ثقافة مسيحية

الثقافة المسيحية هي الممارسات الثقافية الشائعة في المسيحية. مع انتشار المسيحية السريع في أوروبا، وسوريا، وبلاد ما بين النهرين، وآسيا الصغرى، ومصر، وإثيوبيا، والهند، وبحلول نهاية القرن الرابع، أصبحت أيضًا كنيسة الدولة الرسمية للإمبراطورية الرومانية. أثرّت الثقافة المسيحية واستوعبت معظم مبادئها من الثقافة اليونانية الرومانية البيزنطية، والثقافة الغربية، والثقافة الشرق أوسطية، والثقافة السلافية، والقوقازية، وربما الهندية.

لعبت المسيحية دورًا بارزًا في تطوير الحضارة الغربية، ولا سيّما الكنيسة الرومانية الكاثوليكية والبروتستانتية. كانت الثقافة الغربية عبر معظم تاريخها تساوي تقريبًا الثقافة المسيحية، ويُمكن وصف العديد من سكان نصف الكرة الغربي بأنهم مسيحيو الثقافة. يرتبط مفهوم «أوروبا» و«العالم الغربي» ارتباطًا وثيقًا بمفهوم «المسيحية والعالم المسيحي»، ويعزو الكثيرون أيضًا إلى المسيحية أنها الرابط الذي أنشأ هوية أوروبية وحدوية. قال المؤرخ بول ليغوتكو من جامعة ستانفورد إن الكنيسة الكاثوليكية «هي في قلب تطور القيم، والأفكار، والعلوم، والقوانين، والمؤسسات التي تشكل ما نسميه الحضارة الغربية». لعبت الكنيسة الأرثوذكسيَّة الشرقيَّة دورًا بارزًا دور في تاريخ وثقافة شرق وجنوب شرق أوروبا والقوقاز والشرق الأدنى.

على الرغم من احتواء الثقافة الغربية على العديد من الديانات التي تؤمن بتعدد الآلهة خلال سنواتها الأولى في الامبراطوريتين اليونانية والرومانية، ومع تراجع مراكز القوة الرومانية، كانت الكنيسة الكاثوليكية القوة المسيطرة الوحيدة في أوروبا الغربية. حتى عصر التنوير، وجهت الثقافة المسيحية مسارها باتجاه الفلسفة، والأدب، والفن، والموسيقى، والعلوم. تطورت تخصصات الفنون المسيحية بعد ذلك إلى الفلسفة المسيحية، والفن المسيحي، والموسيقى المسيحية، والأدب المسيحي، وغيرها من التخصصات الفنية. كانت مجالات الفن، والأدب، والقانون، والتعليم، والسياسة جميعها محفوظة في تعاليم الكنيسة في بيئة مناسبة، وإلا لشهدت ضياعها على الأرجح. تأسست الكنيسة من العديد من الكاتدرائيات، والجامعات، والأديرة، والمعاهد الدينية، وما يزال البعض منها موجودًا حتى يومنا هذا. أنشأت المسيحية في العصور الوسطى أول الجامعات الحديثة. أنشأت الكنيسة الكاثوليكية نظام مستشفى في أوروبا في العصور الوسطى، وتحسّن بشكل كبير على يد الفاليتوديناريا الرومانية. أُنشئت هذه المستشفيات لإعانة «مجموعات اجتماعية مهمشة بسبب الفقر والمرض والعمر» وفقًا لمؤرخ المستشفيات غونتر ريس. أثّرت المسيحية بشكل كبير في جميع جوانب الحياة الأخرى: الزواج والأسرة، والتعليم، والعلوم الإنسانية والعامة، والنظام السياسي والاجتماعي، والاقتصاد، والفنون.

كان للمسيحية تأثير جليل في التعليم والعلوم والطب، إذ أنشأت الكنيسة قواعد نظام التعليم الغربي، وكانت راعية لتأسيس الجامعات في العالم الغربي مع اعتبار الجامعة بشكل عام مؤسسةً يعود أصلها إلى بيئة العصور الوسطى المسيحية. ساهم العديد من رجال الدين على مر التاريخ مساهمات مهمة في العلوم، وعلى وجه الخصوص، ساهم اليسوعيون بصورة ملحوظة في تطوير العلوم. شمل التأثير الثقافي للمسيحية الرعاية الاجتماعية، وتأسيس المستشفيات، والاقتصاد (مثل أخلاقيات العمل البروتستانتيةوالقانون الطبيعي (الذي أثر لاحقًا في إنشاء القانون الدولي)، والسياسة، والعمارة، والأدب، والنظافة الشخصية، والحياة الأسرية. لعبت المسيحية دورًا في إنهاء الممارسات الشائعة بين المجتمعات الوثنية كالتضحية البشرية، والعبودية، وقتل الأطفال، وتعدد الزوجات.

قدّم المسيحيون مساهمات كثيرة من أجل تقدم البشرية في مجموعة واسعة من المجالات، سواء عبر التاريخ أو في العصر الحديث، من ضمنها العلوم والتكنولوجيا، والطب، الفنون الجميلة، والعمارة، والسياسة، والآداب، والموسيقى، والأعمال الخيرية، والفلسفة، والأخلاق، والمسرح، والأعمال. وفقًا لـمئة عام من جوائز نوبل، كشفت مراجعة لجوائز نوبل بين عامي 1901 و2000 أن (65.4%) من الفائزين بجوائز نوبل حددوا المسيحية بأشكالها المختلفة على أنها الدين التفضيلي. ساهم المسيحيون الشرقيون أيضًا (لا سيما المسيحيون النساطرة) في الحضارة العربية الإسلامية طوال العصرين الأموي والعباسي بترجمة أعمال الفلاسفة الإغريق إلى السريانية ولاحقًا نقلوها إلى العربية. تميزوا أيضًا في الفلسفة، والعلوم، واللاهوت، والطب.

يُعد مسيحيو الثقافة أناسًا علمانيين ذوي تراث مسيحي ربما لا يؤمنون بالمزاعم الدينية المسيحية، لكنهم يحتفظون بألفة للثقافة الشعبية، والفن، والموسيقى، وما إلى ذلك. بعبارة أخرى، إنهم يميزون بين الجماعات السياسية في المناطق ذات الخلفيات الدينية المختلطة.

This article is issued from Wikipedia. The text is licensed under Creative Commons - Attribution - Sharealike. Additional terms may apply for the media files.