكر الأناركي المنهجي في اليونان القديمة والصين، حيث وضع عدة فلاسفة ضرورة وجود الدولة في موضع الشك وأعلنوا عن الحق الطبيعي للفرد بأن يحيا دون التعرض للإكراه. خلال القرون الوسطى، تبنت بعض الطوائف الدينية فِكرًا ليبرتاريًا، ومثّل عصر التنوير وظهور العقلانية والعلم نقطة ميلاد الحركة الأناركية المعاصرة.

في نهاية القرن التاسع عشر تميزت الأناركية بكونها جزءًا جوهريًا في صميم الحركة العمالية، جنبًا إلى جنب مع الماركسية. ساهمت عدة عوامل في تطوّر الأناركية وانتشارها في جميع أرجاء العالم؛ يُذكر منها: الحداثة، والثورة الصناعية، ورد الفعل السلبي على الرأسمالية والهجرات الجماعية. ظهرت المدارس الفكرية الأناركية الرئيسية في نفس الوقت الذي نمت فيه الأناركية باعتبارها حركة اجتماعية، يُخصّ بالذكر الأناركية الجماعية، والشيوعية الأناركية، والنقابية الأناركية، والأناركية الفردانية. ترافَق نمو الحركة العمالية بتعمق الشرخ أكثر فأكثر بين الأناركيين والماركسيين. انفصل التياران عن بعضهما بشكل رسمي في المؤتمر الخامس للأممية الأولى في العام 1872، ولم تنجح الأحداث اللاحقة سوى في ترسيخ الانفصال بينهما. انخرط الأناركيون بكل حماسة في الثورة الروسية، ولكن سرعان ما تعرضوا للاضطهاد على أيدي البلاشفة الذين استأثروا بالسلطة، وخصوصًا ما وقع في تمرد كرونشتات والإقليم الحر (أوكرانيا).

أدت الأناركية دورًا تاريخيًا محوريًا في مجريات الحرب الأهلية الإسبانية، عندما أسس الأناركيون إقليم كتالونيا اللاسلطوي. نشأت كتالونيا اللاسلطوية على مبادئ النقابية-الأناركية، بوجود نقابات عمالية ذات سطوة في المدن، وزراعة جماعية في الريف، ولكن انقشاع دخان الحرب عن هزيمة الأناركيين وحلفائهم أفضى إلى ترسيخ أركان الفاشية في إسبانيا. في ستينيات القرن العشرين، ظهرت الأناركية مجددًا بوصفها قوة ثقافية وسياسية عالمية، وخصوصًا عبر ارتباطها بحركة اليسار الجديد. منذ ذلك الحين، تركت الأناركية بصمتها على الحركات الاجتماعية التي تتبنى الحرية الفردية والديمقراطية المباشرة. إضافة إلى ذلك، أسهمت الأناركية بشكل فاعل في حركة مناهضة العولمة، ونزاع إقليم شياباس، والنزاع في روجافا (الإدارة الذاتية لشمال شرق سوريا).

This article is issued from Wikipedia. The text is licensed under Creative Commons - Attribution - Sharealike. Additional terms may apply for the media files.